منبر العراق الحر :
ليست الحزورة الشعبيّة التي تعلَّم للأطفال الصغار – «طاسة على طاسة والبحر غطّاسة» – مجرّد لعبة ذهنيّة بريئة، بل توصيفٌ بالغ الدقّة لبنية دولةٍ حين تفقد مركزها وتغرق في طبقاتٍ متراكبة من السلطة المعلّقة. فحين ننظر إلى واقع الدولة العراقيّة، نجد أنّ هذه الحزورة القديمة لم تعد لغزًا، بل تحوّلت إلى صيغة حكم.
الدولة لم تعد كيانًا واحدًا متماسكًا، بل باتت حكومة داخل حكومة، وسلطة داخل سلطة، وقرارًا داخل قرار؛ وكل طبقة تعلو أخرى دون أن تحملها، فتتكاثر الطاسات وتغيب الأرضية. أما الدولة نفسها، فغائبة في العمق، بالـبحر غطّاسة، لا تُرى ولا يُسمع صوتها، ولا تمارس سيادتها بوصفها مرجعية نهائية.
في هذا النموذج المختل، لا تختفي الدولة فجأة، بل تُفرَّغ تدريجيًا من معناها. تصبح اسمًا بلا وظيفة، وعنوانًا بلا مضمون، بينما تتحوّل السلطات الفعلية إلى شبكات موازية تعمل داخلها وتحتها وباسمها، دون أن تخضع لمنطق الدولة أو للقانون العام. وهنا تكمن الخطورة: حين تتحوّل الدولة إلى غطاء، لا إلى فاعل.
تتكدّس السلطات كما تتكدّس الطاسات: كل واحدة فوق الأخرى، بلا رؤية شاملة، ولا مسؤولية واضحة. المواطن لا يعرف من يحكمه فعلًا، ولا من يحاسبه، ولا أين يبدأ القرار وأين ينتهي. وحين يختفي الوضوح، تختفي المحاسبة، وحين تغيب المحاسبة، يصبح الفساد نظامًا لا استثناءً.
المشكلة ليست في تعدّد المؤسسات، بل في تعدّد مصادر القرار خارج الدولة. فالدولة الحديثة تقوم على وحدة السلطة، لا على وحدتها الشكلية، بل على احتكارها الشرعي للعنف، وللقرار، وللتشريع، وللمال العام. أمّا حين تتشظّى هذه الوظائف، فإننا لا نكون أمام دولة ضعيفة فحسب، بل أمام دولة مُعطَّلة.
وهكذا، لا تعود الحزورة سؤالًا للأطفال، بل سؤالًا موجّهًا للكبار: كيف يمكن لدولةٍ أن تقوم، وهي مكوّنة من طاساتٍ فوق طاسات، بينما أصلها غارق؟ وكيف نطالب المواطن بالإيمان بدولةٍ لا تظهر إلا في الأزمات، وتغيب حين تُمارس السلطة باسمه؟
إن أخطر ما في هذا النموذج أنّه يطبع الفوضى ويجعلها مألوفة، حتى يتعوّد الناس على غياب الدولة بوصفه أمرًا طبيعيًا. وعندما تصبح الدولة هي الغائبة، تصبح البدائل هي الحاضرة، ويصبح الخروج من البحر أصعب من السقوط فيه.
الدولة لا تُبنى بتكديس الطاسات، بل بإزالة الطبقات الوهمية، وإعادة القرار إلى مركزه، واستعادة الدولة من البحر الذي أُغرقت فيه عمدًا
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر