عيد الحب.. الحب بوصفه خلاصا انسانيا ****ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
قبل ان يولد الكلام، كان الحب. وقبل ان تتشكل الفلسفات وتتنازع التعريفات، كانت هناك رعشة خفية في قلب الكائن الاول، تقول له ان العالم لا يحتمل الا اذا احب.
الحب ليس طارئا على الوجود، بل هو نبضه الاول، سر حركته، والعلة التي تجعل الحجر اقل صمتا، والسماء اكثر اتساعا، والقلب اكثر احتمالا.
الحب ليس حادثة عاطفية تقع بين شخصين، بل هو انكشاف مفاجئ لحقيقة كنا نجهلها في انفسنا. انه اللحظة التي ندرك فيها اننا لسنا مكتفين بذواتنا، وان نقصنا ليس عيبا بل دعوة للاتصال. في حضوره يتراجع الخوف خطوة، ويتقدم المعنى خطوة اخرى، فنشعر اننا لم نعد وحدنا في هذا الكون الشاسع
الحب هو ان يتسع القلب حتى يتجاوز حدوده، وان تتحول المسافة بين انا وانت الى جسر من ثقة وطمأنينة.
ليس الحب زهرة حمراء على طاولة عشاء، ولا بطاقة معطرة تتداول في يوم عابر، بل هو اخطر قرار تتخذه الروح حين تختار ان تنحاز للحياة بدل ان تنحاز للعدم. الحب ليس عاطفة تضاف الى قائمة المشاعر، بل هو البنية العميقة للوجود، السر الذي به تفسر الكائنات سبب بقائها، وبه يبرر الانسان احتماله لكل هذا الثقل.. ما يسمى بالعالم.
فللمسلمين أعيادهم الخاصة بهم وللمسيحيين أعيادهم ولليهود أعيادهم وللهندوس والبوذيين أعيادهم ولكل بلدان العالم أعيادهم الوطنية وللعمال عيدهم وللطلاب عيدهم وللمعلمين عيدهم ولكل طائفة ومذهب وشعب أعيادهم الخاصة وهذه الأعياد اما ان تحمل طابع دينيا او وطنيا أو اجتماعيا … العيد الوحيد الذي يحمل صفة أنسانية وطابعه روحي خالص هو عيد الحب
الحب هو العيد الوحيد الذي لا يحتاج الى هوية، ولا يطلب شهادة انتماء. انه القيمة التي لو سحبت من الكون لانطفأ المعنى كما تنطفئ نجمة في فضاء بارد. ولهذا لم يكن الحب ترفا عند الفلاسفة، بل ضرورة وجودية.
حين كتب افلاطون عن الحب في محاورة المأدبة، لم يكن يتحدث عن انجذاب عابر، بل عن ايروس بوصفه سلما تصعد به الروح من حب الجسد الى حب الجمال المطلق. الحب عنده حركة ارتقاء، توق النقص الى تمامه، وحنين الجزء الى كماله. انه قوة تدفع الانسان الى تجاوز حدوده، والبحث عن صورته العليا في المطلق.
اما ابن سينا، فقد راى في الحب مبدأ كونيا يسري في الموجودات جميعا، فكل موجود يعشق كماله، وكل روح تنجذب الى ما يتم نقصها. لم يكن الحب عنده ضعفا انسانيا، بل قانونا يحكم حركة العالم من المادة الى العقل، ومن الظل الى النور.
وفي التصوف، تحول الحب الى نار تطهر الوجود. يكفي ان نستحضر ابن عربي، الذي اعلن ان قلبه صار قابلا لكل صورة، وانه يدين بدين الحب. هنا يغدو الحب افقا كونيا اوسع من الحدود، وارحب من العقائد المغلقة، انه انفتاح مطلق على الاخر، لان الاخر مرآة من مرايا الحقيقة.
ولم يكن الفلاسفة الغربيون اقل افتتانا بهذا السر. فقد عاش جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار تجربة حب معقدة تمردت على القوالب التقليدية، محاولة التوفيق بين الحرية والارتباط. كان حبهما سؤالا مفتوحا، كيف نحب دون ان نمتلك، وكيف نقترب دون ان نلغي استقلال الاخر. لقد ارادا للحب ان يكون مساحة حرية لا قيدا جديدا.
وعندما كتب كيركغارد عن حبه لريجينه اولسن، كان يعيش التمزق بين العاطفة والواجب، بين الرغبة في القرب والخوف من خيانة دعوته الفكرية. فاختار الفراق، لكنه حول الالم الى فلسفة، وجعل من الحب مأساة وجودية تكشف هشاشة الانسان امام اختياراته.
وحتى نزار قباني، ادرك ان الحب ليس تفصيلا، بل ضرورة اختراع، لو لم نجده لاخترعناه. لان الانسان بلا حب كائن ناقص المعنى، يمشي في العالم كما لو كان يؤدي وظيفة الحياة دون ان يعيشها حقا.
الحب ليس مجرد علاقة بين شخصين فقط، بل موقف من الوجود. ان تحب يعني ان ترى في العالم امكانية للجمال رغم قسوته، وان تعترف بنقصك دون خجل، وان تجد في حضور من تحب شجاعة الاعتراف بضعفك. الحب الحقيقي لا يجمّلك ليرضي صورته عنك، بل يقبلك كما انت، ويمنحك الطمأنينة لان تكون على طبيعتك.
انه حالة تحرر لا اخضاع، وانكشاف لا تمثيل، وامتداد سماء داخلية بلا حدود. هو التيه الذي يقود الى المعنى لا الى الضياع، وهو ان تمسك يدا فتشعر انك امسكت بالحياة كلها.
اذا كان هناك نشاط وجداني يستحق التقديس في هذا الكون، فهو الحب. لانه وحده القادر على اذابة التناقضات الداخلية، وعلى مصالحة الانسان مع ذاته ومع العالم. ان تحب اي شيء، انسانا او فكرة او زهرة او نجمة، هو ان تقول للحياة نعم.
وفي النهاية، ليس السؤال هل نحب، بل هل نستطيع ان نحيا بلا حب. فالحياة بلا حب ليست قسوة فحسب، بل خواء يتنكر في هيئة انشغال، وفراغ يتخفى وراء ضجيج الايام. الحب هو المعنى حين تتشظى المعاني، وهو النور حين تتكاثف العتمات، وهو الفكرة الوحيدة التي لا تسقط بالتقادم ولا تبطلها الهزائم.
الحب ليس ترفا عاطفيا، بل ضرورة وجودية، به يتصالح الانسان مع ضعفه، ويعترف بحدوده، ثم يتجاوزها. انه القوة الوحيدة التي لا تمارس القهر، والسلطة الوحيدة التي لا تفسد، واليقين الوحيد الذي لا يحتاج الى برهان. من يحب، يرى العالم قابلا للنجاة، ويرى في الاخر امتدادا لانسانيته لا تهديدا لها.
فاذا كان الكون قائما على قوانين تحكم حركته، فان الحب هو القانون الذي يحكم معناه. واذا كان لكل شيء غاية، فغاية الانسان ان يتسع قلبه حتى يليق بالحياة. عندها فقط لا يعود الحب حدثا عابرا، بل يصير موقفا دائما، واختيارا واعيا، وطريقا لا رجعة فيه.
الحب ليس وعدا بالسعادة الدائمة، لكنه وعدا بالمعنى. وليس ضمانا ضد الالم، لكنه يجعل الالم نفسه قابلا للفهم. لذلك كان الحب اجمل ما يمكن ان يحدث للروح، لانه يعيد ترتيب العالم من الداخل، ويجعل للحياة طعما، وللوقت قيمة، وللوجود سببًا يستحق ان يعاش
فطوبى للمحبين و العاشقين لأنهم ملح الحياة ومائها وترابها وهوائها ونورها وسمائها

اترك رد