الدراما العراقية اليوم : مرآة المجتمع بين الإبداع والتحديات….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

الدراما العراقية اليوم تقف على مفترق طرق بين إرث ثقافي عميق وتحديات معاصرة فرضتها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فهي تمثل نبض المجتمع العراقي بكل تناقضاته وآماله وآلامه، وتظل مرآة صادقة لتجارب الناس اليومية، حيث تصوّر الواقع بحلوه ومره وتوثّق اللحظات التاريخية والمعيشية التي تمر بها البلاد وإن العراق يمتلك تاريخاً درامياً غنياً يعود إلى منتصف القرن العشرين، حين كانت المسرحيات الإذاعية والمسلسلات التلفزيونية الأولى تحاكي المجتمع وتتناول القضايا المحلية بروح الفن والدراما، مسلطة الضوء على القيم التقليدية والهوية الوطنية ومن ثم بدأت الأعمال العراقية تتطور تدريجياً لتصبح أكثر تنوعاً وثراءً، مع الحفاظ على جوهرها المرتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي.
اليوم، يسعى صناع الدراما العراقيون إلى التجديد، حيث باتت الأعمال الجديدة تتناول موضوعات كانت في السابق حساسة أو ممنوعة، مثل الفساد، البطالة، الهجرة حياة المرأة وآثار الحروب على المجتمع. كما أصبح تصوير الشخصيات أكثر تعقيداً وعمقاً، بعيداً عن النمطية البسيطة مما يعكس فهمًا أعمق للإنسان العراقي وتجاربه المتعددة. التقنيات الحديثة في التصوير والمونتاج أصبحت حاضرة بشكل تدريجي في بعض الإنتاجات ما منح الأعمال القدرة على منافسة الإنتاجات الإقليمية في مستوى الصورة والصوت والإخراج الفني وهو ما يشكل نقلة نوعية في صناعة الدراما.
مع ذلك تواجه الدراما العراقية تحديات كبيرة، أهمها محدودية التمويل والدعم الإنتاجي، ما ينعكس مباشرة على جودة التصوير واختيار الممثلين والبنى التحتية المناسبة إضافة إلى ذلك تظل بعض الموضوعات محكومة بقيود اجتماعية ورقابية تمنع تناولها بجرأة بينما يعاني القطاع من نقص الكوادر الفنية المؤهلة نتيجة الهجرة الطويلة ما أدى إلى فجوة في الخبرات وتجربة صعبة لتشكيل فريق متكامل قادر على تنفيذ المشاريع الكبيرة. رغم ذلك يشهد الجمهور العراقي تنوعاً في الخيارات خصوصاً مع صعود المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصة للأعمال الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع وفتحت المجال للتفاعل المباشر مع المشاهدين مما منح صناع الدراما مؤشراً حقيقياً على نجاح أعمالهم وتأثيرها الاجتماعي والثقافي.
الدراما العراقية إذاً ليست مجرد تلفزيون أو مسلسل بل هي تجربة ثقافية واجتماعية تحمل بين طياتها روح المجتمع وتستجيب لتحديات العصر وتبحث عن مساحة للتعبير عن الذات والهوية الوطنية. إنها مسرح لحياة العراقيين بكل تناقضاتها ومساحة للإبداع والتجريب الفني وميدان لتوثيق الواقع وتحليل الأحداث بطريقة درامية مؤثرة والمستقبل مرتبط بشكل كبير بقدرة صناع الدراما على الابتكار وتقديم محتوى يوازن بين الإرث الثقافي والحداثة واستثمار الكوادر الشابة وإنشاء بنية إنتاجية قوية تدعم الإبداع الفني وتفتح آفاق التعاون مع الخارج لتطوير الصناعة وتصديرها خارج الحدود.
إن ما يميز الدراما العراقية اليوم هو قدرتها على الصمود وسط الظروف الصعبة والاحتفاظ بصوتها الخاص رغم كل القيود. فهي ليست مجرد ترفيه بل تجربة اجتماعية وفنية تعكس تطلعات الشعب العراقي وصراعاته اليومية وتوثّق لحظاته المؤثرة على صعيد الفرد والمجتمع والدولة. المستقبل أمام الدراما العراقية مليء بالفرص والتحديات فمن خلال الاستثمار في الكوادر وتوفير الدعم المالي والإنتاجي وتشجيع حرية التعبير الفني يمكن للدراما أن تتحول إلى منصة قوية لإبراز الهوية الثقافية العراقية ونقل رسائلها إلى العالم وأن تصبح قوة ناعمة تعكس قوة المجتمع العراقي وصموده وإبداعه والدراما العراقية اليوم هي أكثر من مجرد حكاية تُروى إنها مرآة حضارية، وسجل حي لتاريخ الشعب وصوت حقيقي ينبض بالإبداع والتحدي يثبت أن الفن قادر على التأثير وإحداث التغيير وأن العراق رغم كل صعوباته سيظل يحتفظ بروحه الفنية ويستمر في صناعة دراما تليق بتاريخ هذا الشعب العريق.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد