البَارِحَةُ كُنتُ هُنَا…..نجلاء محجوب

منبر العراق الحر :
لقد صافَحتُ السَّرابَ مِرارًا، ومشيتُ خَلفَ الفَراغ.
أخبَرَني الحائطُ أنَّهُ أغلَقَ على نَفسِه بابَهُ مُنذُ سَنَوات،
يَبدو أنَّهُ مِثلي.. لا يُعشِقُ الصَّخب.
مرَّ الأَمسُ من هُنا.
السَّاعةُ على الجِدارِ لا تَعمَل.
جارِي كانَ يَملِكُ ثلاثَ قِطَط، باعَهُنَّ ليَشتري صُندوقًا يَدفِنُ فيهِ الظَّلام،
منذُ وقتٍ طَويلٍ وأنا هُنا،
ولا أحدَ هُناك..
سِوى أشياءَ لا تَعرِفُني،
أو رُبّما نَسِيَت كَيفَ تَتذكَّرُني:
البابُ، الجِدارُ، وفَمِي المُغلَق،
خِزانَةُ المَلابسِ البَالِيَة،
وابتِسامَةُ النَّافِذَةِ المُوارَبَة،
وعَينَيَّ المُغمَضَتَينِ عن عالَمٍ لا يُشبِهُنِي،
وَحيدٌ أنا، أَمشي على حَافَّةِ عَقلٍ،
أُقاوِمُ الانهيارَ بابتِسامَةٍ نِصفِ مَشقوقَة،
وضجيجٌ ملوَّن..!
مُنذُ متى وأنا خَلفَ السَّراب؟
لا أَعلَم.
لا وَقتَ هُنا.
فقط مِعطَفٌ مُعلَّق،
وزَمَنٌ فارِغٌ يَبكِي الوَقت،
ولَحظاتٌ هارِبَةٌ في جَيبٍ مَثقوب.!
لا تُخبِرني مُجدَّدًا مَن أنت.
الطَّبيبُ قالَ مِرارًا: إنّني أَعيشُ بمُفرَدي،
وَسطَ جُدرانٍ صامِتَة،
لكِنَّني لم أُصَدِّقْه.
أَعرِفُ أنَّهُ يَتَنصَّتُ عَلَيَّ طِوالَ الوقت،
يُراقِبُني حينَ أَرتَشِفُ الأَيَّام، وأُصافِحُ الهَوَاء،
ها ها ها ..
آاااه، كَم أنتَ ماكِر..!
لكنِّي لا أُعطيكَ انتِباهي..
أنا مَشغولٌ جِدًّا بحديثِ اللَّيلِ والنَّافِذَة،
هَل كُنتَ نائِمًا حينَ قالَ ظِلِّي:
“أينَ كُنتَ هَارِبًا البَارِحَة؟”
أَحبِسُهُ كَثيرًا. وأَخرُجُ وَحدِي،
أَعرِفُ جيدًا أنَّهُ يُفسِدُ عَلَيَّ صَمتي السَّاخِر،
وثرثرتي بلا كلام،
أُحاوِلُ أن أَنطِقَ اسمي بصَوتٍ لا يُسمَع،
وأَعلَمُ أنَّهُ سَيَختَبِئُ خَلفَ ظِلِّ أَبِي،
كُنتُ البَارِحَةَ أَتَفَقَّدُ انْعِكَاسِي في المِرآة،
الذي لم يَكُنْ يَومًا أَنا..!
أُريدُ أن أُصبِحَ يَومًا لا يُشبِهُ أبي… هَل تَسمَعُني؟
أَخبِرني، أَيُّهَا الفَراغ،
كَيْفَ أَمحُو “أَمسْ” أمحوه جدًا
لأَكونَ “اليَومْ”.. وَجَعِي بِكُلِّ مَلامِحِهِ..!
نجلاء محجوب

اترك رد