بين الشعر الموزون والنثر: صراع الأشكال أم اختلاف الرؤى؟..إلهام العويفي

منبر العراق الحر :

لم يكن الجدل حول الشكل الشعري يومًا نقاشًا شكليًا عابرًا، بل هو امتداد لخلاف أعمق يمسّ جوهر اللغة العربية، ووظيفتها، وقدرتها على مواكبة التحولات الفكرية والإنسانية
فبين من يرى في الشعر العمودي الموزون أصل الشعر وروحه الأولى، ومن يعتبر النثر والشعر الحر ضرورة فنية يفرضها تطور العصر، يتجدد السؤال : هل نحن أمام صراع أشكال، أم اختلاف رؤى؟
التيار المحافظ : الشعر الموزون بوصفه أصل اللغة
يرى أنصار الشعر الكلاسيكي العمودي أن الوزن والقافية ليسا قيدًا، بل نظامًا جماليًا حافظ على اللغة العربية قرونًا طويلة، وساهم في ترسيخها في الذاكرة الجماعية. فالشعر، في بداياته، كان وسيلة العرب الأولى للتدوين والحفظ والتعبير .
يقول أحمد شوقي في مقدمة ديوان الشوقيات : الشعر كلامٌ موزونٌ مقفّى يدلّ على معنى
كما يؤكد مصطفى صادق الرافعي في مؤلفه “وحي القلم ” أن : الشعر صناعة لفظية، ولكنها صناعة الروح قبل اللسان، ولا تستقيم إلا بميزان يضبطها .
من هذا المنطلق، يرى هذا التيار أن التخلي عن الوزن هو تفريط في جوهر الشعر العربي، وأن النثر، مهما بلغ من جمال، يظل جنسًا أدبيًا مستقلًا لا يجوز الخلط بينه وبين الشعر .
التيار الحداثي : النثر بوصفه تعبيرًا عن الإنسان المعاصر
في المقابل، ينطلق التيار الحديث من رؤية تعتبر اللغة كائنًا حيًا يتطور بتطور الإنسان. فالعصر الحديث، بما يحمله من تسارع وتكنولوجيا وتعقيد نفسي، فرض أشكالًا تعبيرية جديدة لم تعد القوالب التقليدية قادرة دائمًا على احتوائها .
يقول أدونيس في كتابه ” زمن الشعر” : الشعر ليس وزنا ولا قافية بل هو رؤية للعالم .
أما أنسي الحاج فيكتب في مقدمة ديوان ” لن ” : قصيدة النثر ليست خروجًا على الشعر، بل خروج بالشعر من القفص .
ويرى هذا التيار أن الوزن قد يتحول أحيانًا إلى عائق، يجعل الكاتب منشغلًا بالشكل على حساب التجربة، بينما يمنح النثر حرية أوسع، وصدقًا أقرب إلى نبض الحياة اليومية .
الشعر الحر: منطقة التلاقي
ظهر الشعر الحر بوصفه محاولة للتوفيق بين الإيقاع والحرية، فلم يُلغِ الموسيقى، بل حرّرها من القالب العمودي الصارم
تقول نازك الملائكة في ” قضايا الشعر المعاصر” : الشعر الحر لا يعني الفوضى، بل يعني نظامًا جديدًا للإيقاع.

وقد أثبت شعراء مثل بدر شاكر السياب أن التفعيلة قادرة على حمل تجربة حديثة دون التفريط بالموسيقى، كما ظل الشعر العمودي حاضرًا بروح جديدة لدى شعراء معاصرين، من بينهم محمود درويش في بعض نصوصه الموزونة.

البلاغة بين الشكل وصدق التجربة
يبدو أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الوزن أو غيابه، بل في صدق التجربة.
فكم من قصيدة موزونة متقنة الشكل لكنها خاوية الروح، وكم من نص نثري بسيط استطاع أن يلامس القارئ بعمق لأنه خرج من تجربة صادقة.
البلاغة ليست حكرًا على الوزن، كما أن الحرية ليست حكرًا على النثر. كل شكل أدبي يملك أدواته وحدوده، والخطأ لا يكون في الاختيار، بل في تحويل الشكل إلى معيار إقصائي.
رأي شخصي: حرية الكتابة قبل قداسة القالب
أكتب لأنني أشعر أن الكتابة حاجة داخلية لا خيارًا شكليًا. أكتب حين أجد في النثر المساحة الأوسع للتعبير، وحين أشعر أن الفكرة تكون أكثر صدقًا حين تُقال دون أن تُثقل بقيود لا تحتملها تجربتي
ولو خُيّرت، لاخترت النثر طريقًا لي، لا لأنه أرقى أو أدنى من الشعر الموزون، بل لأنه الأقرب إلى صوتي الداخلي.
غير أن هذا الاختيار الشخصي لا يمنحني حق إقصاء غيري، ولا يبرر الانتقاص من تجارب مختلفة. فالأدب لا يزدهر بالإلغاء ولا بالمفاضلات القسرية، بل بتعدد المدارس، واختلاف الأصوات، واحترام التجارب.
خاتمة
إن الخلاف بين الوزن والنثر ليس خلافًا على الشعر، بل على تعريفه . والشعر في جوهره ليس قالبًا ثابتًا، بل طاقة تعبيرية تبحث عن شكلها الأنسب .
. وما يخدم الكلمة الحرة هو الصدق، لا التعصب والاختلاف، والإقصاء

المراجع
أحمد شوقي : الشوقيات

مصطفى صادق الرفاعي : وحي القلم-
أدونيس : زمن الشعر-
أنسي الحاج : لن-
نازك الملائكة : قضايا الشعر المعاصر-
بقلم الأديبة المغربية: إلهام العويفي

اترك رد