وراجع لك يا عدوي راجع … بقلم مهند سري

منبر العراق الحر :

منذ الطفولة، زرع في وعينا أن العدو على الأبواب، وأن الطامعين يتربصون بنا في كل زاوية.

أُدخلنا مبكراً في سباق العدة والعدد، حتى تماهت البراءة مع الزي العسكري، وصارت قرقعة السلاح بديلاً عن ضحكات الملاعب.

كبرنا على أناشيد والله زمن ياسلاحي، ومرحباً يامعارك المصير، وويلك ياللي تعادينا ياويلك ويل، وطكت جيلات البرنو، وطارت طيارات الميغ، برفقة خطاب لا يرى في المستقبل سوى معركة مؤجلة .

تحولت الطائرات في السماء إلى رمز فخر، والبنادق في الأيدي إلى معيار وطنية.

ومع الوقت، لم يعد السلاح أداة دفاع، بل صار هوية كاملة، أنفقت الثروات على الترسانات، واستنزفت الطاقات في سباقات التسلح، فيما تركت المدارس والمصانع والمختبرات في آخر سلم الأولويات.

ضاعت فرص التنمية تحت وقع الطبول، وغابت أسئلة المعرفة والإنتاج خلف صخب الشعارات.

الأخطر أن عقيدة “العدو على الأبواب” لم تتوقف عند حدود الخارج، بل تمددت إلى الداخل، فكل صوت ناقد صار موضع شبهة، وكل رأي مختلف وضع في خانة الاتهام.

البنادق، الطائرات، المسيرات، الصواريخ، المدافع، الدبابات، البراميل المتفجرة، والأسلحة المحرمة، التي قيل إنها لحماية الوطن، وجهت إلى أبناء الوطن بحجة تأمين الجبهة الداخلية.

سالت دماء تحت عناوين جاهزة: عميل، خائن، مرتبط بالخارج، وهكذا تحولت الدولة من حارس لمجتمعها إلى رقيب عليه.

إن الأوطان لا تقاس بعدد الدبابات ولا بحجم المخازن العسكرية، فالدولة التي تراكم السلاح من دون أن تراكم المعرفة، وتوسع الإنفاق العسكري على حساب الإنسان، لا تصنع قوة حقيقية بل تؤجل لحظة الانكشاف، فالقوة التي لا يسندها اقتصاد منتج، وتعليم متين، ومجتمع متماسك، تظل قوة هشة مهما تضخمت ترساناتها.

لقد أثبتت التجارب أن اقتصاد الحرب يبتلع موارده قبل أن يحميها، وأن التنمية ليست خياراً تجميلياً، بل هي الضمانة الوحيدة للاستقرار والسيادة. أما الاستمرار في قرع الطبول، فلن يصنع مستقبلاً… بل يطيل أمد الضجيج.

 

اترك رد