منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….
يبدو أن الدوحة تمكنت على الأرجح من هندسة تفاهم غير معلن مع طهران، ليس بوصفه اتفاقاً سياسياً مكتمل الأركان، بل كترتيب أمني مؤقت هدفه الأوضح تحييد قطر عن دائرة الاستهداف المباشر، ولو إلى حين. الدليل الأكثر دلالة لا يكمن في التصريحات، بل في الوقائع الصامتة، غياب أي ضربات صاروخية أو هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأيام الأخيرة، بالتوازي مع استعادة العاصمة إيقاعها الطبيعي. مثل هذا التحول لا يُفسَّر بالصدفة، ولا يمكن عزله عن تفاهم جرى في الظل، بل تكشف الوقائع الصامتة عن وجود قناة غير مرئية لضبط التصعيد، تمنع انزلاق العلاقة إلى مواجهة مفتوحة. هذا التباين بين العلن والممارسة ليس تناقضاً، بل هو جوهر السياسة حين تتحول إلى إدارة دقيقة للمخاطر.
ما حدث، يعكس لحظة تقاطع مصالح الطرفين: إيران تخفف ضغطها على جبهة يمكن تحييدها، وقطر تنجح في شراء مساحة أمان داخل مشهد إقليمي مشتعل. إنها ليست صفقة بالمعنى التقليدي، بل توازن مؤقت يقوم على إدراك متبادل لكلفة التصعيد وحدوده.
الأعمق من ذلك أن طهران لا تتحرك بعشوائية، بل بمنطق “إدارة الجبهات”. فهي تدرك أن استهداف الخليج ككتلة واحدة يوحد خصومها ويستدعي تدخلاً أمريكياً أوسع، لذلك تلجأ إلى تفكيك هذه الجبهة عبر التمييز بين الدول. وهنا تبرز خصوصية قطر: علاقات مفتوحة مع إيران، وتقاسم حقل غاز مشترك (بارس الجنوبي/الشمال)، وسياسة خارجية مرنة تقوم على الوساطة. لذلك، تحييد قطر هو كسر أحد أعمدة التكتل دون تكلفة عالية.
الرسالة كانت واضحة، قطر لا تبحث عن الانتصار بل عن البقاء خارج الحرب، وان أولويات الدوحة هي: حماية نموذج الدولة الاقتصادية، فالضربة التي تلقتها على (رأس لفان) تعني، تهديد مباشر لعصب الاقتصاد (الغاز). لذلك لن تكون منصة حرب ضد إيران، بتحييد قاعدة العديد الجوية، كي لا يجعلها هدفاً تلقائياً. والحفاظ على دورها كوسيط، تبني نفوذها على التوازن، لا الانحياز. لذلك كان سلوكها الطبيعي هو: إدانة إيران إعلامياً، وإبقاء قنوات مفتوحة معها عملياً.
الذين يهاجمون هذا الخيار يتجاهلون الحقيقة الأوضح: أي مواجهة مباشرة مع إيران ليست (معركة شرف، بل مقامرة وجودية). دولة مثل قطر، اقتصادها قائم على الغاز وبنيتها التحتية مركّزة وحساسة، لا تملك رفاهية الدخول في حرب مفتوحة. ضربة واحدة لمنشآتها كفيلة بإعادة عقارب الساعة سنوات إلى الوراء، وربما تفجير الداخل قبل الخارج.
هنا تتجلى الرؤية التي طالما حذّر منها وزير الخارجية الأسبق حمد بن جاسم، الانجرار إلى حرب مع إيران ليس بطولة، بل خطأ استراتيجي يرقى إلى مستوى الانتحار. هذه ليست مبالغة، بل قراءة باردة لموازين القوة. إيران لا تحتاج إلى احتلال الخليج كي تؤذيه، بل يكفيها أن تضرب مفاصله الاقتصادية.
المشكلة ليست في قطر… بل في الرواية الخليجية التقليدية التي لا تزال تفكر بمنطق (الجبهة الصلبة). هذا المنطق يفترض أن وحدة الموقف تعني وحدة القرار، وأن الاصطفاف يعني القوة. لكن الواقع يقول العكس: الاصطفاف الأعمى في حرب غير متكافئة لا يصنع قوة، بل يضاعف الخسائر.
أما الهجوم الإعلامي على الدوحة يكشف أكثر مما يخفي. هو تعبير عن قلق عميق من نموذج مختلف، وهنا تحديداً، اختارت قطر طريقاً مختلفاً: طريق “الحياد الذكي” وهو نموذج يقول إن البقاء خارج الحرب قد يكون أكثر ذكاءً من الانخراط فيها. نموذج يهدد بإعادة تعريف “المصلحة الخليجية” بعيداً عن منطق التصعيد الدائم.
وفي الحقيقة، ما فعلته قطر ليس خروجاً عن الصف، بل قراءة متقدمة للمرحلة. لقد أدركت أن الصراع الحالي ليس معركة يمكن حسمها بضربة واحدة، بل شبكة معقدة من الاشتباكات المتداخلة، حيث الخطأ الصغير قد يفتح أبواب الجحيم. لذلك اختارت أن تدير المخاطر بدل أن تغامر بها.
وهنا المفارقة، ما يُتهم اليوم بأنه ضعف قد يكون في الواقع أعلى درجات القوة السياسية. فالدولة القوية ليست تلك التي تندفع إلى كل معركة، بل تلك التي تعرف أي المعارك يجب تجنبها. قطر لم تنحاز لإيران، ولم تنقلب على الخليج، ولم تخرج من المعادلة. هي ببساطة أعادت تعريف دورها داخلها. اختارت أن تكون لاعباً يوازن لا طرفاً يُستنزف. وفي زمن الفوضى، قد يكون هذا هو الخيار الوحيد العقلاني.
أما الرهان على حرب مفتوحة مع إيران، تحت أي شعار، فهو ليس استراتيجية… بل مغامرة لا يملك الخليج ترف خوضها.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر