منبر العراق الحر :…. د. جوتيار تمر….اقليم كوردستان / 1-8-2025
تعتبر القدرة الحكومية على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي من ابرز مؤشرات قوة الدولة ونجاحها في تحقيق اهدافها الوطنية، فحينما تفقد الحكومة سيطرتها على مكونات المجتمع، لا ينهار النظام الاداري فحسب، بل تتآكل الروابط الاجتماعية وتنتشر مظاهر الفوضى والعنف، ما يؤدي الى زعزعة الامن والاستقرار بشكل شامل، ذلك الواقع ليس مجرد فشل اداري او تقني، بل هو انعكاس لخلل جوهري في طبيعة الحكم وعلاقته بالمجتمع، خصوصا في المجتمعات التي تشكل فيها الانتماءات العشائرية والقبلية مكونات اساسية للهوية الجماعية، وعليه، فان دراسة تداعيات ذلك الفشل لا تقتصر على رصد الظواهر السطحية بل تتطلب تعميق النظر في الاسباب البنيوية التي تؤدي الى انهياء المؤسسات وتفكك النسيج الاجتماعي، وكذلك كيفية استغلال تلك الاوضاع من قبل قوى متعددة – المعارضة – مما يجعل من الفهم المتعمق لذلك الملف ضرورة محلة لضمان استقرار المجتمعات وتنميتها.
تلك الحكومات التي تفشل في توفير أبسط حقوق المواطن تفقد شرعيتها الاخلاقية والسياسية، ويصبح المواطن في ظل ذلك الانهيار أكثر عرضة للانخراط في الصراعات العشائرية أو الجرائم المنظمة كوسيلة للبقاء وتحقيق الامان، كما ان الفشل في ادارة الملفات الاقتصادية والمالية، مع تمحور القرارات حول مصالح حزبية ضيقة، يوسع الفجوة بين الدولة والمواطن، مما يدفع الاخير الى البحث عن بدائل غير قانونية للحماية او لتحقيق العدالة.
يمثل تطبيق القانون بشكل انتقائي في اقليم كوردستان من أخطر مظاهر التقصير الحكومي، إذ غالبا ما يعفى ابناء المسؤولين وكبار العشائر من المحاسبة فضلاً عن اصحاب الاحزاب ذوي النفوذ الاقتصادي واصحاب القنوات الاعلامية المعارضة، وحتى افراد العوائل الحاكمة التي تحتكر كل شيء تقريباً، فلا تحاسب على التقصير ولاتحاسب على التجاوزات غير القانونية، وحتى حين تصدر القرارات الرسمية لمنع التجاوزات من قبل غالبية المذكورين سابقاً، يتم وقف العمل لفترة ثم ما تلبث تلك الاعمال تتصدر المشهد ( كما حدث في اكتوبر 2022 حين صدرت قرارات بمنع العمل بالمصافي النفطية التابعة لاعضاء من الاسرة الحاكمة وكبار المسؤولين )، في حين تمارس اقصى درجات العقاب على عامة المواطنين، لاسيما فيما يتعلق بفرض الضرائب التي تثقل كاهلهم (الكهرباء، الماء، ضرائب اخرى)، وتبرر الحكومة تلك الضرائب على انها مصدر تمويل لديمومة المشاريع الداخلية، بالمقابل لا تستطيع الحكومة حتى تأمين الرواتب التي هي ركيزة اساسية في انتعاش الحياة العامة في الاقليم، ذلك التفاوت في المعاملة يزرع شعورا عميقا بالظلم ناتعدام الثقة تجاه المؤسسات الرسمية، مما يدفع المواطنين للجوء الى ما يسمى بالعدالة العشائرية، أو الانتقام الفردي كبدائل فعلية لحل النزاعات ونتيجة لذلك، تتحول العشائر الجماعات المسلحة الى اللاعبين الاساسيين في ضبط الامن، مما يضعف دور الحكومة القانوني، ويجعلها عاجزة عن فرض سيادتها الحقيقية.
