منبر العراق الحر : لا يُقاس الفرق الحقيقي بين الأمم التي تصنع التاريخ، وتلك التي تكتفي بالعيش في ظلاله بما تملكه من ثروات أو ما تحوزه من موارد، بل بكيفية إدارتها للزمن.
فهناك أمم تنظر إلى المستقبل بوصفه فضاءً مفتوحاً للتصميم والهندسة، مشروعاً مؤجلاً، لكنه مُعدّ سلفاً، فيما تتعامل أمم أخرى معه كحادثة غامضة، أو قدر مؤجل، لا يبدأ التفكير فيه إلا بعد وقوعه.
هنا تتجسد الفجوة العميقة بين عقل يخطط ويبني، وعقل ينتظر ويتكيّف، بين من يمتلك خريطة طريق واضحة، ومن يكتفي بمشاهدة الطريق وهو يُرسم من دون أن يسير فيه.
لقد أسهم الاعتماد المفرط على النفط في ترسيخ ما يمكن تسميته بـ”الكسل الستراتيجي”، فالنفط، بوصفه مورداً سريع العائد، غذى ثقافة الاستهلاك الآني وأضعف الحاجة إلى التفكير بعيد المدى.
ومع الزمن، ترسخ وهم خطير مفاده أن المال قادر وحده على شراء التقدم، متناسين أن الثروة حين لا تُدار بعقل تخطيطي تتحول إلى أداة لهدر الوقت لا لاستثماره.
إن المجتمعات التي تعيش على ريع الموارد تميل إلى استهلاك المستقبل لصالح الحاضر، بينما تكمن القوة الحقيقية في القدرة على البقاء بعد زوال تلك الموارد، وهو ما لا يتحقق إلا عبر تخطيط سيادي يتجاوز الدورات الاقتصادية المؤقتة.
تقدم تجربة هونغ كونغ مثالاً بالغ الدلالة على معنى السيطرة على الزمن، فعندما أُعلن الإتفاق بين رئيسة وزراء بريطانيا، مارغريت تاتشر، ورئيس وزراء الصين، زاو زيانغ، على موعد تسليم الإقليم للسيادة الصينية عام 1997، بدا الأمر للكثيرين، خصوصاً في عالمنا العربي، أقرب إلى الخيال أو المبالغة السياسية.
غير أن الصين لم تتعامل مع المستقبل كاحتمال، بل كموعد مؤكد يتطلب إدارة دقيقة، فكانت صيغة “دولة واحدة بنظامين” تعبيراً عن عبقرية تخطيطية جمعت بين استعادة السيادة وضمان الاستقرار الاقتصادي.
هكذا تحول الانتظار الطويل إلى فعل مدروس، وتحول الزمن من عبء إلى أداة.
أما التجربة الماليزية، فلا تختزل، بشخصية الراحل مهاتير محمد، بل تتجسد في “رؤية 2020” التي أُطلقت كبرنامج زمني واضح المعالم، نقل البلاد من اقتصاد زراعي إلى دولة صناعية وتقنية.
لم يكن الأمر أمنيات أو شعارات، بل مساراً محكوماً بالجداول والالتزامات. وعلى الجانب الآخر من التاريخ، يكشف مثال المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 كيف يمكن لفكرة مؤجلة أن تتحول إلى واقع بعد عقود، حين تُدار بمنطق التخطيط لا بمنطق الانفعال.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر