منبر العراق الحر :
كل الأمم تتطور، أو كل الحضارات في جميع جوانبها، ولهذا التطور أسبابه التي لست بصدد شرحها، لكن التغيير الأساسي أو التطور الأساسي لوجوب تطور باقي الجوانب الثقافية والسياسية، إلى آخره، هو وجوب تطور أو تغير المجتمع، فإن كل التطورات الأخرى مرهونة بتطور المجتمع بذاته.
أقرأ التاريخ لتكتشف بأن هذا فعلاً ما كان يحدث على مدار التاريخ؛ أن فن الأمم يتطور، وثقافتها، وحتى لغاتها، ودينها، بمجرد أن يتغير المجتمع أولاً.
خذ على سبيل المثال المسلمين أو العرب ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام، ستلاحظ بأن ما جاء به الإسلام من تغيير للمجتمع العربي وإصلاح له، هو ما أدى فيما بعد للعرب إلى التوسع وإنشاء حضارة لها تأثير قائم إلى اليوم. فهنا كان التغيير الذي طرأ على العرب من ناحيتهم الثقافية والدينية والسياسية مرهونًا ببداية التغير الاجتماعي.
ولاحظنا ذلك أيضًا بعد اختلاط المسلمين بغيرهم من الأمم كفارس والشام ومصر، ولنذهب إلى القرنين الثاني والثالث الهجري، في عهد الخليفة المأمون. كلنا لاحظنا ازدهار الترجمة، والثقافة، والفنون، والكتابة بمختلف أنواعها داخل الدولة العباسية، التي كانت أكثر انفتاحًا من سابقتها، وهي الدولة الأموية التي كانت أكثر انغلاقًا على العرب.
وبعد الثورة العباسية المختلطة على باقي الشعوب والمنفتحة إليهم، أدى هذا إلى التغير الاجتماعي، وفيما بعد إلى تغير عقلية الفرد المسلم، بحيث أدى ذلك بنا إلى الترجمة، وإلى بناء الفلسفة الإسلامية فيما بعد.
هنا أيضًا كان تغير المسلمين قائمًا على تغير المجتمع. وهنا كلنا لاحظنا الانفتاح على باقي الشعوب في هذين القرنين، وما تلاهما في عصر الدولة العباسية من الانفتاح حتى على الفنون الأدبية، فوجدنا لأول مرة بشكل واضح كسر تقاليد الشعر العربي العمودي الذي تعوّد عليه العرب منذ كانوا في عصر الجاهلية في الجزيرة العربية، وحتى وصولهم إلى الأندلس. فظهر شعر الموشحات الذي أيضًا يُعد كسرًا لتقاليد الشعر آنذاك، وأصبح مقبولًا.
هذا القبول لهذا النوع من الشعر كان قائمًا على قبول الاختلاط بشعوب غير عربية، وسماع ما لديهم من فنون، وحتى ترجمة ما لديهم من فنون، وقراءة وإتقان لغات غيرهم كالفرس.
ورأينا ذلك حتى في عرب عهد الاستعمار وإلى نهاية الاستعمار في البلدان العربية شيئًا فشيئًا، بدءًا من الأربعينات إلى بداية الستينات. فأصبح العالم ليس كما كان سابقًا في عهد الدولة العباسية أو الأموية، العالم أصلًا أصبح منفتحًا أكثر مما كان عليه بكثير.
وكان للحرب العالمية، والاستعمار، والفترة المظلمة التي سيطر بها غير العرب على العرب لفترة طويلة، وموت روح الأدب العربي، أثرٌ أدى إلى تغيير في الروح الاجتماعية العربية.
بالتالي، تغير المجتمع، وأمكننا ملاحظة ذلك في كل شيء، بدءًا من الثورة العربية الكبرى إلى ثورات البلدان العربية ضد الاستعمار، وضد الحكومات التي أقامها الاستعمار. فنتج تغير واضح، من انتشار الأفكار السياسية، وحتى دخول المدارس الأدبية والفنون الأدبية الأخرى على العرب، ما أدى بهم إلى كسر آخر، أو تطور آخر، إلى النظم العربي القديم.
على سبيل المثال، كأحد أنواع التطور الأدبي، بإنتاج ما يسمى شعر التفعيلة في الأربعينات والخمسينات. بحيث إن الفترة المظلمة التي أثّرت على العرب ببعدهم عن الهوية العربية بذاتها، أصبح الشعر العمودي بصيغته القديمة غير قادر على تأدية وظيفته الاجتماعية كما كان في السابق.
لذلك تم استحداث شعر التفعيلة، الذي كان قادرًا على تأدية الوظيفة الاجتماعية في وقته المناسب. وهذا لا يجعله بالضرورة أفضل من الشعر العمودي، لكن سبب تراجع الشعر العمودي ولمعان نجم الشعر الحر في تلك الفترة وما تلاها، هو أن الشعر العمودي بات أبعد عن المجتمع العربي، على خلاف الشعر الحر الذي كان أقرب إليهم، وإلى التعبير بلغتهم المعاصرة، وبأسلوبهم المعاصر الذي ابتعد عن أسلوب أسلافهم، الذي كان يليق بأسلافهم وطبيعة وقتهم وطبيعة مجتمعهم آنذاك.
العرب هنا كانوا كمثال بتاريخهم الأدبي والسياسي على أن المجتمع هو أساس تغير وتطور كل الحضارة. فكل الأمم تتطور، لكن كل التطور مرهون بتطور المجتمع أولًا.
هذا لاحظناه في كل الأمم التي نهضت أو تطورت أو نشأ تطور في مجال معين لهذه الأمم، سواء كان في الأدب أو السياسة أو الفنون أو غيرها من المجالات.
كان دائمًا يجب أن يتغير شيء في المجتمع لكي يؤدي إلى تغير باقي عناصر الحضارة أو الأمة. هذا لاحظناه في الصين الشعبية بداية نشأتها، وفي أوروبا بداية عصر النهضة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر