الشعر خارج القاعدة … عائد ماجد

منبر العراق الحر :

الشعر هو ذلك الفن الذي يلازم الشعوب ولا يفارق آدابهم، فيكون مندمجاً معه كأفضل طرق الأدب تعبيراً عن مزاج الإنسان؛ فهو يُلقى في الأفراح، وفي الأحزان، وفي الحروب، وبين الحبيبين على حدٍّ سواء.

الشعر سابقاً كان الشعر النظيف العفوي الذي يستقيم فطرياً من دون مسطرة يُقاس بها، وهذا الشعر يظهر حيث لا توجد قواعد تُقيِّد نظمه؛ لأنها لم تكن موجودة قبل ذلك. ونحن نرى هذا في نماذج الشعر لدى الأمم السابقة، فهو شعر عفوي غير متكلف، ودائماً ما يكون نموذجاً أعلى لكل الشعر الذي سيأتي بعده، كالشعر الأوروبي في عصر النهضة وتأثره بشعر الرومان والإغريق، أو الشعر العربي بعد العصر الجاهلي في كل عصوره مقارنة بشعر الجاهلية، الذي وُجد قبل أن يعرف الناس قواعد اللغة ولا التفعيلات، فكان الشاعر ينظم قصيدته كاملة بلحن هو من يعرف ميزانه، وهو من يقيسه، وهذا أفضل أنواع الشعر سواء داخل اللغة العربية أو غيرها وبأي بنية كانت.

والليل سهرته ومنمته
ونجمة بأثر نجمة حسبته

سمعت هذا البيت من فم امرأة تنوح مباشرة، فرسخ هذا البيت في ذاكرتي دون غيره من الأبيات في قصيدتها الارتجالية التي استمرت لما يزيد عن ساعة بنفس هذا اللحن، والنوح هو طريقة تعبير عن الحزن في جنوب العراق تحديداً في ميسان، حيث تُلقي الشاعرة قصيدتها في لحظة حزن وهي تبكي وتشجن، فهو شعر فطري يخرج في نفس اللحظة دون تحضير سابق أو قياس، وغالباً تستمر القصيدة لوقت طويل. وقد لا يكون هذا البيت مؤثراً بالنسبة لأي شخص يتذوق الشعر، وقد لا يرقى عند البعض لنضعه في مقام ندّعي أنه أفضل أنواع الشعر، لكن خذ بعين الاعتبار أن هذا البيت الذي سمعته منذ وقت طويل وحفظته من لسان الشاعرة مباشرة، والتي ألقته مرة واحدة، واستمرت بإلقاء إخوته الآخرين في القصيدة، هذه المرأة لا تعرف لا القراءة ولا الكتابة، ولا تعرف أصلاً ما هو الوزن وما هي القافية.

عند سماعي لهذا البيت جاء في رأسي أحد أبيات معلقة امرئ القيس حيث يقول:

ليل كموج البحر أرخى سدوله
عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي

العلاقة التي تكونت في رأسي بين هذين البيتين علاقة غيرت نظرتي للشعر تماماً. ربما لا ترى رابطة قوية بين البيتين سوى أنهما يتحدثان عن الليل، لكن الرابطة التي شكلها عقلي رابطة أقوى، وهي أن بيت قصيدة النوح الذي ألقته المرأة في لحظة شعور حقيقي فطري، فخرج منها منسجماً لساعة أو أكثر، كذلك معلقة امرئ القيس التي استمرت لثلاثة وثمانين بيتاً على ما أتذكر، وكلاهما لا يعرفان العَروض ولا التفعيلات ولا أياً من هذه القواعد؛ لذا يكون هذا الشعر مؤثراً دون غيره، ودائماً ما نتعلق به دون غيره، لا لأنه حُسب بمسطرة أو عُرض على تفعيلات أو حُسبت مقاطعه الصوتية، بل لأنه حقيقي فطري، يعبر ويصرخ بروح كاتبه قبل أن يخاطب أياً من الأشخاص الآخرين. كُتب للشعور لا لغرض الكتابة، ونُظم فطرياً لا بعد مراجعته بقاعدة. فاليوم نحن نفقد الإحساس بالشعر، ولا علاقة لبنية الشعر بذلك، فقلما نقرأ قصيدة معبّرة في هذه الأيام؛ لأنها دائماً ما تكون مصطنعة بأي بنية كانت. فليتنا نترك وننسى مثالية القواعد ونحن نرى جمال ما كُتب بدون قاعدة، ونرجسية البناء ونحن نرى جمال ما بُني دون حساب مسبق لبنيته، ونركز على الإحساس الشعري الفطري الذي لا يعرف مثالية القواعد ولا نرجسية البناء.

اترك رد