منبر العراق الحر :
لم يعد مقلقًا في المشهد السياسي العراقي كثرة الأزمات وحدها، بل الطريقة التي يُدار بها الوعي العام، حين يُستسهل تسويق الفشورة السوقية بوصفها خطابًا سياسيًا، وتُستبدل الفكرة بالسخرية، والرؤية بالتهريج، والنقد بالابتذال.
نعم، للسخرية مكانها في الثقافة الشعبية، وللفشورة سياقها التاريخي بوصفها تعبيرًا عفويًا عن غضب الناس، لكن الخطير هو تحويلها من أداة احتجاج إلى أداة توجيه، ومن صوت شارع حر إلى سلعة تُستثمر سياسيًا لتفريغ الغضب بدل تنظيمه.
حين تُختزل السياسة في هتاف سوقي، فإننا لا نُسقط هيبة الاخر فقط، بل نُسقط هيبة الوعي نفسه.
وحين يُروَّج للضحك والسخرية بدل الفهم، وللشتيمة بدل السؤال، نكون قد خدمنا الاخر أكثر مما واجهناها، لأن الابتذال لا يُسقط منظومات، بل يستهلك الغضب ويُفرغه من محتواه.
الأخطر أن هذا التوظيف لا يصنع وعيًا، بل يُعيد إنتاج القطيع، ويحوّل الجماهير من فاعلٍ ناقد إلى جمهور منفعِل، يصرخ اليوم ويُستدرج غدًا، بلا برنامج ولا أفق ولا بديل.
لسنا ضد النقد الشعبي، ولسنا مع الخطاب المتعالي، لكننا ضد تسويق السوقية بوصفها وعيًا، وضد اختزال الوطن في قافية، والكرامة في نكتة، والمأساة في هوسة وفشورة
السياسة مسؤولية، والاحتجاج وعي، والكلمة موقف.
ومن يفرّغ الخطاب من مضمونه، حتى لو باسم الغضب، فهو شريك في إدامة الخراب.
كفانا تهريجًا…
الوطن لا يُستعاد بالفشورة، بل بالعقل، والسؤال، والبرنامج، والضمير الحي…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر