منبر العراق الحر :
ثمة مفارقة هادئة لا تُقال بصراحة، لكنها تعمل في العمق.
يمكن الاحتفاء بالطبيب العربي الذي يتصدر قسمًا في مستشفى كبير.
يمكن الإشادة بالمهندس الذي يقود مشروعًا وطنيًا.
يمكن الترحيب بالأكاديمي الذي يحاضر في أعرق الجامعات.
لكن حين ينتقل الحديث من الفرد إلى الجماعة، يتبدّل المناخ.
الفرد يُستقبل بوصفه قصة نجاح.
أما الجماعة، فتُستقبل بوصفها سؤالًا.
هذا التحول ليس عرضيًا، بل بنيوي.
ففي إطار دولة تُعرّف نفسها تعريفًا قوميًّا محددًا، يصبح الاعتراف بالفرد أمرًا ممكنًا، بل مرغوبًا أحيانًا، لأنه لا يهدد البنية الرمزية.
أما الاعتراف بالجماعة بوصفها كيانًا أصيلًا له سرديته وذاكرته وحقه في تعريف ذاته، فيفتح بابًا أكثر تعقيدًا: باب الندية.
الفرق بين المساواة الفردية والندية الجماعية هو الفرق بين الإدماج والإقرار.
يمكن إدماج الأفراد في السوق والمؤسسات.
لكن الإقرار بالجماعة يقتضي إعادة التفكير في توزيع الاعتراف ذاته.
هنا تتشكل معادلة دقيقة:
كن ناجحًا، لكن بوصفك فردًا.
كن مرئيًا، لكن خارج سياقك الجمعي.
تقدم، لكن دون أن تحمل معك تعريفًا سياسيًا لجماعتك.
هذا ليس قانونًا مكتوبًا، لكنه مناخ يتكرس في الخطاب العام.
وحين يُختزل الوجود العربي في الداخل في قصص نجاح فردية، تُفرَّغ الجماعة من معناها السياسي.
الاعتراف بالفرد يحقق إنصافًا شخصيًا.
أما الاعتراف بالجماعة، فيعيد تعريف العلاقة.
وهنا يكمن جوهر الإشكال.
لأن الجماعة ليست مجرد مجموع أفراد.
هي ذاكرة، لغة، سردية، ووعي جمعي.
والتعامل معها كأفراد متناثرين يُبقيها في حالة تفكيك رمزي دائم.
المفارقة أن هذا التفكيك لا يبدو عدائيًا.
بل يُقدَّم أحيانًا بوصفه تقدمًا:
كلما زادت قصص النجاح الفردي، قيل إن الفجوة تضيق.
لكن النجاح الفردي، مهما اتسع، لا يعالج سؤال الاعتراف الجماعي.
هو يخفف التوتر، لكنه لا يجيب عن السؤال المؤجل:
ما مكانة هذه الجماعة في تعريف الدولة لذاتها؟
الفلسطيني في الداخل يعيش هذا التوتر بوعي واضح.
يعرف أن نجاحه الشخصي ممكن، بل متاح.
لكنه يعرف أيضًا أن الحديث باسم جماعته يدخل منطقة أكثر حساسية.
لهذا يتشكل نمط من الخطاب الحذر:
تركيز على الحقوق المدنية،
تحفّظ في السردية القومية،
وموازنة دقيقة بين الانتماءين.
هذا ليس ضعفًا، بل إدارة واعية لواقع مركّب.
لكن إدارة الواقع لا تعني حله.
حين يُحتفى بالفرد ويُؤجَّل الاعتراف بالجماعة،
تتكرس صيغة مواطنة جزئية:
مواطنة تتيح المشاركة، لكنها تتحفظ على الندية.
الندية تعني أن تكون الجماعة جزءًا من تعريف الفضاء العام، لا مجرد ضيف فيه.
أن يُعترف بذاكرتها كما يُعترف بحضورها العددي.
أن تُعامل بوصفها مكوّنًا أصيلًا لا كتحدٍ ديموغرافي أو هامش ثقافي.
السؤال ليس إن كان الفرد قادرًا على الاندماج.
لقد أثبت ذلك مرارًا.
السؤال هو:
هل يمكن للجماعة أن تُعترف بها دون أن يُطلب منها أن تُخفف من تعريفها لذاتها؟
إذا ظل الاعتراف محصورًا في مستوى الفرد،
فإن المواطنة ستبقى معلّقة في مستوى الجماعة.
وهنا يعود السؤال الأكبر:
هل يمكن بناء ثقة مستدامة على اعتراف جزئي؟
المواطنة المستقرة لا تكتفي بإدماج الأفراد.
هي تعترف بالجماعات كما هي، لا كما يُراد لها أن تكون.
وإلى أن يُحسم هذا الفرق بين الإدماج والإقرار،
ستبقى العلاقة محكومة بتوازن دقيق —
مستقر ظاهريًا،
ومؤجل في جوهره.
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
عرض
منبر العراق الحر منبر العراق الحر