منبر العراق الحر :
ما يجري في الشرق الأوسط اليوم لا يبدو مجرد أزمة عابرة أو جولة تصعيد عسكري مؤقت، بل أقرب إلى مرحلة انتقال تاريخية قد تعيد تشكيل المنطقة، وربما تؤثر في طبيعة النظام الدولي خلال السنوات المقبلة. فالأحداث المتسارعة التي نشهدها، من التوتر مع إيران إلى إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، تتجاوز منطق ردود الفعل اللحظية، وتعكس صراعًا أعمق يرتبط بموازين القوى العالمية ومستقبل النفوذ الدولي. لأن الدول الكبرى لا تدير الملفات المصيرية عبر الانفعال أو القرارات الآنية، بل عبر استراتيجيات طويلة ومعقدة، يُعلن جزء منها بينما يُدار الجزء الأكبر في الظل. ومن هذا المنطلق، تبدو السياسة الأمريكية الحالية تجاه إيران أوسع من مجرد السعي لاحتواء البرنامج النووي، أو حماية إسرائيل، أو ضمان أمن الملاحة والطاقة في الخليج.
فالهدف الأعمق، على ما يبدو، يرتبط بإعادة صياغة موقع إيران ووظيفتها داخل النظام الدولي. فمنذ قيام الثورة عام 1979، تشكلت معادلة قائمة على فكرة “تصدير الثورة” وبناء نفوذ إقليمي ذي طابع عقائدي وسياسي وعسكري. إلا أن الضغوط المتراكمة خلال السنوات الأخيرة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا توحي بأن هناك محاولة لدفعها نحو التحول من دولة ثورية ذات مشروع أيديولوجي عابر للحدود، إلى دولة تتحرك وفق قواعد التوازنات والمصالح التقليدية.
ولهذا، فإن الضغوط على طهران لا تبدو مرشحة للتوقف عند حدود العقوبات الاقتصادية أو التهديدات العسكرية المحدودة، بل قد تستمر ضمن سياسة “الاستنزاف البطيء”، وهي استراتيجية استخدمت تاريخيًا مع قوى ودول عديدة بهدف إنهاكها تدريجيًا سياسيًا واقتصاديًا حتى تصل إلى لحظة إعادة التموضع أو التغيير الداخلي.
وفي هذا السياق، تبرز أيضًا تساؤلات حول الدور المحتمل لبعض اطراف المعارضة الإيرانية في أي سيناريو تصعيد مستقبلي. فبعض التحليلات تشير إلى أن جماعات معارضة، مثل منظمة مجاهدي خلق وغيرها، قد تُستخدم ضمن ترتيبات أوسع للضغط على النظام الإيراني. إلا أن هذه القوى، على الأرجح، لا تملك القدرة على خوض مواجهة مباشرة داخل إيران أو المساهمة في إسقاط النظام دون غطاء ودعم أمريكي واسع سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا. كما تتداول تقارير مؤكدة ومعلومات عن تدريبات لبعض القوات الامريكية الخاصة في مناطق وعرة في المغرب تحاكي طبيعة الجغرافيا الإيرانية، تحسبًا لسيناريوهات مستقبلية محتملة، رغم أن كثيرًا من هذه المعطيات يبقى ضمن نطاق التقديرات غير المعلنة رسميًا.
وقد تجد القيادة الإيرانية نفسها مستقبلًا أمام خيارات صعبة:
إما القبول بتسويات واسعة تعيد دمجها ضمن النظام الدولي بشروط جديدة، أو مواجهة ضغوط داخلية وخارجية متصاعدة قد تؤدي إلى اهتزاز بنية النظام نفسه. والتاريخ السياسي مليء بأنظمة بدت مستقرة وقوية لسنوات طويلة، ثم دخلت مرحلة التآكل السريع بصورة لم تكن متوقعة.
لكن اختزال المشهد في إطار الصراع الإيراني الإسرائيلي فقط قد يكون تبسيطًا مخلًا. فالمعادلة الأوسع ترتبط على الأرجح بالصراع الدولي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين، والذي يُنظر إليه باعتباره التحدي الأكبر للنظام العالمي خلال القرن الحادي والعشرين. فالولايات المتحدة تدرك أن الصين لم تعد مجرد منافس اقتصادي، بل مشروع قوة عالمية يمتلك:
قاعدة صناعية هائلة، ونفوذًا تجاريًا متوسعًا، وقدرات تكنولوجية وعسكرية متنامية، إضافة إلى مشروع استراتيجي طويل المدى مثل “الحزام والطريق”. ومن هنا، تكتسب منطقة الشرق الأوسط أهمية مضاعفة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل لأنها ما تزال تمثل القلب الحيوي للطاقة العالمية وخطوط التجارة البحرية.
إيران تحديدًا تمتلك عناصر قوة تجعلها لاعبًا محوريًا في هذا الصراع:
موقع جغرافي بالغ الحساسية، واحتياطات ضخمة من النفط والغاز، مع إشراف غير مباشر على أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، وقدرة على التأثير في أمن الطاقة وأسواق النفط. ولهذا فان أي تحول جذري في موقعها السياسي قد يمنح واشنطن هامشًا أوسع للتأثير في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة.
أما الصين، فتبدو حتى الآن أكثر ميلًا إلى استراتيجية “الصبر الطويل”، حيث تتجنب المواجهة المباشرة، وتواصل بناء قوتها الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية بهدوء، في محاولة للوصول إلى مرحلة توازن دولي جديد، سواء عبر تفاهمات كبرى مع الغرب أو عبر فرض واقع عالمي متعدد الأقطاب.
وفي المقابل، يبقى الدور الروسي عنصرًا حاسمًا في شكل النظام الدولي القادم. فروسيا، رغم الضغوط والاستنزاف، ما تزال تمتلك أدوات تأثير عسكرية وجيوسياسية كبيرة. وإذا تمكنت من الحفاظ على موقعها كقوة دولية مؤثرة، فقد تسهم في بناء توازن يحد من الهيمنة الأمريكية المطلقة. أما إذا تعرضت لمزيد من التراجع، فقد تجد الصين نفسها أكثر عزلة في مواجهة التحالفات الغربية. ومن منظور أوسع، يبدو أن النظام الدولي الذي يتشكل تدريجيًا لم يعد يتقبل بسهولة صعود المشاريع العقائدية أو القومية المغلقة التي تتجاوز حدود الدولة التقليدية، سواء كانت دينية أو قومية أو أيديولوجية، باستثناء إسرائيل التي ما تزال تحظى بدعم غربي خاص يرتبط باعتبارات استراتيجية وتاريخية معقدة. أما بقية الكيانات في المنطقة، فتبدو مرشحة للبقاء ضمن توازنات هشة، تمنع تشكل قوى إقليمية مستقرة ومهيمنة بصورة كاملة.
وقد يظهر ذلك في استمرار بعض القضايا القومية دون حلول جذرية، مثل القضية الكردية التي قد تبقى موزعة بين عدة دول دون الوصول إلى كيان موحد كامل السيادة، أو في بقاء بعض دول المنطقة ضمن حالة تنافس اقتصادي واستهلاكي حاد، تتحول فيها الثروة والرفاهية والاعتماد الأمني الخارجي إلى أدوات لضبط التوازنات الداخلية ومنع تشكل مشاريع سياسية كبرى عابرة للحدود.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد العقائدي والديني في تفسير كثير من أحداث المنطقة. فبعض التيارات الدينية اليهودية والإنجيلية تربط الصراع في الشرق الأوسط بنبوءات دينية تتعلق بـ “أحداث آخر الزمان”، وتمنح الصراع بعدًا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. وفي المقابل، تستخدم إيران أيضًا خطابًا دينيًا وعقائديًا في تبرير مشروعها الإقليمي وحشد جمهورها السياسي والشعبي.
لكن رغم حضور هذه السرديات بقوة، تبقى المصالح الاستراتيجية الطاقة، النفوذ، الأمن، والاقتصاد هي المحرك الأساسي للصراعات الدولية عبر التاريخ. وربما يكون العالم بالفعل أمام مرحلة إعادة تشكيل واسعة:
شرق أوسط جديد، وتحالفات مختلفة، وموازين قوى متغيرة، واتفاقات كانت تبدو مستحيلة قبل سنوات قليلة. وقد نشهد خلال المرحلة القادمة صعود مراكز نفوذ إقليمية جديدة، وتراجع أخرى، وربما إعادة رسم لمناطق التاثير السياسي والاقتصادي على مستوى العالم . ومع ذلك، يبقى التاريخ أكثر تعقيدًا من أي تحليل. فكثير من المشاريع الكبرى انتهت بنتائج مغايرة تمامًا لما خطط له أصحابها، وهو ما يجعل مستقبل المنطقة مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين التصعيد والتسويات، وبين الصدام وإعادة التوازن.
هذه قراءة تحليلية شخصية لما يجري، تحتمل الصواب والخطأ، والله أعلم بما تخفيه الأيام.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر