منبر العراق الحر :
تداولت بعض التصريحات الإعلامية والسياسية رقمًا مفاده أن «الوزارات العراقية مطلوبة بأكثر من 300 تريليون دينار». هذا الرقم، بصيغته المطلقة، لا يعبّر عن الدَّين الداخلي العام بالمعنى المالي الدقيق، بل هو ناتج عن خلط بين مفاهيم مختلفة تشمل الدَّين، والمتأخرات، والمستحقات، والإنفاق السنوي، والالتزامات المحتملة.
تهدف هذه الورقة الموجزة إلى تفكيك هذا الرقم، وشرح كل مكوّن على حدة، وفق التعريفات المحاسبية المعتمدة، مع بيان ما يُعد دينًا فعليًا وما لا يُعد كذلك.
الجدول التوضيحي المختصر
| البند | التسمية المالية الصحيحة | القيمة
(تريليون دينار) |
ملاحظات |
| الدين الداخلي العام | Public Domestic Debt | 89 | دين فعلي مثبت يشمل حوالات الخزينة والسندات والاقتراض الداخلي. |
| المتأخرات الحكومية | Domestic Arrears | 14 | التزامات مستحقة لم تُدفع في وقتها نتيجة اختناقات السيولة. |
| مستحقات المقاولين | Contractors’ Claims | 18 | مطالبات شركات ومقاولين، جزء منها متداخل مع بند المتأخرات. |
| التزامات التقاعد
(سنة واحدة) |
Annual Pension Expenditure | 18 | إنفاق سنوي من الموازنة، لا يُعد دينًا ولا يُجمع تراكميًا. |
| التزامات محتملة وتعويضات | Contingent Liabilities | 30–40 | التزامات تقديرية وغير مؤكدة، لا تُسجَّل كدين إلا عند تحققها. |
شرح تفصيلي للبنود
أولًا – الدين الداخلي العام:
وهو الدَّين الحقيقي الوحيد بالمعنى المالي والقانوني، ويُقصد به التزامات الحكومة المثبتة عبر أدوات دين رسمية داخلية. تشير البيانات المتداولة إلى أن حجمه يدور حول 89 تريليون دينار، وهو رقم لا يقترب من 300 تريليون بأي معيار محاسبي.
ثانيًا – المتأخرات الحكومية:
وهي مبالغ مستحقة لم تُدفع ضمن المدد الزمنية المقررة، وغالبًا ما ترتبط بمشاريع استثمارية أو التزامات تشغيلية. هذه المتأخرات تمثل مشكلة سيولة، لكنها لا تُعد دينًا عامًا بالمعنى المالي الدقيق.
ثالثًا – مستحقات المقاولين:
تشمل مطالبات ناتجة عن تنفيذ مشاريع أو تقديم خدمات. ويُلاحظ أن جزءًا معتبرًا من هذه المستحقات يندرج ضمن المتأخرات الحكومية، ولا يجوز احتسابها بندًا مستقلًا كاملًا ثم إضافتها مرة أخرى، لما في ذلك من تكرار محاسبي.
رابعًا – التزامات التقاعد:
كلفة التقاعد هي إنفاق سنوي متكرر يُموَّل من الموازنة العامة، ولا يُمثّل دينًا متراكمًا. إدخال هذا البند ضمن حساب الدَّين يُعد خلطًا جوهريًا بين مفهومي الإنفاق والدَّين.
خامسًا – الالتزامات المحتملة والتعويضات:
وهي التزامات غير مؤكدة تتعلق بدعاوى قضائية أو تعويضات محتملة، ولا تُسجَّل محاسبيًا كدين إلا بعد تحققها فعليًا، وفق المعايير المعتمدة في المحاسبة الحكومية.
لماذا يجري تضخيم رقم «300 تريليون دينار»؟
يُستخدم هذا الرقم في بعض الخطابات الإعلامية والسياسية نتيجة خلط غير منهجي بين بنود مختلفة في طبيعتها المحاسبية، أو نتيجة جمع إنفاق سنوي والتزامات مستقبلية مع الدَّين الفعلي. هذا التضخيم قد يُستَخدم لإضفاء صورة درامية على الوضع المالي أو لتبرير سياسات مالية معينة. ومن منظور التحليل المالي، فإن مثل هذه الممارسات تُنتج أرقامًا مضللة تفتقر إلى القيمة التفسيرية ما لم تُفكَّك وفق أسس محاسبية دقيقة.
الخاتمة :
يتبيّن مما سبق أن رقم «300 تريليون دينار» لا يمثل الدَّين الداخلي للعراق، بل هو نتيجة جمع بنود غير متجانسة، وتكرار بعضها، وخلط بين الدَّين والإنفاق السنوي والالتزامات المستقبلية. وعليه، فإن الدَّين الداخلي الحقيقي يبقى دون 100 تريليون دينار، وأي رقم أعلى من ذلك يحتاج إلى تدقيق منهجي صارم قبل تداوله إعلاميًا أو سياسيًا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر