قصة قصيرة ..فنّ اللعبة….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

في ليلة صاخبة بالألم والتعب، كانت أميرة في شهرها الثامن من الحمل. كانت متعبة جدًا، وكأن الليل كله جثم فوق صدرها.
نامت بعد عناء طويل، فرأت في منامها كأن الجنين في بطنها يتكلم معها. كان صوته هادئًا، ويسألها عن الدنيا: كيف هي؟ وماذا ينتظره فيها؟
فبدأت تحكي له ببساطة، بلا تزيين ولا مجاملة.
تحدثت عن أبٍ يعمل طوال النهار، ولا يكفيهم المال الذي يجمعه لأكثر من أسبوعين…
وعن فقرٍ يرافقهم كل يوم،
وعن أختٍ رحلت قبل سنتين، لأن مصاريف علاجها كانت باهظة ولا يملكون ثمنها.
وعن بيت صغير بالكاد يجمعهم، وإيجار يلاحقهم في نهاية كل شهر.
وتحدثت عن الكهرباء التي تنقطع، والماء غير الصالح للشرب، والمستشفيات التي لا ترحم الفقير، وعن مصاريف الدراسة التي عطّلت مستقبل إخوته،
وعن فسادٍ استشرى في البلاد، وأثقل حياة العباد، حتى صار جزءًا من حياتهم اليومية.
كان الجنين يصغي بصمت، وكأنه يفهم كل كلمة.
وحين انتهت، قال بصوتٍ حزين:
ما الحكمة من إنجابي إذا كانت الدنيا بهذا السوء؟
ثم أضاف بصوتٍ أهدأ، مثقلٍ بالألم:
أنتِ وأبي تتحملان مسؤولية مجيئي إلى هذه الحياة… ولن أسامحكما على هذا الجرم العظيم.
استيقظت أميرة فزعة، وقلبها يرتجف.
وحين أخبرت زوجها بالحلم، ابتسم وقال ليخفف عنها:
لا تخافي يا أميرة… سمعتُ من أمي يومًا أن الحلم يكون مقلوبًا. وربما يكون تفسيره خيرًا مما ظننتِ.
لعلّ هذا الطفل عندما يكبر يكون إنسانًا ذكيًا ويفهم الحياة مبكرًا، ولعلّه عندما يكبر قد يصير مسؤولًا كبيرًا في البلاد، يرسلنا إلى الحج مجانًا، ويجعل أيامنا كلها خيرًا… فقد عرف فنّ اللعبة قبل أن يولد.
سكتت أميرة، ونظرت إلى بطنها وهي تبتسم، كأنها ترى الجنين يستمع بصمت إلى حديث والده، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة، كأنه أعجبه تفسير والده للحلم، كما أعجبها هي أيضًا.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد