رؤية في الوعي والتجلي ومعاني الغيب….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

ينطلق هذا التصور من سؤالٍ معرفيٍّ أساسي:
ما طبيعة الوعي الذي يدرك به الإنسان العالم؟
وهل هو مجرد نشاطٍ ذهني محدود، أم منظومة إدراكية أعمق يتكشف من خلالها المعنى الكامن في الوجود؟
في هذا الإطار لا يُفهم الوعي بوصفه وظيفةً للعقل وحده، بل بوصفه نشاط القلب المعرفي. غير أن القلب المعرفي هنا لا يُقصد به العضو البيولوجي، بل تلك المنظومة المتناسقة من الوظائف الإدراكية التي تتكامل فيها الحواس والعقل وقوى النفس والضمير الأخلاقي والتجربة الإنسانية. ومن خلال هذا التكامل يعمل القلب المعرفي بوصفه مركز الإدراك والكشف عن المعنى، فيصبح فعل الإنسان وقوله وسلوكه فعلًا قصديًا؛ لأن الوعي يكشف الدلالة الكامنة وراء الأشياء والوقائع ويوجّه الإنسان نحو الموقف الأخلاقي المناسب تجاهها.
وبهذا المعنى يمكن القول إن الوعي كاشفٌ عن المعنى؛ فالمعنى ليس شيئًا يخلقه الإنسان من العدم، بل هو موجود في الأشياء بالقوة. والعالم في ذاته ليس كتلةً صامتة خالية من الدلالة، بل يحمل في بنيته إمكاناتٍ من المعاني الكامنة التي تنتظر من يكشفها.
غير أن هذه المعاني لا تنكشف دفعةً واحدة، بل تتجلى تدريجيًا بقدر اتساع الوعي وصفائه. ولهذا يختلف الناس في فهم العالم، لا لأن العالم متعدد في ذاته، بل لأن درجات الوعي مختلفة. فالعالم واحد في وجوده، لكن معانيه تتعدد بقدر اتساع الوعي.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى ما يمكن تسميته نظرية التجلي؛ فالمعنى لا يظهر مرةً واحدة، بل يتجلى شيئًا فشيئًا. والتجلي – في هذا التصور – هو مقدار كشف الوعي للمعنى الكامن في الوجود. وكلما اتسع الوعي وتناسقت منظومته الإدراكية، ازداد مقدار التجلي وانكشفت طبقات أعمق من المعنى.
وعندما تبلغ هذه المنظومة الإدراكية أعلى درجات التنسيق بين وظائفها، يصبح الوعي مرآةً صافية تتجلى فيها المعاني بوضوح أكبر. فالمشكلة ليست في غياب المعنى في العالم، بل في مقدار صفاء الوعي القادر على إدراكه. وكلما ازداد الوعي صفاءً واتساعًا ازدادت قدرته على استقبال تجليات المعنى.
وفي هذا السياق يمكن القول إن القلب المعرفي هو أداة تجلي المعنى في الوجود؛ إذ لا يخلو الوجود من المعنى، لكن هذا المعنى لا يتجلى لكل إنسان بالدرجة نفسها، بل يتجلى بقدر صفاء القلب المعرفي واتساعه. ولهذا ارتبط الإدراك في الخطاب القرآني بالقلب، كما في قوله تعالى:
﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾
وقوله تعالى:
﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾
فالفقه والعقل في هذا التصور ليسا مجرد نشاطٍ ذهني، بل فعل إدراك يقوم به القلب المعرفي بوصفه مركز الوعي، ويعمل فيه أيضًا الضمير الأخلاقي الذي يوجّه الفهم نحو الخير والعدل.
ومن هذا المنطلق يمكن الانتقال إلى مسألة الغيب. فإذا فُهم الغيب بوصفه مفهومًا يشير إلى كل ما يتجاوز الحس والتجربة والقياس، فإن الوعي – عندما يبلغ أعلى درجات صفائه واتساعه – قد يستطيع أن يلامس بعض معانيه من خلال التأمل في آثاره في الوجود.
فكثير من الأشياء لا تقع تحت إدراك الحواس مباشرة، ومع ذلك يدرك الإنسان وجودها من خلال آثارها. فالإنسان لا يرى الزمن نفسه، لكنه يعرف وجوده من خلال الحركة والتغير وتعاقب الأحداث. وكذلك لا يرى الجاذبية في ذاتها، لكنه يدرك وجودها من خلال سقوط الأجسام وانتظام حركة الكواكب. بل إن الإنسان لا يرى العقل نفسه، ومع ذلك يعرفه من خلال آثاره في التفكير والفهم والاستدلال.
ولعل أقرب مثال قرآني على ذلك هو الروح؛ فالإنسان لا يدرك حقيقتها إدراكًا مباشرًا، ومع ذلك لا يشك في وجودها لما يرى من آثارها في الحياة والشعور والإدراك. ولهذا قال تعالى:
﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا﴾.
فوجود الشيء قد يكون معلومًا بآثاره، حتى وإن كانت حقيقته الكاملة تتجاوز إدراك الإنسان.
غير أن هذا الإدراك يظل إدراكًا جزئيًا وإشاريًا؛ لأن هناك فرقًا بين الغيب كمفهوم وبين علم الغيب. فالغيب كمفهوم يمكن للوعي أن يقترب من معانيه من خلال التأمل في آثاره وتجلياته في الوجود، أما علم الغيب – أي معرفة حقيقة الأشياء وحكمتها النهائية ومقاصدها الكلية – فذلك مجال يتجاوز قدرة الوعي الإنساني.
ولهذا يمكن الجزم قاطعًا بأن علم الغيب لا يُكشف للبشر إلا بالوحي. وهذا المعنى هو ما يشير إليه القرآن حين يقول:
﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا
إلا من ارتضى من رسول﴾.
فالتعبير القرآني «عالم الغيب» يعني أن الله عالِم بعلم الغيب علمًا كاملًا، وأن الاطلاع على هذا العلم لا يكون إلا بإذنه، أي عبر الوحي الذي يختص به من يشاء من رسله.
وبهذا التمييز يتضح التوازن في المعرفة الإنسانية:
فالوعي يكشف المعاني الكامنة في الوجود بقدر صفائه واتساعه،
أما علم الغيب فلا يُفتح بابه إلا حين يأذن الله بالوحي.
وهكذا يصبح القلب المعرفي – بوصفه منظومة الوعي – مرآةً لتجلي المعنى في عالم الشهادة، ويعمل فيه الضمير الأخلاقي بوصفه موجّهًا للفهم والسلوك، بينما يبقى الوحي هو المصدر الذي يكشف للإنسان ما لا يستطيع وعيه أن يبلغه وحده من علم الغيب.
وإذا نظرنا إلى هذه الرؤية في أفقٍ أوسع، أمكن القول إن الإنسان لا يعيش في عالمٍ بلا معنى، بل يعيش في عالمٍ ممتلئ بالمعاني التي تنتظر أن تُكتشف. غير أن الطريق إلى هذه المعاني لا يمر عبر تراكم المعلومات وحده، بل عبر اتساع الوعي وصفاء القلب المعرفي وانسجام منظومته الإدراكية. فحين تتكامل الحواس والعقل وقوى النفس والضمير الأخلاقي والتجربة الإنسانية، يتحول الوعي إلى أداة كشفٍ عميق للمعنى، ويصبح الإنسان قادرًا على قراءة العالم بوصفه نصًا مفتوحًا تتجلى فيه طبقات متعددة من الدلالات.
وعند هذه النقطة يلتقي سؤال الوعي بسؤال المعنى وسؤال الغيب؛ إذ يصبح الوجود كله مجالًا للتجلي، ويصبح الإنسان – بما أُوتي من وعي – شاهدًا على هذه التجليات، يقرأ آثارها في الكون والحياة والتاريخ. غير أن هذا الكشف يظل محدودًا بحدود التجربة الإنسانية، ولذلك يبقى الوحي هو الأفق الأعلى الذي يكشف للإنسان ما يعجز وعيه عن إدراكه وحده.
وهكذا تتضح صورة المعرفة في هذا التصور:
العالم يحمل في بنيته إمكانات المعنى،
والوعي يكشف هذه الإمكانات بقدر صفائه واتساعه،
والقلب المعرفي هو مركز هذا الكشف،
أما الوحي فهو النور الذي يفتح للإنسان أبوابًا من المعرفة لا يبلغها وعيه وحده.
وبهذا المعنى يصبح الإنسان كائنًا يسير في طريقٍ مزدوج:
طريق الكشف العقلي والوجودي للمعنى في العالم،
وطريق الهداية الوحيية التي تكشف له ما وراء حدود إدراكه.
وفي هذا التوازن بين التجلي في عالم الشهادة و الوحي في عالم الغيب تتشكل الرؤية المتكاملة للمعرفة الإنسانية.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد