آمين… آمين…” ..ماجدة الفلاحي

منبر العراق الحر :آمين… آمين…”
كان السيد العارف
يلتف بسلهام داكن
وعلى رأسه طربوش أحمر
وجهُه خريطةٌ بلا ملامح
يمشي وظلُّه يسبقه كفتوى
ذو هيبةٍ كصقيعِ الصحراء
ووقارٍ يُخيفُ حتى النساء.
يجلس القرفصاء
كأنّه قاضٍ في بلاط الغيب
يُوزّع الحلالَ والحرامَ كصكوكِ غفران
يفتي في لحمِ الخنزير والخمر
في أكلِ مالِ اليتيم
في الغيبةِ والنميمة
في السرقةِ والكذب
في دمِ الحيضِ والنفاس
وفي التعدُّد وما ملكت أيمانُكم
كأنّه يمسكُ الكونَ بكفِّه
ويُقسِّمه بينَ الجنّةِ والنار.
كان يتحدّثُ في كلِّ شيء:
عن نساءِ أوروبا
عن صالاتِ الديسكو
عن أعيادِ الميلاد في الغرب
عن النساءِ في كابول
عن الكاسياتِ العاريات
عن المثليين…
عن اللاجئين…
عن النار والسعير
عن موت القيم ويقظة الضمير
عن العدل في حرغيزستان
عن الظلمِ في قرغيزستان…
ساكتًا
مثلَ شيطانٍ أخرس
لا ينبسُ بحرف
عن الفقرِ المعلّقِ حوله في شبابيكِ البيوت
عن القهرِ المقيمِ في عيونِ الأمهات.
كلّما فرغَ من خطبته
رفعَ يديه كأنّهما هوائيّا بثّ
يلتقطُ بهما الغيب.
أقامَ الأذكار
صلّى
دعا على الكافرين بصوتٍ كصافراتِ الإنذار
وختم بالدعاء:
للأحياء
للأموات
لأهلِ الجاه
والنفوذ
ول”ف- ل-س- ط – ي – ن – “.
سَنُصلّي في المسجد
الأ – ق – ص – ى!
فيردُّ الجمعُ، بصوتٍ هادر:
سَنُصلّي
في ال – ق-د – س!
كنتُ طفلةً
بضفيرتينِ تُشبهانِ حبالَ الأرجوحة
أنظرُ إلى السماء
أرفعُ يديَّ كمن يقيسُ المسافةَ بين الأرضِ والله
وأقول: آمين.
وتقولُ الجموع: آمين يا ربّ العالمين.
طفلةٌ لا تفهمُ حرفًا ممّا قال “الشيخ”
لكنّها تردّد كلماته كأنّها تعويذة:
آمين… غير آمين… آمين…
وتظنُّ أنّ
ال-ق- د-س
قريبةٌ كصوتِ أمي وهي تناديني للعشاء
وأنّها تقعُ في آخرِ زقاقِ حينا
بعد دكّان “بّا عبد السلام”
الذي يبيعُ المصّاصات
وعرائسَ من سُكّر
تذوبُ عند أوّلِ سؤال.
كبرتُ قليلًا…
سألتُ أبي:
كيف سنُصلّي في
ال -ق -د- س؟
ويفصلنا عنها آلافُ الاميال؟
وآلافُ الشهداء؟
وسرب من أقمارِ التجسّس؟
هزّ رأسه، كأنّه يعزفُ على نايٍ مكسور
وقال:
من استطاع إليها سبيلًا…
من الأقربين
المقربين
والباقين على العهد
سيصلون في ال ق- د- س.
كبرتُ أكثر…
وفهمتُ أنّ أبي كان طيّبًا
كقطعةِ سُكّرٍ في شايٍ بارد
وأنّ الشيخَ العارف كان يرتقُ بالوهمِ خيوطَ الأمل.
مرّت ألفُ سنةٍ على قلبي
ولم نُصلِّ في ال- ق- د- س.
كبرتُ أكثر…
وصرتُ أرى ال-ق- د – س:
في عيونِ المرايا
في صورِ الشهداء
في عهودٍ لم تُحفَظ
وفي الأصواتِ المقهورة ِ في نشراتِ الأخبار
خلف آلافِ القبور
وآلافِ الحواجز
وأسوارِ الخذلان.
كبرنا…
ونشراتُ الأخبار ما زالت تُرتّلُ المأساة:
بنفسِ النغمة
بنفسِ الإضاءة
بنفسِ الخلفيّة
وبنفسِ الخيبة.
كبرتُ انا كذلك
وغزا الشيبُ رأسي
كما يغزو الصمتُ سماءنا.
كبر أطفالي
ومات أبي
وأُجهضت الأحلام
وجاء “النت”
وخُطِفت الآمال
وتغيّر العالم:
ظهر الذكاءُ الاصطناعي
صار الهاتفُ أذكى منّا
وأخبرنا أن صفعةَ ماكرون كانت “لايف”
وجاء ترامب يحمل مفاتيح “السيرفر العالمي”
وقُرئت الفاتحةُ على القانونِ الدولي
وتحوّلت الحروبُ إلى ” كونسيبت”
وإلى “بثّ مباشر”
وإلى “هاشتاغٍ ” يعيشُ ثلاثةَ أيام
ثم يختفي
خلفَ فيديو جديد عن مباراةِ كرةِ قدم
بين البارسا والريال…
الماجدة

اترك رد