منبر العراق الحر :
أي عقل جبار يملك محمد بن عبد الله، قبل أن يصبح نبياً، أي فكر وثقافة ومعرفة موسوعية، أية روح عظيمة تدفقت فيها إرادة الله رب الأكوان ليعلن عن نهاية سلسلة الإرساليات للصالحين والأنبياء المرسلين!
العلاقة بين المرسل والمستقبل تقوم على مؤهلات، وتناظر في العلوم والأسرار أيضاً، وليس التحصيلات الروحانية فقط، ولم تكن الرسالة التي استقبلها النبي محمد وليد صدفة، أو لحظة مفارقة في عمر الوجود الأزلي، بل كانت حدثاً موقوتاً وليس طارئاً!
تأمل عميقاً في تلك السيرة والتاريخ، وسوف تتأكد من ذلك الاستنتاج!
***
في الحرم المكي، رغبت أن أوثق بعض حوار الأسئلة الصامتة بجوار الكعبة، في لقطات من صور بالكاميرا، زجرني المشرف صاحب الأمر بالمعروف، ليظهر أمامي صورة صافية للسوء والمكروه، وتعود تتأمل وتسأل: كيف كان الحال قبل ألف و400 سنة؟
هنا ولد الرسول محمد، وعاش في بيئة خشنة وأرواح أنتجتها صحراء قاحلة، مجتمع عبودية وكراهية وفكر متصلب عنادي، وآلهة وجودهم يرتبط باقتصاديات المدينة والقبائل، تركيبة مغلقة، استحالة تفكيكها وأخذها لخطاب آخر مغاير، غار حراء الذي يشكل محطة عزلة نفسية، كم تشبعت تجاويف ذلك الغار بالأفكار والتأمل العميق العميق، وحوارات داخلية جارفة في المحيط العقلي -الكوني لمحمد الذي سوف ينزل من جبل حراء إلى أرض مكة محملا بإشارات النبوة، وقيادة الجموع المتحجرة ليصنع منها مواد بناء لأمة أخرى مغايرة، جديدة في تفكيرها، مهمة استبدال الأرواح وتحريرها أمر صعب للغاية، خصوصا لمن ينشأ وسط الصحراء ويحمل صفاتها.
ما أعظم شأن محمد، مقولة أبي طالب، تنطبق على ما أحاط النبي محمد من صعاب ومهالك وأزمات قاتلة، وكان يحيلها إلى مثابات صمود وقوة روحية إضافية، وانطلاق للإصلاح والتأهيل وصقل معالم نبي الرحمة وفيلسوف المحبة الأنيق بجماليات السلام، سلوك ناعم صار يقود عالم الجبابرة، ويُخضعه لقوانين ودستور جديد، الشريعة الإسلامية، سلوك ورؤيا وقوة إقناع، ومراتب روحية ثقافية، لم يسبقه لها أحد من الفلاسفة أو الأنبياء من قبل!
***
ما حققه الرسول محمد، تخلخل ثم ضاع بعد رحيله، ولم تستطع أمة العرب أن تعيد ما أنجزه النبي، صار مستحيلا، لأنها أمة لم تحفظ وصية الرسول وتقرأ، ولم تألف غار جديد يبلور تفكيرها، اكتفت بترديد ما ينقل إليها، ويملي عليها، أمة غلب عليها الكسل الفكري والخمول المعنوي، فصارت تسلّم بالخرافة والغيبيات الفاقدة للمعنى، وتتكئ على الوهم.
السلام على الرسول العظيم محمد (ص) في ذكرى المولد النبوي!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر