منبر العراق الحر :
لأن الولايات المتحدة، ببساطة، لا تريد في هذه المنطقة قوةً إقليميةً مستقلّةً قادرةً على فرض معادلاتها خارج الإرادة الأمريكية. هي تريد شرقًا أوسطَا مُدارًا، لا شرقًا أوسطَا قويًا. تريد دولًا متفرقة، متنافسة، منهكة، لكنها لا تريد دولةً كبيرةً تمتلك قرارها السيادي الكامل، ولا تريد مشروعًا سياسيًا يمكن أن يتحول إلى قطبٍ إقليمي مؤثّر.
في هذا السياق تأتي إيران. دولةٌ تملك مقومات بشرية واقتصادية وعسكرية، وتملك خطابًا سياسيًا صداميًا مع الهيمنة الأمريكية، وترفض أن تكون جزءًا من المنظومة التابعة. لذلك كان لا بد من حصارها، ليس دفاعًا عن القيم، ولا انتصارًا لحقوق الإنسان، بل حمايةً لمعادلة الهيمنة.
والحقيقة الأكثر وضوحًا أن أمريكا لا تريد في المنطقة قوةً عليا سوى إسرائيل. إسرائيل هي المشروع الاستراتيجي الذي تُبنى حوله كل الحسابات. كل قوةٍ مرشحة لأن تتحول إلى تهديدٍ لهذا التفوق تُوضع تلقائيًا في خانة العدو، سواء كانت إيران، أو غيرها، أو أي دولة عربية قد تفكر يومًا بالخروج من بيت الطاعة.
أما خطاب حقوق الإنسان، فقد سقط سقوطًا مدويًا، ليس فقط في غزة، بل قبل ذلك في قلب الولايات المتحدة نفسها، مع فضائح شبكات الاستغلال الجنسي المرتبطة باسم(( ابستين)) ، والتي كشفت تورط نخب سياسية ومالية وإعلامية كبرى، ثم جرى احتواء الملف وإغلاقه دون محاسبة حقيقية.
عندما تعجز دولة عن محاسبة رموزها في قضايا اغتصاب أطفال واستعباد جنسي منظم، ثم تخرج لتُحاضر العالم عن الأخلاق، فإننا لا نكون أمام دولة قيم، بل أمام دولة توظّف الأخلاق كأداة سياسية.
أحداث غزة جاءت لتكمل المشهد: دعمٌ مفتوح للقتل الجماعي، وصمتٌ عن المجازر، ثم خطبٌ جاهزة عن القانون الدولي وحقوق الإنسان. وهذا التناقض الفاضح أسقط ما تبقى من مصداقية الخطاب الأمريكي.
من المعيب بعد كل هذا أن تستمر واشنطن في إعطاء الدروس. ومن السذاجة تصديق أن حصار إيران سببه الحرص على الشعب الإيراني، بينما تُترك شعوب كاملة تُسحق بلا أي مساءلة للجناة.
القضية في جوهرها ليست إيران، ولا النووي، ولا حقوق الإنسان. القضية هي: من يملك حق القوة في المنطقة؟ ومن يُسمح له أن يكون قويًا؟
والجواب الأمريكي واضح منذ عقود: إسرائيل فقط، وما عداها يجب أن يبقى في حدود المسموح.
هكذا تُفهم محاصرة إيران، وهكذا تُقرأ السياسة الأمريكية: مصالح عارية، وقوة بلا أخلاق، وهيمنة بلا قيم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر