كيف تفكر واشنطن في الحرب؟ تفكيك العقيدة الأميركية بين الردع والقوة … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

هذه المقالة تمثل مدخلاً لسلسلة تتناول بالتفصيل بنية القرار الأميركي في استخدام القوة، من العقيدة إلى الردع وصولاً إلى لحظة التنفيذ. الهدف هو الفهم لا التبرير، والتفكيك لا الشيطنة.

في عالم الردع النووي والعقوبات العابرة للقارات، لم تعد الحرب مجرد امتداد للسياسة، بل أصبحت إحدى أدوات إدارتها.

عندما كتب كارل فون كلاوزفيتز: “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”، لم يكن يبررها، بل كان يصف منطقها. في التفكير الأميركي المعاصر، ما تزال هذه الفكرة حاضرة، لكن بصيغة أكثر تعقيداً: الحرب ليست قطيعة مع السياسة، بل أداة ضمنها، تُستخدم حين تُعتبر الوسائل الأخرى غير كافية للحفاظ على التوازن أو الردع.

في العقل الاستراتيجي الأميركي، الحرب ليست هدفاً بذاتها، ولا تعبيراً عن نزعة هجومية مجردة. هي أداة سياسية داخل استراتيجية ردع أوسع. القوة لا تُستخدم لأنها متاحة، بل لأن عدم استخدامها – في تقدير صانع القرار – قد يُضعف مصداقية الردع، ويشجّع الخصم على اختبار الحدود. هذا فرق جوهري بين دولة ترى الحرب انفجاراً سيادياً، ودولة تراها وسيلة لإدارة معادلة قوة أكبر.

الولايات المتحدة لا تتحرك عسكرياً لأنها الأقوى، بل لأنها تخشى أن تتحول قوة بلا استخدام محسوب إلى قوة بلا مصداقية. في هذا المنطق، الامتناع قد يكون أخطر من الفعل إذا فُهم بوصفه تراجعاً. لذلك تُقاس الحرب في واشنطن ليس بحجم النار، بل بوزن الرسالة التي ترسلها.

هذه المقاربة لا تجعل القرارات الأميركية دائماً صائبة، ولا تنفي ما حملته بعض التجارب – من العراق إلى أفغانستان وليبيا – من إخفاقات مكلفة وتقديرات خاطئة. لكنها تُظهر أن قرار استخدام القوة لم يكن مزاجاً فردياً، ولا نزوة آنية، بل نتيجة تصور استراتيجي متكامل، حتى عندما أخطأ في نتائجه.

لفهم ذلك، لا بد من تفكيك بنية التفكير نفسها:
• ما هي العقيدة العسكرية الأميركية؟
• كيف يُفهم الردع؟
• ما الفرق بين الحرب الشاملة والضربات المحدودة؟
• كيف تُدمج القوة الصلبة بالاقتصاد والعقوبات والتحالفات؟
• وهل يملك الرئيس القرار المطلق فعلاً،
أم يتحرك داخل منظومة أوسع منه؟

قبل أن نسأل: هل ستضرب واشنطن؟
علينا أن نفهم: كيف تُعرّف الضربة أصلاً؟
ومتى ترى أن السياسة وحدها لم تعد كافية؟

هذه الأسئلة ليست مقدمة لجدل عابر، بل مدخل لسلسلة مقالات تتناول بالتفصيل كيفية بناء القرار الأميركي في استخدام القوة: من العقيدة إلى الردع، ومن الشرعية إلى التنفيذ، ومن النص القانوني إلى الفعل العسكري.

سنفكك في الأجزاء القادمة بنية التفكير المؤسسي الذي يقف خلف أخطر قرار يمكن أن تتخذه دولة عظمى: قرار استخدام القوة. ليس بهدف التبرير، ولا بهدف الشيطنة، بل بهدف الفهم.

ففي منطقة اعتادت أن ترى القوة الأميركية إما قدراً مطلقاً أو شراً مطلقاً، يصبح الفهم بحد ذاته أداة استراتيجية.

وهنا يبدأ النقاش الحقيقي.

اترك رد