في مدن كالسليمانية واربيل ودهوك، توثق الوقائع أن هذا التطبيق الانتقائي للقانون مستمر ويتفاقم، ففي محافظة اربيل على سبيل المثال – هناك العديد من الانفلاتات الاخرى لكننا نذكر هذه على سبيل المثال لا الحصر – ، شهد قضاء خبات اشتباكات مسلحة بين قوات البيشمركة وافراد من عشيرة الهركية، إثر خلاف حول سقس الاراضي الزراعية بعد تغيير مسار احد الافرع النهرية، مما ادى الى سقوط قتلى وجرحى، وحرق مركبات امنية، وفي ناحية شيلادزي التابعة لمحافظة دهوك، تكررت النزاعات المسلحة بين العشائر، حيث أصيب العديد من الشبان، وفي وقت سابق لتلك الاحداث وقع نزاع مسلح بين عشيرة الشرفانية وخصوم عشائريين، حيث قتل أحد الافراد البارزين في العشيرة – الشرفانية – ، في حين جرح ابن رئيس العشيرة نفسه في المواجهة ذاتها؛ أما في مدينة السليمانية، فقد شهدت حوادث مشابهة من النزاعات العشائرية المسلحة التي أسفرت عن تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة؛ إذ قضى ثلاثة اشخاص نحبهم جراء نزاع مسلح بين افراد عائلتين في قرية قاسم بك زاده في جمجمال، ما يؤكد استمرار تفوق القانون العشائري على النظام القانوني في العديد من مناطق الإقليم؛ و يجدر بالذكر أن هذه النزاعات في الأغلب تحل عبر التوافقات العشائرية، التي تستند إلى قوانين عرفية وليس إلى النظام القانوني الرسمي، ما يعزز هيمنة القوانين القبلية على النظام المدني، فغياب حلول قانونية تؤدي غالبا إلى استمرار حل المشاكل عن طريق القوة والانتقام، وهو ما يعكس هشاشة مؤسسات الحكومة في تلك المناطق.
لايخفى على متتبع للواقع الكوردستاني ان الاحزاب تستغل تلك النزاعات العشائرية في الاقليم كوسيلة لضمان مكاسب سياسية قصيرة الامد، خاصة في فترة الانتخابات، إذ تعبأ الولاءات العشائرية لتثبيت سلطات النخب الحاكمة، في المقابل تستغل المعارضة ايضاً تلك الولااءات لزيادة تفكيك الاواصر الاجتماعية داخل العشائر نفسها، ويتجاهل كل الاطراف القيم الاصيلة للعشيرة القائمة على التكافل والعدل، ذلك الاستغلال السياسي يكرس الانقسامات الاجتماعية ويضعف الهوية الوطنية، إذ يتفوق الولاء للعشيرة أو الزعيم المحلي على الولاء للحكومة، مما يخلق مجتمعا ممزقا يعصب فيه بناء وحدة وطنية متماسكة.
تجسد هذه السياسات الحكومية الفاشلة في تفشي الانفلات الأمني وتزايد النزاعات العشائرية المسلحة التي تشهدها مدن إقليم كوردستان، حيث يبرز واقع أن السلطات عاجزة عن فرض القانون بشكل متساو، ويضاف إلى ذلك انتشار السلاح بين الأفراد والعشائر، الذي أدى إلى تقويض سلطة الحكومة على أدوات العنف، مما عزز من تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية.
لا يمكن للحكومة أن تحافظ على هيبتها وسيادتها دون عدالة ومساواة في تطبيق القانون، ودون إنهاء استغلال الولاءات العشائرية لأغراض سياسية ضيقة؛ فغياب العدالة الحقيقية يجعل من القانون أداة قمع تستهدف فئات محددة، ويتيح للعشائر والجماعات المسلحة أن تلعب دور الحاكم الفعلي في بعض المناطق، مع ما يترتب على ذلك من تهديد للنسيج الاجتماعي ووحدة المجتمع؛ لذلك، تتطلب المرحلة الحالية مراجعة جذرية للسياسات الحكومية في إقليم كوردستان، مع التركيز على تعزيز سيادة القانون، وإرساء العدالة الاجتماعية، وتفعيل المؤسسات القانونية المدنية، بدلا من الاعتماد على العشائر والقوى المسلحة كأدوات لحفظ النظام.؛ فإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن المجتمع سيظل ساحة مفتوحة للفوضى التي لا رابح فيها سوى الفوضى نفسها، بينما يدفع ثمنها الشعب بأكمله، وخاصة الشباب الذين يتحملون أعباء العنف والتشريد.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر