الإنسانوية في مواجهة التشييء: دعوة لإعادة الاعتبار للإنسان دعوة لإيقاف اغتيال الإنسان في الأفراد

منبر العراق الحر :….كفاح جرجس….

في زمن تتكاثر فيه الانتماءات الضيقة، وتُختزل فيه قيمة الإنسان إلى مجرد رقم في معادلات السلطة والطائفة، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الإنسانوية، ذلك المفهوم الذي نشأ في القرن الثامن عشر، ويختلف جذرياً عن التعاطف العاطفي الذي تطرحه “الإنسانية” التقليدية.

الإنسانوية لا ترى الإنسان من خلال ضعفه أو مرضه أو مظلوميته، بل من خلال كرامته الأصيلة، واحترامه ككائن يتمتع بحقوق غير مشروطة، لا ترتبط بعرقه أو طائفته أو طبقته. إنها فلسفة أخلاقية ترى أن الإنسان لا يُقاس بانتمائه، بل بوجوده.

المثقف الإنسانوي: شرط أخلاقي لا يُستغنى عنه

المثقف الحقيقي، في هذا السياق، ليس من يملك المعلومات والمعارف فحسب، بل من ينحاز للإنسان كقيمة.
مثقف الطائفة، مثقف الحزب، مثقف السلطة، مثقف الفئة أو الطبقة، جميعهم يتخلّون عن الشرط الأخلاقي الإنسانوي حين يحددون أنفسهم ضمن انتماء ضيق.
هؤلاء لا يمكن اعتبارهم مثقفين، بل أدوات لإعادة إنتاج الانقسام، وتكريس التبعية، وتبرير القمع.

الإنسان كرقم: أزمة التشييء

ما نشهده اليوم هو تراجع خطير عن الإنسان كفرد، وتحويله إلى قيمة عددية تراكمية، لا يُنظر إليه إلا من خلال موقعه في الجماعة.
هذا التحول يؤدي إلى قتل القدرة على الإنتاج المعرفي والأخلاقي، ويجعل تقييم الأفراد قائماً على قاعدة أيديولوجية ترى الإنسان مجرد رقم، .

تحالف السلطة والطائفة: مأساة مستمرة

معادلات السياسة، والترندات الطائفية، والسلطة المؤقتة، متحالفة من حيث النتيجة: جميعها تسحق الفرد، وتُنتج رموزاً شعبية من مثقفي الطوائف، الذين يعتاشون على تراكمات عددية فاقدة للروح والكرامة.
هذا التحالف هو الأوكسجين لنمو ثقافة التشييء، وتحويل الإنسان إلى تابع، لا فاعل.

لا بديل عن إعادة مأسسة القيم

الحل لا يكمن في التجميل أو الإصلاح السطحي، بل في إعادة مأسسة الأفكار، وإنتاج تصور جديد للإنسان، قائم على الحرية والكرامة والحقوق الأصيلة.
إذا استمر قتل الإنسان، واستمرت ثقافة العصبوية الفئوية، فإننا ندور في حلقة مغلقة من الدمار الذاتي، لا نهاية لها.
هذه دعوة لكل مثقف حر، ولكل إنسان يؤمن بقيمة الإنسان، أن ينهض دفاعاً عن الإنسانوية، لا كترف فكري، بل كضرورة وجودية.
فإما أن نعيد الاعتبار للفرد بصفته انسان، أو نواصل الانحدار نحو مجتمع بلا روح، بلا أخلاق، بلا إنسان.
باختصار
إلى لا مجتمع
إلى لا وجود
بقلم المهندس كفاح جرجس
مفكر سوري

اترك رد