منبر العراق الحر :
1. الكلاسيكية في الأدب العربي
بعد ضعف الدولة العباسية وسيطرة غير العرب على الأراضي العربية وأراضي الدولة العباسية بشكل عام، بدأت العصور المظلمة في الأدب العربي واضمحلّ حتى بات لا يعلو على كونه شعر مناسبات وترف لا يعرفه الناس، لأنه لا يعبر عنهم ولا عن واقعهم.
وهكذا استمر الحال حتى مجيء الطابعة على يد الفرنسيين وازدهار الترجمة في زمن محمد علي في مصر، واتسعت الترجمة كما قلنا بين فلسفة وسياسة وعلم، فبدأ العقل العربي يمتلئ بالأسئلة مرة وبالإلهام مرة أخرى. هكذا انتفض الأدب العربي، الملهم بروح حياة من الأدب الغربي والمتمسك بروحه القديمة التي لا يريد التخلي عنها، وحمل راية هذا الأدب جيل من الشعراء الكبار والأدباء لنقل الأدب العربي إلى الحياة، كالرفاعي والبارودي وحافظ إبراهيم الذي أبدع في الترجمة وفي الشعر على حد سواء، وأحمد شوقي الذي يُعدّ درة التاج في إحياء الأدب العربي، حيث نقله إلى مستوى آخر تماماً، إلى مستوى أعلى من الحيوية، إذ أدخله إلى المسرح الشعري بطريقة جادة تجاوزت حتى من سبقوه في المسرح.
وما يمكننا ملاحظته من خلال قراءتنا لسيرة الأدب العربي من الاضمحلال إلى النهوض أن حركة الإحياء لم تكن كلاسيكية بالمعنى الأوروبي، لأن العرب لم ينظروا إلى قواعد الأدب كقواعد قبل ظهور الأدب الحديث بقدر ما نظروا إليها كمعيار. لم تكن قاعدة نتمرد عليها ثم نلتزم بها لنكون كلاسيكيين بهذا المعنى.
وبعد الحربين العالميتين وهجرة بعض الأدباء العرب، وبعد الوضع السياسي الذي مر به العالم العربي في حقبة الاستعمار واطلاع العرب على الآداب الغربية، بدأت تظهر ملامح المدرسة الرومانسية المتمردة على القواعد. هنا نستطيع أن نطلق على ما سبق الكلاسيكية، لأن القواعد تحولت من مقامها كمعيار إلى قاعدة، وظهر الشعر الحر بكل ما جاء به من مواضيع مختلفة، فكان هذا المنعطف الأقوى في الأدب العربي.
2.الكلاسيكية في الأدب الغربي
في أوروبا الخارجة للتو من فوضى العصور الوسطى، وبعد الانتكاس الذي مرّت به في تلك العصور، كان يجب أن تظهر قواعد واضحة لترتيب الفوضى الفنية والأدبية بعد خروجها من العصور الوسطى. وهنا ظهرت المدرسة الكلاسيكية التي تعتمد على القواعد الأدبية والفنية القديمة. وبعيداً عن أوروبا يمكننا تعريف المدرسة الكلاسيكية على أنّها مدرسة يجب أن تُسبق بقاعدة سابقة، فهي عودة لتنظيم سابق.
إبّان الفترة الإغريقية والرومانية لم نكن نعرف ما يُسمّى بالمدارس الأدبية والفنية بهذا المعنى، فكان الأدب فطرياً منظماً يظهر بشكل طبيعي في المجتمع، ليس الهدف منه تقليد قاعدة معيّنة أو العودة لها، حتى العصور الوسطى وانتكاس الفن والأدب القديم.
انحدر الأدب الأوروبي بعيداً عن الشكل القديم الواقع المنظوم بقواعد وشكل معيّن، إلى شكل أكثر فوضوية ديني وخيالي، حتى انهارت الإمبراطورية الرابطة لأقطاب أوروبا. وما بعد ذلك، ظهرت لدى الأدباء والفنانين الحاجة الماسّة إلى إعادة القواعد القديمة، وهذا ما ظهر في النحت وفي الشعر الذي كان معتمداً على شكل قديم. وهذه هي الكلاسيكية: محاولة إحياء لنظم موجودة قديماً، لذا تُعدّ أوّل مذهب ظهر في أوروبا. وهي بذلك طريقة تعبيرية في المجتمع الأوروبي تحاكي الأساليب القديمة.
يمكننا ملاحظة أصولها المبكرة في المنحوتات التي تلت حقبة العصور الوسطى، وكذلك الفنون التشكيلية الأخرى، والشعر كما نلاحظه في الكوميديا الإلهية. فكانت الكلاسيكية مخلصة للواقع لا تخرج عنه، واضعةً العقل أساساً فيها، إضافةً إلى تعزيز القيم المجتمعية والأخلاق والسمو بها، والتعبير عن الروح الوطنية والدينية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر