منبر العراق الحر :
ملايين العراقيين خرجوا للساحات والشوارع في بغداد وبقية مدن الوسط والجنوب، أسراب مليونية بيضاء حالمة باستعادة الوطن من الفاسدين، حملوا أعلام العراق وقلوبهم تهتف موطني، موطني وفيض الدموع يمازج الأسى ببهجة الهتاف والأحلام الخضراء، كل شيء ميت صار يتنفس!
قمصان بيضاء تحتها قلوب عاشقة تركوا مقعد الدرس في الجامعة والثانوية وحتى تلاميذ الابتدائية، لحظة كان فيها الوطن يخرج خزائنه من ذوات محتجة متفجرة بالغضب الطهور على فساد الطبقة السياسية وأحزابها المجرمة!
يريدون وطناً نظيفاً، يشددون على حرية الوطن، يبحثون في شوق عظيم عن سيادته! كانوا يطالبون بالعدالة وذلك الحلم البعيدة بعودة الثقافة والأخلاق والجمال، تلك السماوات التي شردها عفن الأحزاب وظلامهم.
كانت فرصة تاريخية عبر فيها الجيش الأبيض الفاتن، لشعب وبكل سلمية، عن رفض الفساد واستلاب الحقوق وهدر كرامة الوطن!
شعب يحرر نفسه من سلطة الخوف، ويختار الخروج بملء إرادته، ليعيد إطلاق النشيد الحبيس، فيغسل أخزان ساحات الوطن باحتجاج سلمي ومشاعر وطنية نقية، كان العراق يعود إلى مجده، لعراقته، لحريته فيطلق الأصوات الحبيسة أسراب حمام وغيوم محملة بمطر يغسل سقم الأحزان ودماء الشهداء.
وطن ينهض وسلطة فاشية تطلق النار والرصاص والدخانيات المميتة، لترديه مضرجا بدماء نجية!
هكذا أضاعت الطبقة السياسية الحاكمة تلك الفرصة التاريخية التي منحها إياها الشعب، لكي تصلح وضعها، وتعيد توطين وجودها بين الشعب، والوطن الذي يتسع للجميع.
ماذا فعلت الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها وميليشياتها إزاء الملايين البيضاء بعد أن التحم الشعب معها في مواكب الاحتجاج، وكسر حظر التجوال ليواصل الحضور ليلا ونهارا في ساحات التحرير وجميع ساحات الوطن؟
كانت الأحزاب وميليشياتها وآلاف القتلة المقنعين يبتكرون الطرق والأساليب في قتل المتظاهرين وخطف بعضهم والاعتداء على الشباب والبنات، وحين عجزوا عن ذلك دسوا بأفرادهم واجواقهم من الأحزاب والميلشيات من سقط المتاع لكي يندمجوا بالساحات، ويحملون معهم قذاراتهم وسلوكياتهم الشاذة لتشويه نقاء تشرين وشبابها الخالد، والثمن الباهض للحرية التي أرادوا صناعة أسطورتها في ساحات الوطن، وليس مصدّرة لهم في أفكار أمريكية أو طائفية فاسدة!
الأحزاب العراقية الحاكمة وميليشياتها ودوائرها السرية، بدلا عن الإصغاء إلى الشعب والاعتذار منه والتفاوض مع طلائع الساحات ووضع برامج لإنقاذ نفسها من الفشل والفساد، قُمعت انتفاضة تشرين، وقتلت المئات من شبابها علناً وتحت ذريعة الطرف الثالث، وكانت غاية في السخرية من الشعب، ومن وجودها الذي أصبح مهددا منذ تجليات انتفاضة تشرين، عندما انفصلت العلاقة بين الشعب والطبقة السياسية، وهي تسفر عن وحشيتها، كان لمنظر القتل بوحشية يدفع بالجراح عميقاً في روح وذاكرة الوطن المستباح.
ولم تزل الإشكالية قائمة، فهذه الأحزاب العمياء لم تستفد من التجارب التي تحدث ويعيشها العالم، غرور السلطة والقوة ومفاتن الفساد والثروة الهائلة التي اختارتها من نهب المال العام، يهيمن على وجودهم ونفوذهم على نحو لم ينفع معه الإصلاح، صراخ دماء تشرين عجزت عن إيقاظ ضمائرهم، بل زادوا في بغيهم وفسادهم!
انتفاضة البحر البشري الأبيض جعلتم الطبقة السياسية الحاكمة، أمام حقيقة أن لا مستقبل لهم في العراق مهما امتلكوا من سلاح ودعم خارجي، إن القوة هنا بهذا الهيجان الوطني العظيم!
لترتفع عندكم مستويات الجشع والطمع، ابتلعوا أصول الدولة وانهبوا المال العام وحقوق أجيال المستقبل. جميعها سوف تسترد مع الوطن.
تحية مجد وافتخار لشهداء انتفاضة تشرين 2019، تحية حب واعتزاز لكل جريح ومعاق مازال يمثل أيقونة لبطولة تشرين والحرية، ولن ينال منكم الإعلام المأجور والموجه طائفياً أبدا، أنتم قلائد فخر وكرامة على صدور العراقيين الأحرار.
كنتم الوجه الأبيض للشعب، والجواب الحقيقي لشعب يرفض الفساد والطائفية واستلاب الوطن والسيادة، وأنتم تنادون نريد وطناً، سيأتي لكم الوطن قريبا ليقبل جبينكم الوضاء، ويضع على صوركم زهوراً بيضاء وصورة تشرين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر