العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إرث الحضارة…رياض سعد

منبر العراق الحر :**مقدمة: في معنى الهوية وأزمتها

ليست الهوية مجرد انتماء جغرافي أو انتساب تاريخي، بل هي النسغ الحيوي الذي يغذي كينونة الفرد والجماعة، وهي الحاضنة الرمزية التي تستوعب الذاكرة والحلم معًا… ؛ فهي منظومة متكاملة من القيم والتصورات والمرجعيات التي تمنح الفرد إحساسًا بالاستمرارية والتماسك في خضم تحولات الوجود… ؛ وعندما تتعرّض هذه المنظومة للتصدع، فإن الإنسان يفقد بوصلته الوجودية، ويغدو كسفينة تائهة في بحر عاتٍ من التناقضات… ؛ هذه هي الحال التي يعيشها المواطن العراقي اليوم،… ؛ في واقع تشظّت فيه الهوية الفردية والجماعية تحت وطأة تاريخ من الغزوات والاحتلالات والتدخلات الخارجية، وسياسات داخلية منهوبة الإرادة ومنكوسة التوجه .

نعم , لم تكن الهوية الوطنية العراقية يومًا مسألةً بسيطة أو مستقرة، بل كانت – عبر تاريخها الطويل – ساحة صراع مفتوحة بين الداخل والخارج، بين الجذور الرافدينية العميقة ورياح الغزو والاحتلال، وبين مشروع الدولة الغائبة وتيه المجتمع… .

** الهوية السائلة.. تاريخ من التماهي مع المنتصر

لطالما وُصفت الهوية الوطنية العراقية بأنها هوية “سائلة”، تميل مع الرياح السائدة… ؛ وتتشكل تحت ضغط الوقائع والاحداث لا وفق إرادة وطنية واعية؛ فإن هبّت رياح الشرق مالت شرقًا، وإن عصفت بها رياح الشمال انحرفت شمالًا، وكأنها تُقاد دائمًا من خارجها، لا من ذاتها.

فهي هوية تشكّلت – في كثير من محطاتها – استجابة للضغوط الخارجية وتداعيات التحديات الأجنبية، أكثر مما نشأت من قرار داخلي محلي ووعي جمعي وطني مستقل… ؛ لقد تعرّضت هذه الهوية لتلاعب أيدي الغزاة على مر العصور، ووقعت تحت تأثير موجات الاحتلالات والهجرات، ففقدت شيئًا فشيئًا صلابتها وتماسكها الداخلي.

ومع ذلك، لم يكن العراق أرضًا بلا هوية، ولا شعبًا بلا ملامح… ؛ فقد عرف العراقيون، في محطات تاريخية محددة ومعروفة ، هويات واضحة المعالم، عبّرت عن روح المكان والإنسان معًا: من حضارات العبيد وسومر وأكد وبابل وآشور، إلى ممالك ميسان والحضر والحيرة، ثم الدولة في تجلياتها الإسلامية المبكرة، ولا سيما في الخلافة العلوية و بعض مراحل الخلافة العباسية… ؛ كما شكّلت الثورات الكبرى – من واقعة كربلاء إلى ثورات التوابين والمختار الثقفي وزيد بن علي – لحظات كثيفة الدلالة، تجلّت فيها سمات الشخصية العراقية الأصيلة: الرفض، والاحتجاج، والنزوع الأخلاقي العميق للعدالة… ؛ اذ عبّرت بصدق عن روح الاقوام الرافدينية وسماتها الوطنية الأصيلة التي لازمتها لقرون فيما بعد .

إلا أن المأساة تكمن في أن العراقي يتعرّض لزلزال وجودي كلما سقطت حضارة رافدينية ، أو انهارت دولة عراقية ، أو أُجهضت ثورة شعبية… ؛ فإن الهوية هنا تشبه “نهرًا جريحًا”، يحمل في ضفتيه أشتات الذكريات وأشلاء الأحلام… ؛ ففي كل مرة، يُدفع العراقي إلى فراغ الهوية، ويُترك عاريًا أمام قوى الخارج وأدوات الداخل المنكوسة… ؛ وما زاد الطين بلّة أن أعداء العراق، ومن سار في ركابهم من أصحاب “الخط المنكوس”، عملوا بوعيٍ ممنهج على تغييب أي هوية وطنية جامعة، ليصنعوا شعبًا بلا ذاكرة، ووطنًا مستباحًا، ومواطنًا مشوشًا لا يعرف عدوه من صديقه، ولا يميز بين نفعه وضرره.

** الدولة الهجينة.. والحكومات المنفصمة عن الأرض والمنفصلة عن الهوية الوطنية

في ظل هذه الشروط المسمومة، أصبح من الطبيعي – بل من المحتّم – أن تكون الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق تحارب أي توجه وطني أصيل… ؛ فهي، في كثير من الأحيان، كانت حكومات أجَنبية أو هجينة، لا تمت بصلة عضوية إلى هذه الأرض الحضارية… ؛ و معادية لأي مشروع وطني حقيقي ؛ حكومات غريبة عن الأرض والتاريخ والناس ؛ فما الذي يربط المغول والتتار والاتراك وبقايا العثمانيين والإنكليز والأمريكان، ورعاياهم ومرتزقتهم، بأرض الرافدين الطاهرة؟!

إنهم لم يأتوا ليعمروها، بل ليمتصوا خيراتها وليطمسوا روحها ويحاربوا اهلها … .

ومن هنا دخل العراقي في حالة “حيص بيص” تاريخية، وأصبحت الفوضى سيدة الموقف في ظل حكومات هجينة واحتلالات اجنبية متكررة وهجرات مستمرة .

ومنذ تلك الأيام السوداء، ضاعت البوصلة الوطنية … ؛ وقد بلغ الضياع ذروته مع مجيء الحكومات الطائفية والعنصرية الهجينة التي نصبها المحتل البريطاني، والتي حكمت البلاد بقبضة من حديد طوال ثمانية عقود، حتى سقوط نظامها الهجين الآفل عام 2003.

في هذه العهود المظلمة، تنقّل العراقي بين هويات مستوردة وأيديولوجيات غريبة، تتصادم أحيانًا مع بنيته الاجتماعية والفكرية والدينية الأصيلة… ؛ فمن الملكية الهجينة البائسة ، إلى العهد الجمهوري الدموي المضطرب، إلى شعارات القومية العربية والكردية والتركمانية المتعارضة، مرورًا بالشيوعية الأممية والتيارات الناصرية والبعثية، وليس انتهاءً بالتيارات الإسلاموية “العابرة للحدود”… ؛ لقد جرب العراقي كل الهويات وفشل في تطبيقها، لأنها لم تنبت من تربته، بل كانت كالثوب المستعار الذي لا يتناسب مع قوامه.

نعم ,منذ مطالع القرن العشرين، ومع قيام الدولة الحديثة، لم تُبنَ هوية وطنية راسخة، بل فُرضت نماذج مشوهة، بلغت ذروتها في حكومات طائفية وعنصرية زرعها الاحتلال البريطاني، واستمرت بأشكال مختلفة قرابة ثلاثة وثمانين عامًا، حتى سقوط النظام البعثي عام 2003… ؛ وخلال هذه العقود، تنقّل العراقي بين هويات مستوردة وأيديولوجيات عابرة للحدود لا ترى في الوطن سوى ساحة عبور.

** تشظي الذات العراقية.. الشاب في متاهة الهويات

هذا التخبط التراكمي، والفشل المزمن في إنتاج هوية وطنية جامعة، أضاع الدولة والمجتمع معًا… ؛ فالعراقي جرب كل الهويات، ولم ينجح في مواءمة أيٍّ منها مع واقعه الاجتماعي والثقافي العميق… ؛ وكما قيل: “لم يبق بالقوس منزع”؛ استُنفدت التجارب، وتحوّل الإحباط إلى وعيٍ مشوّه.

واليوم، يواجه الشاب العراقي حالة من “الحَيْص بيْص” الوجودي… ؛ فهو لا هويَّة واضحة تستملك قلبه وعقله… ؛ لا هو إسلامي بالمعنى الجامع، وهو يرى النموذج الفاشل للإسلام السياسي من حوله… ؛ ولا هو ليبرالي أو علماني، وهو يسمع من محيطه المقرَّب من يربط هذه المفاهيم بالإلحاد والفساد والارتباط بالخارج … ؛ ولا هو وطني بالمفهوم الحديث (العراق أولاً)، في دولة لم تقدم له سوى الخراب… ؛ ولا هو أممي، يؤمن بشعار “يا عمال العالم اتحدوا”، في عالم تحكمه المصالح الضيقة… ؛ ولا هو منتمٍ لـ”عقيدة قبل الوطن” بشكل كامل ، فيجد نفسه غريبًا في وطنه… الخ .

هذا الفراغ الهوياتي يدفع بالكثيرين إلى واحدة من ثلاث بوابات مظلمة:

1. العودة إلى الطقوس البدائية والعادات العشائرية والتقاليد البالية : كملاذ بدائي يُشعره بالأمان والانتماء في عالم مفكك .

2. الانكفاء على الذات والنرجسية الضيقة: حيث لا همَّ له سوى تأمين قوت يومه والحفاظ على أهله، متخليًا عن أي دور في الشأن العام، مما ينتج شخصية سهلة الانقياد للفساد أو اللامبالاة.

3. التماهي مع صراعات الآخرين وهوياتهم: فينشغل بالمعارك الداخلية حول رمز أجنبي، أو قضية عربية، أو خلاف مذهبي مستورد، فيصبح العراق ساحة بالوكالة لصراعات ليست صراعاته… ؛ وأن تنشب الصراعات الداخلية بسبب رموز وقضايا وشخصيات خارجية: هذا لأجل فلسطين، وذاك لأجل دمشق، وآخر لأحلام قومية أو دينية عابرة للحدود… ؛ ولطالما اقتتل العراقيون فيما بينهم دفاعًا عن الآخر، بينما تُنهب ثرواتهم ويُترك فقراؤهم للجوع…!!

**إنه شاب بلا مرجعية فكرية مستقرة، وبلا أفق رمزي جامع.

ومن منظور اجتماعي-فكري أعمق، فإن هوية الفرد ليست معطىً طبيعيًا ثابتًا، بل هي نتاج تاريخي معقد، يتشكل داخل شبكة من العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية… ؛ فالواقع الاجتماعي لا يُفهم خارج شروطه الاقتصادية، ونمط الإنتاج، وتوزيع السلطة والثروة… ؛ غير أن السلطة – في العراق خصوصًا – لم تنتج هوية وطنية جامعة بقدر ما صنعت هويات مصطنعة، تُستخدم لطمس التناقضات الحقيقية، لا لحلّها… ؛ فالعلم، والشعار، والخطاب الرسمي، تحوّلت إلى أدوات أيديولوجية لإعادة إنتاج الطاعة، لا لبناء المواطنة.

أما اللغة، فهي الوعاء الأعمق للهوية… ؛ وحين تُشوَّه اللغة، أو تُفرغ من معناها، أو تُستعمل للتحريض والإقصاء، فإن الذاكرة نفسها تتعرض للكسر… ؛ عندها يعيش الفرد انقسامًا داخليًا بين ما يشعر به وما يُسمح له أن يعبّر عنه، بين انتمائه الواقعي والهوية المفروضة عليه.

إن مأزق العراق اليوم لا يقتصر على ضياع الهوية، بل يتجاوزه إلى صراع هويات متناحرة… ؛ فمع تغوّل الطوائف، والقوميات، والأحزاب الدوغمائية، تراجعت الهوية الوطنية إلى الهامش، وانزوى الأحرار، وتقهقرت الرؤى العراقية النيرة… ؛ ومع ضغوط العيش القاسي، والحروب المتتالية، انكفأ كثير من العراقيين على ذواتهم، وضاقت دوائر اهتمامهم، فصار الهمّ فرديًا، لا وطنيًا؛ ومن هذه التربة تنبت الخيانة، والفساد، والعمالة.

ولن يُكتب لأي مشروع وطني النجاح ما لم تُغيَّر البنية الفكرية والثقافية والحواضن الاجتماعية… ؛ فالثورات التي لا تسبقها ثورة في الوعي، تُخترق بسهولة، ويختلط فيها الخابل بالنابل، ثم يأتي الخارج – كعادته – ليمتطي موجتها، ويعيد إنتاج السلطة باسم الجماهير.

إن استعادة الهوية العراقية ليست شعارًا، بل مشروعًا تاريخيًا شاقًا، يبدأ من إعادة الاعتبار للعراق بوصفه قيمة عليا، ومن صهر التنوع في بوتقة المواطنة، لا في أفران الطائفية والقومية الضيقة… ؛ العراق أولًا… لا كشعار عاطفي، بل كمنظومة فكرية وسياسية وثقافية، تستند إلى حضارة عميقة، وتضع مصلحة الإنسان العراقي فوق كل اعتبار.

من دون ذلك، سيبقى الشاب العراقي تائهًا، وستظل الهوية جرحًا مفتوحًا، ودولة بلا روح.

** البنية الفاسدة.. وحتمية التغيير الجذري

نعم , المعضلة ليست في الشاب العراقي والمواطن وحده، بل في البيئة الحاضنة الفاسدة… ؛ فسيطرة الأفكار الشمولية والطائفية والعنصرية، واستحواذ الأحزاب الدوغمائية على مقدرات البلاد، أخمدت صوت العقل الوطني ودفعت بأصحاب الرؤى النيرة إلى الانزواء…؛ كما أن تراكم المحن الاقتصادية والسياسية والحروب جعلت هموم البقاء تطغى على أي تفكير في الهوية أو المستقبل.

ولا يمكن بناء هوية وطنية جامعة من دون تغيير جذري لهذه البنى كما اسلفنا … ؛ وهذا يتطلب:

1. قطع الدعم عن الهويات الفرعية المتصارعة: ودفع جميع المكونات للانصهار في بوتقة الهوية العراقية الجامعة، مع الاعتراف بتنوعها ضمن إطار الوحدة الوطنية.

2. تبني سردية وطنية جديدة: تستند إلى عمق العراق الحضاري، وتقدم مصلحته العليا على كل المصالح الحزبية والطائفية والجهوية الضيقة.

3. إصلاح الحواضن الاجتماعية: بدءًا من الأسرة ومرورًا بالمدرسة ووصولًا إلى الإعلام والدولة، لترسيخ قيم المواطنة والانتماء للوطن لا للطائفة أو العرق.

4. الضرب بيد من حديد: على كل من يتلاعب بالهوية الوطنية أو يتعامل مع أجندات خارجية، وفرض سيادة القانون الذي يحمي كيان الدولة وهويتها الوطنية .

 

**خاتمة: نحو استعادة الروح العراقية

الخطر الأكبر لا يكمن في أطروحات الأعداء فحسب، بل في الأوهام الطوباوية والرؤى الخيالية التي تسرق أعمار الشباب وتقدم لهم سرابًا بدل الماء…؛ ان استعادة الهوية ليست شعارًا رنّانًا، بل هي مشروع حضاري معقد يبدأ بإعادة الثقة للشاب العراقي بأن وطنه يستحقه، وبأنه قادر على صنع مستقبل ينتمي إليه فعلاً، لا أن يكون ظلاً لهويات غابرة أو مستوردة.

إن مهمة بناء الهوية مهمة شاقة، تشبه استخراج اللؤلؤ من أعماق بحر هائج… ؛ ولكنها ليست مستحيلة… ؛ إنها تبدأ بالاعتراف بالجرح، وفهم عمق التشظي، ثم الشروع الجريء في رحلة الاستشفاء والبناء… ؛ فلعلّ في أعماق هذا النهر الجريح – نهر العراق – ما زالت تسبح أسماك الذاكرة والأمل، منتظرة لحظة الهدوء لتعود إلى السطح، حاملة معها هوية وطنية جديدة، صلبة وواضحة، كضوء الفجر بعد ليل طويل.

اترك رد