حين ينسى الإنسان اسمه… بقلم رانية مرجية

منبر العراق الحر :

في دار المسنين، كانت هناك غرفة في آخر الممر لا يدخلها أحد.

ليس لأنها مغلقة، بل لأن من يدخلها يعود وكأنه خرج أقلّ مما كان عليه.

سليم كان الوحيد الذي يدخلها كل صباح.

يجلس على الكرسي نفسه، ويضع أمامه دفترًا أزرق لا يفارقه.

كان يسميه: “ذاكرتي الأخيرة”.

في الثامنة والثمانين، لم يعد يخاف الموت بقدر ما يخاف لحظة لا يتذكر فيها اسمه.

لذلك كان يكتبه كل يوم:

اسمي سليم.
كنت نجارًا.
أحببت رائحة الخشب حين يُقطع لأول مرة.
كانت زوجتي تعرف متى أكذب.
لي ابنة اسمها ليان.

لم تكن جملًا بقدر ما كانت محاولة للنجاة من النسيان.

في مساءٍ هادئ، دخلت متطوعة جديدة إلى الدار.

لم تكن تعرف الكثير عن المرضى، لكن شيئًا في الغرفة شدّها.

رأت الدفتر الأزرق، وفتحته.

قرأت بصمت، ثم قالت:
“هل هذا دفتر حياتك؟”

أجاب بهدوء:
“هذا ما أتمسّك به حين يبدأ كل شيء بالاختفاء.”

منذ ذلك اليوم، صار بينهما طقس بسيط.

هو يتذكر، وهي تكتب.

“كنت نجارًا.”

“بكيت يوم ولدت ابنتي.”

“خفت من البحر وأنا طفل.”

ومع الوقت، صار الدفتر أثقل.

لكن سليم صار أخف.

كأن حياته تنتقل منه إلى الورق شيئًا فشيئًا.

ثم جاء صباح مختلف.

جلس كما اعتاد، لكنه لم يتذكر اسمه.

ولا أين هو.

ولا لماذا هو هناك.

دخلت المتطوعة.

سألته:
“هل تعرف من أنت؟”

نظر إليها طويلًا، ثم قال:
“أشعر أن الاسم قريب… لكنه ليس لي.”

فتحت الدفتر.

وجلست بجواره.

ثم بدأت تقرأ:

“اسمك سليم.”

ارتجف قليلًا.

“كنت نجارًا.”

تنفّس ببطء.

“أحببت رائحة الخشب حين يُقطع لأول مرة.”

ساد صمت طويل.

“زوجتك كانت تعرف متى تكذب.”

أغمض عينيه.

“ولك ابنة اسمها ليان.”

حين انتهت، لم يتكلم.

لكن يده ارتجفت وهو يلمس صدره، كأنه يتحقق أنه ما زال موجودًا.

ثم قال بصوت خافت:
“لم أكن أخاف الموت… كنت أخاف أن أفقد اسمي وأنا حي.”

في الأيام التالية، بدأ ينسى أكثر.

ويكتب أقل.

وصار الدفتر هو من يتكلم عنه بدلًا منه.

وفي ليلة هادئة، نام ولم يستيقظ.

كأنه أخيرًا توقف عن محاربة النسيان.

في اليوم التالي، جاءت ابنته ليان.

سُلِّم إليها الدفتر الأزرق.

جلست تقرأه طويلًا.

تبكي بصمت.

وتبتسم بصمت.

وفي الصفحة الأخيرة، وجدت سطرًا بخط مختلف:

“بعض الناس لا يتركون لنا ذكريات كثيرة…
لكنهم يتركون لنا أنفسنا، كي لا نضيع.”


رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد