*لماذا لم يسحب المالكي ترشيحه؟* *ولماذا وضع الإطار أمام اختبار السيادة؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وسياسي….

لم يكن تمسّك السيد نوري المالكي بترشيحه لرئاسة الوزراء موقفاً شخصياً أو تعنّتاً سياسياً، ولا رهاناً على لحظة انفعالية، بل خياراً استراتيجياً محسوباً بدقة، يقرأ المشهد العراقي بوصفه ساحة صراع على القرار والسيادة قبل أن يكون تنافساً على منصب. ينطلق من فهم عميق لطبيعة الصراع على الدولة العراقية، ولمعادلات القوة داخل البيت الشيعي، ولحدود الضغط الأميركي وأهدافه الحقيقية. غير أن ما رافق هذا الموقف من انحراف إعلامي داخلي، ولا سيما في بعض القنوات المحسوبة على البيئة الشيعية، كشف خللاً أعمق من الخلاف السياسي، خللاً في الوعي بالدور الوطني والأخلاقي للإعلام.. فالسؤال الحقيقي ليس: لماذا لم ينسحب المالكي؟ بل، لماذا الانسحاب سيُعدّ هزيمة سياسية وسيادية لا تخص المالكي وحده، بل الإطار والدولة؟
*أولًا: الانسحاب ليس فعلاً تقنياً… بل سابقة سيادية خطيرة*
في الأنظمة الخاضعة للضغط الخارجي، لا يُقاس القرار السياسي بظاهره الإجرائي، بل بسابقته. انسحاب المالكي تحت وطأة التهديدات الأميركية لم يكن ليُقرأ كخطوة تهدئة، بل كسابقة تُكرّس قاعدة خطيرة: من لا يحظى بقبول واشنطن لا يحق له الترشح، مهما كان وزنه النيابي أو الشعبي. لهذا رفض المالكي أن يكون الانسحاب توقيعاً عراقياً على تفويض خارجي دائم. فالقضية لم تكن (مالكياً أم لا)، بل من يملك حق الفيتو على القرار العراقي.
هذه القاعدة لا تُقصي شخصاً، بل تصادر جوهر العملية السياسية وتحوّلها إلى آلية تصديق خارجي. لذلك أدرك المالكي أن الانسحاب الطوعي سيُسجَّل كتوقيعٍ شيعيٍّ على وثيقة انتقاص السيادة، تُستخدم لاحقاً ضد أي مرشح غير مرغوب.
وحين نقل المالكي عبء القرار إلى الجماعة، حسب مقولته لقادة الإطار التنسيقي
(إذا أقلقتكم التهديدات الأميركية فقوموا أنتم بسحب ترشيحي وتحمّلوا تداعيات هذا الأمر)،
هذه المقولة العميقة، ذات البعد الاستراتيجي لم تكن تحدياً انفعالياً، بل إعادة توزيع للمسؤولية. إن كان القرار يُسحب، فليُسحب جماعياً وبوضوح، وليتحمل الجميع تبعات “انتهاك السيادة” لا أن تُرمى الكلفة على فرد.
*ثانياً: الإعلام الشيعي… من سندٍ إلى خصم؟*
هنا يبرز العتب الأكبر. فبدل أن تقوم بعض القنوات العراقية، وخاصة الشيعية بدورها المهني والأخلاقي بتفكيك الضغط الخارجي وشرح خلفياته، اختارت أن تكون مكبّر صوت لخطاب أميركي انتقائي. وقد بدت قناة “العهد” مثالاً مؤسفاً على هذا المسار حين: تبنّت سرديات أميركية عبر نقل تغريدات وتصريحات لمسؤولين أميركيين بوصفها “مواقف حاسمة”، مع أنها وجهات نظر شخصية، لا بيانات رسمية مكتوبة ومرسلة عبر القنوات الحكومية.
كما أهملت عمداً ما يصدر عن وزارة الخارجية العراقية من مواقف وتوضيحات على لسان وزير الخارجية والسفارة العراقية بواشنطن، التي تمثّل الدولة العراقية ومؤسساتها.
بل ذهبت أبعد من ذلك، خصّصت برامجها اليومية “لمهاجمة المالكي”، واستحضار سنوات حكمه الثمان بوصفها مادة تصفية حساب، دون أي قراءة سياقية للمرحلة الأمنية والسياسية الأشد تعقيداً في تاريخ العراق الحديث.
والأكثر إيلاماً هذه القناة جمعت شلّة من المتسلقين تحت مسمّى “محللين سياسيين”، يبيعون مواقفهم بأثمان زهيدة، يظهرون على الشاشة للهجوم الشخصي على المالكي، بعيداً عن التحليل الرصين. وهكذا تحوّل النقاش من مساءلة السياسات إلى تشويه السمعة، ومن قراءة الدولة إلى التحريض. والمفارقة المؤلمة أن أصحاب القناة تناسوا فضل المالكي عليهم في مراحل سابقة: دعماً وحمايةً ومساحةً سياسية، ليقابلوا ذلك اليوم بنكرانٍ فجٍّ حين اشتدّت المعركة.
هذا النهج ليس له علاقة بالنقد السياسي، بل هو تماهٍ إعلامي مع رواية الخارج على حساب السيادة والسردية الوطنية.
*ثالثاً: تفكيك الابتزاز الأميركي بدل الهروب منه*
الضغط الأميركي لم يكن تقنياً ولا إصلاحياً، بل هو سياسياً انتقائياً. فالشروط المطروحة (الحشد، القضاء، الدولار) لا تُطرح على الجميع بالحدة نفسها، ولا تُستخدم إلا عندما يكون المرشح غير قابل للتطويع الكامل. إصرار المالكي على البقاء في السباق هدفه “كشف الطابع الانتقائي للضغط” وإجبار واشنطن على الاختيار بين، القبول بمرشح قوي ضمن تسوية أو تحمّل مسؤولية تعطيل العملية السياسية علناً.
الانسحاب كان سيمنح واشنطن انتصاراً مجانياً بلا كلفة، أما الصمود فيُدخلها في معادلة تفاوض لا تحبها.
أما الإعلام المضلل للرأي العام يتجاهل هذه الحقيقة، الذي يساهم في تلميع خطاب التهديد، شارك بقصد أو بغير قصد في إضعاف الموقف التفاوضي العراقي.
*رابعاً: حماية التوازن داخل البيت الشيعي*
المالكي يدرك أن خصومه داخل الإطار لا يعارضونه فقط، بل يعارضون نموذج القيادة القوية. هم يريدون رئيس حكومة “توافقياً” بلا ظهر سياسي، سهل الاحتواء داخلياً وخارجياً. انسحابه كان سيعني: انتصار منطق الإقصاء داخل الإطار، وتكريس قاعدة “إسقاط المرشح الأقوى بالضغط”، وفتح الباب لتفكيك الإطار نفسه لاحقاً
أما تمسكه بالترشيح، فكان خط دفاع أخير عن فكرة أن القرار الشيعي لا يُدار بالخوف ولا بالإملاءات.
السياسي الذي يفكر باللحظة يخسر حتماً، والذي يفكر بالزمن يربح. المالكي بتجرته العميقة وخبرته الطويلة في المعارضة والحكم يعلم أن: الضغوط الخارجية تتبدل، والاصطفافات الداخلية تتآكل، والشارع يعاقب من يعطل الدولة. لذلك فإن بقائه في المشهد: يحوّل الاستنزاف إلى استثمار، ويجعل خصومه في موقع التبرير لا الهجوم، ويُبقي خيار الانتخابات المبكرة أو التسويات الكبرى مفتوحاً.
*خامساً: اختبار للسياسة… وامتحان للإعلام*
المالكي لم يتمسّك بترشيحه دفاعاً عن طموح شخصي، فهو أغنى عن ذلك بكثير، بل دفاعاً عن “معادلة الحكم والسيادة”. حين رفض الانسحاب، لم يقل “أنا أريد السلطة”، بل قال عملياً، إما أن نقرّر نحن، أو نعترف بأن القرار لم يعد لنا. وفي المقابل، سقط جزء من أخلاقية الإعلام للأسف، في امتحان المهنية، حين فضّل الاصطفاف مع رواية الخارج، واستسهَل جلد الداخل، ونسي أن دوره الأول هو حماية الوعي العام لا تضليله.
الانسحاب كان سيُنهي ترشيح المالكي، لكن الصمود حوّل الترشيح إلى اختبار سيادي شامل. والإعلام الذي يفشل في هذا الاختبار اليوم، سيصعب عليه ادّعاء الوطنية أو المقاومة غداً. ومن يفشل في هذا الاختبار اليوم، لن يكون قادراً على حماية أي قرار وطني غداً.

اترك رد