منبر العراق الحر : ربما لم يعرف الإنسان عن العالم بقدر ما يعرف اليوم، لكنه في الوقت ذاته لم يخف منه كما يخاف الآن.
لقد فتح العقل البشري أبواب الفضاء، واخترق أسرار الذرة، وحوّل المعرفة إلى قوة غير مسبوقة في التاريخ. ومع ذلك، يبدو الإنسان المعاصر أكثر قلقًا من أي وقت مضى. يخاف من الحروب التي تعود بأشكال جديدة، ومن الأزمات الاقتصادية التي تهز يقين المجتمعات، ومن مستقبلٍ يزداد غموضًا كلما ازداد العلم تقدمًا. لقد صار الخوف، في كثير من الأحيان، اللغة الخفية التي تُدار بها السياسة، ويُصاغ بها الإعلام، ويُعاد بها تشكيل الوعي الجمعي.
لكن في قلب هذا الضجيج التاريخي، تعبر كلمة قديمة بهدوء عجيب عبر القرون: لا تخف.
هذه العبارة التي تتردد في صفحات الإنجيل ليست مجرد تعزية روحية أو خطاب ديني تقليدي، بل إعلان عميق عن إمكانية تحرير الإنسان من الاستبداد الصامت للخوف. فالخوف ليس مجرد شعور عابر، بل تجربة وجودية ترافق الإنسان منذ اللحظة التي أدرك فيها هشاشته أمام الكون.
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف أنه كائن محدود. يعرف أن الزمن يمضي بلا توقف، وأن حياته قابلة للانكسار في أي لحظة. ولهذا يتحول الخوف أحيانًا إلى الخلفية الصامتة لكل قراراته الكبرى.
ولهذا رأى الفيلسوف الدنماركي Søren Kierkegaard أن القلق ليس مرضًا نفسيًا، بل تجربة وجودية أساسية. فقد وصفه بأنه «دوار الحرية». فالإنسان، لأنه كائن حر، يشعر بالقلق أمام اتساع إمكاناته وأمام مسؤوليته عن اختياراته.
أما الفيلسوف الألماني Martin Heidegger فقد رأى أن القلق يكشف للإنسان حقيقة وجوده المحدود. ففي لحظة القلق يسقط الإنسان خارج الطمأنينة اليومية، ويجد نفسه وجهًا لوجه أمام السؤال الأعمق: ما معنى أن أكون؟
لكن الإنجيل يقترح طريقًا آخر في مواجهة هذا السؤال. فهو لا يكتفي بتشخيص القلق، بل يفتح أفقًا يتجاوز العزلة الوجودية التي تحدث عنها الفلاسفة.
في اللحظات المفصلية من السرد الإنجيلي تتكرر عبارة «لا تخف» كأنها بداية تاريخ جديد.
حين وقف زكريا في الهيكل أمام حدث يفوق كل توقعاته، كانت أول كلمة يسمعها: لا تخف.
وحين واجهت مريم اللحظة التي ستفتح أفقًا جديدًا في التاريخ البشري، قيل لها: لا تخافي.
وحتى التلاميذ الذين ارتعبوا وسط العاصفة في بحر الجليل، لم يبدأ الخطاب بتهدئة البحر، بل بتهدئة الإنسان: لا تخافوا.
هذه المفارقة تكشف رؤية لاهوتية عميقة: العالم لا يتغير أولًا، بل الإنسان.
فالعاصفة قد تبقى، والبحر قد يظل مضطربًا، لكن الإنسان يستطيع أن يعبره دون أن يغرق داخليًا.
ولهذا عبّر اللاهوتي والفيلسوف Paul Tillich عن هذه الفكرة حين تحدث عن «الشجاعة أن تكون». فالشجاعة الحقيقية ليست غياب الخوف، بل القدرة على الاستمرار في الوجود رغم حضوره.
في هذا المعنى تصبح عبارة «لا تخف» فعل مقاومة وجودية. مقاومة ضد ثقافة الخوف التي تحاول اختزال الإنسان في غريزة البقاء فقط.
فالتاريخ يعلمنا أن كثيرًا من الحروب بدأت من خوف، وأن كثيرًا من الكراهية نشأت من خوف من الآخر، وأن العنف في كثير من الأحيان ليس إلا الوجه القاسي لخوف لم يجد طريقه إلى الفهم.
الخوف يصنع تاريخ العنف، لكن الشجاعة تصنع تاريخ الإنسان.
لهذا لا تبدو عبارة «لا تخف» مجرد خطاب فردي، بل دعوة حضارية. إنها تذكير بأن أكبر معارك الإنسان ليست مع الطبيعة ولا مع التاريخ، بل مع الخوف الذي يسكن أعماقه.
واللافت أن هذه الكلمة لم تُقَل من موقع سلطة أو قوة. لم تُقَل لإمبراطوريات منتصرة، بل لبشر قلقين: صيادين بسطاء، مرضى، متعبين، ومهمَّشين. الكلمة لم تكن شعارًا، بل حضورًا يبدد الوحدة التي ينمو فيها الخوف.
في عالمٍ يتغذى على تضخيم المخاوف، ربما يصبح أعظم فعل إنساني هو أن يجرؤ الإنسان على الإصغاء إلى تلك الكلمة القديمة التي ما زالت تعبر التاريخ بهدوء وقوة:
لا تخف.
فربما كانت هذه الكلمة، في جوهرها العميق، ليست مجرد وعد ديني،
بل بداية حرية الإنسان…
وبداية شجاعته في أن
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر