منبر العراق الحر :
نحصدُ النجوم قبل النوم في صيف العراق البعيد، يوم كان الناس «سطوحيين»، بمعنى أنهم يفضّلون النوم على السطوح دون خوفٍ مما يجري على الأرض. كان بيت مشعل الأعلى بين بيوت المحلة، ونحن الصبية، الناظرين إلى السماء، نقسّمها بيننا، وكل واحدٍ منا يريد أن تكون «بنات نعش» (الدلو الكبير) ضمن نجومه. نبدأ العدّ حتى يغلبنا النعاس، فننام من دون أن نضع النجوم تحت الوسادة، وفي الصباح ننسى كم حصدنا منها، فنعيد الحصاد في الليل التالي.
يومها كانت بيانات خيالنا الطفولي تحدّثنا عن مدنٍ وشوارع في السماء، تضيئها النجوم والقمر، وبإمكاننا أن نصعد إليها، نمسك بالنجوم ونأتي بها إلى الأرض، فنعلّقها فوق الخرائب المظلمة في مدينتنا، ليُهزم الخوف والطنطل وطيور الخفاش الكريهة التي كانت تطبق على وجوه الأطفال، ولا تفلت إلا بمرآةٍ من ذهب. تحذيراتٌ مسائية للأطفال ليناموا بلا سهر أو ثرثرة وضحك يسبق النوم، وصيحات تهديد بـ«سحير الليل»؛ طائر الخفاش الذي يحلّق مضطرباً ليعاقب من لا ينام. كانت الرهبة تنام معنا، وأحياناً تمنعنا من حصاد النجوم.
*وحوش الفضاء !
الآن صرنا نعرف أن النجوم التي كنا نراقبها تنتقل بين أول الليل وآخره، وليست وحدها؛ ثمة أقمارٌ صناعية تصل الليل بالنهار، تجوب الفضاء وترصد ما يجري على الأرض، عشرات بل مئات الأقمار. وتلك النجوم التي كنا نعدّها ليلاً وننسى أرقامها صباحاً، ليست سوى مقدّمة لمليارات من النجوم والمجرّات والكواكب، شيء أكبر من الخيال البشري. لا شوارع هناك ولا ساحات يضيئها القمر والنجوم، بل عتمة وظلام يلفّ هذا الكون، ووحوش تبتلع النجوم يسمّونها «الثقوب السوداء»، وحوش الفضاء الممتد بلا حدود، التي تبتلع ما لا يقوى على الإفلات أو المقاومة. إذن، الوحوش في كل مكان: في البحر، والغابة، والفضاء، وبين البشر!
بدأ خيالنا يتراجع عن رغبة السفر والتجوال في هذا الفضاء الأزرق، كما كنا نتصوره نهاراً؛ إنه فراغ وظلام وعمقٌ عمره مليارات السنين الضوئية.
حقاً، إن كشوفات العلم تعطل الخيال ونسيج رواياته المتناغمة مع صور الطبيعة والعقل الطفولي للإنسان.
الوهم يمنحنا أحياناً خلاصاً من مواجهة الحقيقة، كما يمنحنا الحلم القدرة على تعويض بعض ما حُرمنا منه.
بعد أن ماتت أمي، وأنزلتها إلى القبر، كانت تتصاعد في داخلي رغبة جارفة لرؤيتها، تكاد تبلغ البكاء، فكانت الأحلام تأتيني بها مشكورة. عندها أحببت النوم، وأغرقت نفسي في أحلام بعيدة.
الأحلام تشبه هذا الكون الهيولي؛ تأتيك باشتهاءات حُرمت منها، وببشرٍ لا يشبهون من نراهم اليوم، أناسٍ وأحداثٍ مضت عليها سنون، وجوهٍ عشقتها في زمنٍ ما ثم غادرت، ومواقف كنت تخشى خوضها، فإذا بك في مسارات الحلم تؤدي أدواراً مغايرة.
صرنا نحرص على أحلام الليل بعد أن خسرنا أحلام النهار، والوطن، والمستقبل. كان الوهم المقدّس عالماً هيولياً آخر، يشبه الحلم الذي يؤجّل رغباتك إلى زمنٍ آخر، ربما لا يأتي، حين تصل الأرض إلى ثقبٍ أسود لا تستطيع الإفلات منه.
إذن، دعونا ننام فوق جسد الأمنيات، نحصد النجوم ونضعها تحت الوسادة، لعلّنا نستيقظ يوماً ونكتشف أن هذا الواقع لم يكن سوى حلمٍ ثقيل
منبر العراق الحر منبر العراق الحر