زينب صرخة الصبر…د.رافد حميد القاضي

منبر العراق الحر :

زينب…
ليست اسمًا
زينب جرحًا
يمشي على قدمين…

زينب ليست امرأةً
بل ما تبقّى من النبوّة
حين أُحرقت الخيام
وسكت السيف…

وقفت وحدها
وسط رماد الأرض
ترى الأخيار يسقطون
والأعداء يبتسمون
والسماء صامتة
إلا من دموعٍ خافتة
تختبئ بين النجوم…

لم تبكِ أمامهم
لم ترفع يدًا لتسترحم
بل حملتُ الحسين
في قلبها
وحملتُ كربلاء
على كتفيها
حتى صارت الصرخة
أعلى من السيوف…

الأطفال يسألونها
أين أخي ؟
أين أبي ؟
وأين الماء ؟
تبتسم…
لكن عينها تحكي كل شيء
حتى الدم أصبح شهادة
والجراح تحوّلت إلى منبر…

دخلت الكوفة
ودموعها لم تُهدأ
لكنها لم تكن دموع ضعف
كانت دموع محاسبة
دموع تحاكم الظالم
قبل أن يحاكمه التاريخ…

بين مجلس يزيد
وقصر الذهب
لم تركع
ولم تصمت
كلمة واحدة من فمها
كسرت الصمت
وأطلقت التاريخ على الطغاة
«ما رأيتُ إلا جميلًا».

في يوم عاشوراء
سقط الحسين
وانحنت السماء
لم يبقَ في الساحة
غير جسدٍ بلا رأس
وأختٍ تحمل الرأس
في قلبها ولا تسقط…

كربلاء لم تنتهِ
حين توقّف النحر
كربلاء بدأت
حين وقفت
زينب وحدها
وسط الرماد…

احترقت الخيام
ولم تحترق الحقيقة
ركض الأطفال
والنار خلفهم
وزينب أمامهم
تجمع الخوف
وتخبّئه في صدرها
كي لا يروه…

أي قلبٍ هذا
الذي يرى الأطفال
يتعثرون بالعطش
ولا يصرخ ؟
أي صدرٍ هذا
الذي يرى الحسين
مقطوع الرأس
ولا ينكسر ؟

كانت تعدّ الأطفال
واحدًا واحدًا
كأنها تعدّ النجوم
في ليلٍ بلا سماء…

وكان السؤال
يتكسّر في فمها
من بقي ؟
من ضاع ؟
ومن سيُكتب اسمه
في لائحة الفقد الأبدي ؟

ليلة الحادي عشر
لم تكن ليلًا
كانت امتحانًا
لما تبقّى من الإنسان…

الريح تعوي
والخيام رماد
والأطفال يرتجفون
وزينب تحرسهم
بصمتها…

تنظر إلى الجثث
بلا وداع
بلا كفن
وبلا قبر
سوى نظرة
من أختٍ إلى أخٍ
وتسليمٍ للقضاء…

رفعت رأسها إلى السماء
لم تقل : لماذا ؟
قالت : إلهي…
تقبّل منّا هذا القربان…

هذا هو الاستشهاد
ليس موتًا بل رحلة
بقاءً موجعًا
كي لا تضيع الحقيقة…

سُبيت زينب
لكن السبيّ
لم يقدر على روحها
كانت القيود
في الأيدي
لا في الموقف…

دخلت الكوفة
فرأت الدموع
متأخرة والندم عقيمًا…

قالت لهم بصوتٍ
خرج من الرماد
تبكون ؟
وقد ذبحتم ؟
أي دمعةٍ
هذه التي تأتي
بعد السكين ؟

ثم إلى الشام
إلى التعب
إلى القصر
إلى مجلسٍ
تزيّن بالذهب
وتعرّى من العدل…

وقفت زينب
لا سبية
بل شاهدة
لا ضعيفة
بل محكمة…

تكلمت
فاهتزّ العرش
وسقط القناع
وانكشف الزيف…

وقالت :
«ما رأيتُ إلا جميلًا»
أي جمالٍ هذا ؟
جمال الحق
وهو يُذبح
ولا يموت
جمال الدم
وهو يفضح
ولا يضيع…

زينب
لم تبكِ أمام يزيد
لأن الدموع
لا تُعطى للطغاة
بكت بعد ذلك
حين خلا الليل
إلا من الله…

بكت للحسين
بكت للأطفال
بكت لنا
نحن المتأخرين
عن النصرة…

يا زينب
نحن نبكي
لأننا لا نملك
قلبكِ ولا صبركِ
ولا ثباتكِ…

نبكي لأنكِ
بقيتِ وذهبوا
وبقي الألم
أمانةً في أعناقنا…

سلامٌ عليكِ
يوم وُلدتِ
سلامٌ عليكِ
يوم وقفتِ وحدكِ
أمام العالم ولم تنهاري…

وسلامٌ عليكِ
يوم نرفع
الصوت باسمكِ
كي لا تُقتل الحقيقة
مرّةً أخرى…

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد