منبر العراق الحر :
أشيعت خطأً تسمية الأغنية البغدادية على الإنتاج الموسيقي والغنائي لحقبة تاريخية طويلة وغزيرة من تاريخ الفن العراقي، ولعل التسمية قد تولدت من طبيعة اللهجة البغدادية التي طبعت غالبية الأغاني الرائجة حينذاك، لكن طاقة التعبير في المنتج الجمالي الموسيقي والغنائي، كانت تتخطى تلك التسمية السطحية، نحو هوية جمالية لحقبة متميزة حضارياً لمدينة بغداد وأهلها وسلوكهم الحضاري والثقافي الذي يتصل بجوهر الحياة البغدادية حين ذاك.
حقبة زمنية شهدت تراكماً معرفياً وموروثات تنبض بجمال بقي يمسك بقوالبه القديمة التي تؤلف تنظيم إيقاع الحياة الداخلية للبغداديين، وطرق بهجتها النغمية التي تلامس الأرواح، وتمنحها المتعة ولحظة العشق السحرية، حين تبث لواعجها مع النغمة الإيقاعيّة سواء في التحرير النغمي أم ال”الميانة” أو “التسليم” فكان المقام العراقي أو البغدادي الذي استوعب المقامات الموسيقية الرئيسة السبعة وتفرعاتها، وأضفى عليها زخارف أدائية أعطته عذوبة خاصة، كما أبدع رواد هذا الفن الذي يغور مع الزمان إلى العصر العباسي وبلاد الأندلس، أبدع في ثلاثينات القرن العشرين نجمه الساطع حينذاك الفنان محمد القبنچي بابتكار مقام اللامي.
شهدت مرحلة الأغنية البغدادية، كما تسمى خطأً، تجارب لحنية وغنائية مهمة وعميقة جماليا وثقافيا، كذلك في بقية دلالاتها التي كرست تفوقا وتميزا لدى فناني تلك الحقبة، كما في أغنية المقام البغدادي والأغنية العاطفية الوجدانية وأغنية المنولوج، وألوان موسيقية أخرى وجدت في بغداد ومناخها الاجتماعي والثقافي مرتعاً نوعيا لازدهارها.
انبثقت تلك التجارب في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، واستمرت حتى تسعينات القرن، وقادها مبدعون كبار وعباقرة بالموسيقى واللحن أمثال ناظم نعيم وجميل بشير ورضا علي ويحيى حمدي ومحمد عبد المحسن وعباس جميل وعزيز علي ومحمد نوشي، ولكل من هؤلاء الموسيقيين لونه المتميز وأسلوبه اللحني وتجاربه المتميزة في تقديم ألوان غنائية حديثة، وعلى يد الشريف محي الدين حيدر تخرجت كفاءات موسيقية كبيرة.
لا يمكن أن نحصر الحديث عن تلك التجارب الغزيرة بمقال، بل سوف نتوقف باختصار مع أبرز السمات الإبداعية لتلك المرحلة الطويلة من النتاج الجمالي الموسيقي، الذي يحاول البعض غير المختص، أن يطلق على الأغنية البغدادية، بأنها محدودة وأغنية ملاهي!
*السمات اللحنية.
الحديث عن الأغنية العراقية، وبنيتها اللحنية التي سادت من ثلاثينات القرن الماضي، وامتدت تأثيراتها حتى نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، يحتم علينا الإشارة إلى التقدم الذي أحرزه العراق في عالم الموسيقى والتأليف الموسيقي والكتابة الموسيقية للأغنية، أو ما يعرف حديثا بالتوزيع الموسيقي، فقد كانت متقدمة، وتشكل القمة في موسيقات الدول العربية، ولا بد من استحضار قول الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب عندما قال: الغناء العربي جميعه يدور في فلك الغناء المصري، عدا الغناء العراقي له ميزاته وعالمه الخاص.”، وهذا التميز لم يأت من فراغ، بل صنعته عبقريات موسيقية عراقية مثل أستاذ العود الشريف محي الدين حيدر وتلامذته، جميل ومنير بشير وغانم حداد وروحي الخماش وغيرهم، وكان التأليف الموسيقي لمقطوعات تعبيرية تنهل من أجواء الطبيعة والحياة العراقية وأبعادها المختلفة، عشرات بل مئات من المؤلفات الموسيقية التي وضعها عباقرة العراق مثل جميل بشير وغانم حداد ومنير بشير وحنا بطرس وروحي الخماش وحسين قدوري وسالم حسين وغيرهم. والموضوع هنا يستدعي بحثاً مفصلا، لكن ما أود قوله إن الأغنية العراقية حين ذلك خرجت من تلك الأجواء والمؤثرات التي بلغت مستوى عالمياً، بعد أن تحررت من النزعة التركية بالروحية والعزف، وحلّت الروحية العراقية بديلا عنها، وهذا الاستلهام برز جليا في اللحنية العراقية للأغنية، واستذكارا للمجهود الموسيقي العراقي نذكر فرقة خماسي الفنون الجميلة التي قدمت روح الموسيقى والأغنية العراقية بتقنيات عالية الدقة التعبيرية والجمالية عن مضامين الأغاني والموسيقات التي قدموها في تجوالهم العالمي.
تعددت تجارب الملحنين العراقيين، وكان بعضهم مغنيا وملحنا في وقت واحد، مثل الفنان رضا علي والفنان عباس جميل ومحمد عبد المحسن، ويحيى حمدي صاحب أغنية (آني من يسأل عليه ) وغيرها من الروائع.
كان الملحن يتمتع بإحساس المطرب لهذا عندما قدموا ألحاناً لأصوات غنائية، وبالمناسبة أصوات غنائية نسائية؛ لأن مدينة بغداد كانت أكثر تحضرا وفهما للجمال من الظرف الراهن، لهذا جاء الأغنية ببناء لحني وأداء متقن، وهذا ما كان يميز ألوان الغناء العاطفي حينذاك، وإبداعاته الحداثوية التي قدمها ناظم نعيم وبقية الأسماء أعلاه، وعن تجربة الفنان ناظم الغزالي ووصوله للفضاء العربي كسفير للغناسيقة العراقية، كان الرباعي المؤلف من ناظم نعيم ملحنا وجميل بشير موزعا موسيقيا وجبوري النجار شاعرا وناظم الغزالي بصوته الساحر مطربا، دلالة أكيدة على مستويات بناء لحني وأدائي متقدمة، كما في أغنية (أحبك. وأحب كلمن يحبك)، ولا أبدع من أغنية (عيّرتني بالشيب وهو وقار) كلمات الخليفة العباسي المستنجد بالله. موروث عراقي أعده حداثويا ناظم الغزالي وجميل بشير، وهذه الأغنية لم تزل مساحة اختبار للأصوات العربية الطربية الكبيرة!
يضيق المقام في حديثنا عن اللحنية والموسيقى والغناء العراقي خلال القرن العشرين، لأن الاستطراد الذي يستعين بالذاكرة فقط، لا يعطي للموضوع أبعاده وقيمته الإبداعية ما يناسب إنجازاته الخالدة.
هنا سأختصر كثيرا مما أنجزته الأغنية العراقية، قبل مجيء ما يعرف بأغنية السبعينات، وهي تسمية خاطئة أيضاً، ليطلع غير المعنيين على أنها طاقة جمالية تعبيرية هائلة، واستعير هنا قول الفيلسوف أفلاطون “الموسيقى قانون أخلاقي، إنها تمنح الكون روحاً، والعقل أجنحة، والخيال طليقا، والحياة وكل شيء سحراً وبهجةً”!
*محطات غنائية مقيمة في ذاكرة الإبداع!
تجارب جمالية مهمة اكتشفها الفنانون العراقيون، واكتشفوا الأصوات الغنائية القادر على أدائها، لا نريد تكرار الحديث عن ناظم الغزالي ومنجزاته مع فريقه اللحني والشعري وإتقانه الأداء باللغة الفصحى (فوق النخل، سمراء من قوم عيسى، ومروا عليه الحلوين)، ننتقل إلى عباس جميل روحه الطربية المميزة في الأغاني التي قدمها بصوته أو أصوات المطربين، وتنعطف على الروح الشعبية وثوابتها الرومانسية وأبرزها (عين بعين، جيت لأهل الهوى، ويم عيون) وتبقى أغنية القمة العاطفية لعباس جميل في أغنيته الخالدة (غريبة من بعد عينچ يا يمه) التي غنتها زهور حسين حسين وأبدعت فيها، ولم تزل هذه الأغنية تهتز لها أغصان الروح عند سماعها.
رضا علي وأغاني الممتدة من العاطفية التأملية إلى أجواء الفرح والخفة (الردته سويته عندك بعد گول، تفرحون أفرحلكم، وسمر سمر.
الفنان محمد عبد المحسن، صوته العذب واختياراته لتراكيب لحنية مهذبة ومعبرة كما في الأغاني التالية (أحاول أنسه حبك، أشكان الدلال، يا بوو المشحوف وغيرها من روائع، وما زلت أتذكر له أغنية “دوريتك” التي غناها ياس خضر بمهارة، وإبداع الملحن في الغناء الفالت بلا إيقاع في منتصف الأغنية، كانت فكرة أعطت لها تميزا نغميا، كحالة تعبيرية عن الذات وعذاباتها وقلقها بلا تزيين موسيقي! محمد عبد المحسن طاقة فنية خسرها العراق مبكرا عام 1983 بتفجير سيارة مفخخة في باب الإذاعة والتلفاز في بغداد.
الفنان الكبير محمد نوشي وروائعه التي لا تحصى، وخياله اللحني الذي تلتقي عنه فيوض العواطف مع لغة تعبيرية لحنية بروح عراقية تنجذب له الأسماع والأرواح حين ملامستها سمعياً (هذا منو دك الباب لوحيدة خليل، وهذا الحلو كاتلني يا عمه للمطربة لميعة توفيق، ونودع عيون الحبايب لفؤاد سالم، وعشق أخضر لسعدي الحلي) وعشرات غيرها.
*أخيرا فاتني أن أذكر رواداً مهمين في الغناسيقية العراقية، وهما صالح وداود الكويتي، يعدان من آباء الغناء العراقي، وكان لهما دور مهم وبارز في إضفاء الروح العراقية والعذوبة سواء بالغناء أم بالعزف والمقدمات والأزمات الموسيقية، وهما صالح وداود الكويتي، فقد تميز صالح بمهارته اللحنية وقدرته الفائقة بالعزف، ويحفل سجله بوضع ألحان الأغاني العراقية من وقت سلطانة إبراهيم ومنيرة الهوزوز، مرورا بصديقة الملاية وسليمة مراد وزهور حسين ونرجس شوقي وصولا لمائدة نزهت، إمكانيات مدهشة في بلورة موسيقى وغناء عراقي يغترف من تاريخ شفاهي طويل وحكايا تقارب الأساطير عن حياة العراقيين وألوان عواطفهم وثقافاتهم.
*اعتذر شديد الاعتذار لمن فاتني ذكرهم بالمقال، لكن ستكون لنا مقالات ودراسات مقبلة، نكتب فيها عن هذا القطاع الفني الثقافي المهم من تاريخ العراق، لحماية من التشويه والتسفيه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر