المواجهة بالقانون لا بالسلاح : دلالات بيان السيد مقتدى الصدر…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

أصدر السيد مقتدى الصدر بتاريخ ١٣ / رجب / ١٤٤٧ هجرية الموافق ٣ / ١ / ٢٠٢٦ ميلادية بيانا بشان مجريات الاحداث في محافظة ميسان ومن خلال ذلك اننا لا نكون أمام بيان إداري أو موقف عابر بل أمام نصٍّ سياسي–أخلاقي محمّل بدلالات عميقة يعكس رؤية متكاملة لمفهوم الدولة والسلطة والمسؤولية وحدود الشرعية وهو بيان قصير في شكله لكنه كثيف في معناه وتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة المرحلة التي يمرّ بها العراق وحول علاقة السلطة بالجمهور والقانون بالعدالة والقوة بالأخلاق.

أول ما يلفت في البيان هو نبرة التحذير الصريحة من الانزلاق إلى الفوضى تحت أي ذريعة كانت والبيان يضع خطًا فاصلًا بين الاحتجاج بوصفه حقًا مشروعًا وبين الفوضى بوصفها تدميرًا للذات قبل أن تكون مواجهة للخصم وهنا لا يُخاطَب الشارع فقط بل تُخاطَب القوى السياسية والموالون قبل الخصوم في رسالة مفادها أن الغاية – مهما كانت نبيلة – لا تبرر الوسيلة إذا كانت تلك الوسيلة تهدد السلم الأهلي وتفتح أبواب الدم.

البيان يشدد بوضوح على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ويعيد التأكيد على أن أي خروج عن هذا الإطار حتى لو ارتدى عباءة “النصرة” أو “الدفاع عن الحق” هو خروج عن القانون وعن المشروع الوطني وهذا الموقف في السياق العراقي تحديدًا يحمل دلالة استثنائية لأنه يصدر من شخصية تمتلك جمهورًا واسعًا وقادرًا على التأثير الميداني ومع ذلك يختار الخطاب الانضباطي بدل التحشيد والتهدئة بدل التصعيد.

ومن أبرز ما ورد في البيان هو تحميل المسؤولية الأخلاقية والدينية لكل من يتجاوز القانون أو يعتدي على مؤسسات الدولة أو الممتلكات العامة أو الخاصة والخطاب هنا لا يبرّئ أحدًا ولا يمنح صكوك غفران جماعية بل يؤسس لفكرة أن الانتماء لا يعفي من المحاسبة وأن القرب من القيادة لا يمنح حصانة ضد الخطأ وهذه النقطة بالذات تُعدّ محاولة لإعادة ضبط العلاقة بين القائد والتابع على أساس الواجب لا الطاعة العمياء.

كما أن البيان يظهر قلقًا واضحًا من استغلال الفوضى من قبل “المندسّين” أو “الفاسدين” أو “أعداء الدولة” وهي مفردات تعكس إدراكًا لطبيعة المشهد العراقي حيث تختلط الاحتجاجات الصادقة بأجندات خفية وحيث تُستثمر الدماء أحيانًا لتصفية حسابات سياسية أو إقليمية والتحذير هنا ليس أمنيًا فقط بل وعيٌ سياسي يحاول أن يحمي الجمهور من أن يتحول إلى أداة بيد من لا يريد له الخير.

في جانب آخر يحمل البيان رسالة ضمنية إلى مؤسسات الدولة نفسها مفادها أن القانون يجب أن يُطبَّق بعدالة لا بانتقائية وأن هيبة الدولة لا تُستعاد بالقمع بل بالإنصاف فحين يُطالَب المواطن بالانضباط يُفترض بالسلطة أن تكون قدوة في النزاهة، وحين يُطلب من الشارع الهدوء يُفترض بالحكومة أن تفتح أبواب الحل لا أن تغلقها.

اللافت أيضًا هو البعد الديني–الأخلاقي في اللغة دون الانزلاق إلى الخطاب التعبوي والبيان يستحضر القيم الدينية بوصفها ضابطًا للسلوك لا أداة للتحريض وهذا ينسجم مع محاولة تقديم مشروع “إصلاح سلوكي” قبل أن يكون إصلاحًا سياسيًا، وكأن الرسالة تقول إن أزمة العراق ليست فقط في القوانين أو الدساتير بل في الممارسة وفي تحوّل الخطأ إلى عادة والتجاوز إلى أمر طبيعي.

في المحصلة يعكس البيان موقفًا حذرًا من المرحلة ورغبة في كبح الانفجار قبل وقوعه حتى لو كان ذلك على حساب الشعبية اللحظية وهو وثيقة يراهن على الزمن وعلى أن التهدئة اليوم قد تمنع نزيفًا غدًا وأن ضبط الشارع قد يكون أصعب من إطلاقه لكنه أقل كلفة على الوطن.

إن ما جاء في هذا البيان لا يمكن فصله عن السياق العراقي العام : دولة تبحث عن توازن مجتمع مُنهك من الصراعات وشارع فقد الثقة بالشعارات وفي هذا السياق يأتي البيان كمحاولة لإعادة تعريف “الموقف” لا بوصفه صراخًا عاليًا بل مسؤولية ثقيلة وقد يختلف الكثيرون مع مضمونها أو توقيتها لكن من الصعب إنكار أنها تمثل خطابًا يسبح عكس تيار الفوضى ويضع سؤال الدولة فوق سؤال المكاسب وسؤال الدم فوق سؤال الغلبة.

وبين القبول والرفض يبقى البيان شاهدًا على لحظة سياسية حساسة ومحاولة لتثبيت فكرة بسيطة لكنها مكلفة : أن العراق لا يُنقَذ بالانفعال بل بضبط النفس ولا يُبنى بالحشود وحدها بل بالقانون حين يصبح فوق الجميع.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد