منبر العراق الحر :
-الجوائز الأدبية العالمية و العربية و فضائح جنسية و أخلاقية و تلاعبات لا حصر لها؛ و ما خفي كان “الأعظم”!
*-ملف بحثي استطلاعي ، تحرير و ترجمة بقلم: لخضر خلفاوي*
*مدخل: (ما لم يقرأه من قبل المثقف العربي عن حقائق و كواليس الجوائز الأدبية).
———
“Des prix littéraires internationaux et arabes, d’innombrables scandales (Sexe et manipulations) : déviations morales et ce qui était caché, est -plus pire – ! »
-أقول دوما أنّ الكاتب الحقيقي و الأصيل هو الذي يبدع طول حياته لصيقا بِ “الشكّ”. الثقة فيما نفعله مهمّة جدا، إلا أن الشّك المحايد، الإيجابي و الملازم للثقة في وقت واحد ، الذي يصاحب إبداع المبدع يقطع -دون شكّ- دابر الغرور المرضي الذي يصيب كثيرا من المثقفين.. و هو ذلك المحرّك، و الوقود الوهّاج الذي يدفع في نفس الكاتب الرصين الموعود بملكة الكتابة و الحريص على انتاج الأحسن، و الأجود بدافع -التشكيك- أن يمنح من أعماقه و لبّه أجمل شيء يقدّمه للمتلقّي.
-نعم لتكريم الكاتب، و الاحتفاء بالمبدع و هو حيّ (لا بعد موته !).. و نعم للاعتراف بهؤلاء المُستَحِقُّون و منحهم الإمكانات في أطر و ضمن أعراف احترام نخب الأدب و الثقافة و تجنيب كل مبدع الحاجة و العوز و العدمية، كتسخير الإمكانات و البيئة التي من شأنها حفظ كرامة المبدع الحقيقي. هذه مسؤولية المؤسسات الوصية الثقافية لكل بلد من المفروض لعبها دون منّ أو استعلاء. و نعم و -ألف نعمات- لتكريم الكتاب و المثقفين من ثبت فيهم استحقاق التكريمات. لا لوضع المثقف المبدع الحقيقي في -الرهان- و “السباق” مع زميله في الحقل و -توزيع- المراتب من قبل لجان مكونة من أشخاص مختلفين.. أشخاص، محكّمون، مُركّبون جميعهم و مشبّعون بأذواق و إيديولوجيات و اعتقادات و توجهات لا يمكن أن تكون متطابقة مع تركيبات الكتاب -المتسابقون على أوجه اختلافاتهم- على جائزة ما. حتما ستزرع أي جائزة شعور (التفوّق) العظيم لديهم، و ربما الغرور الكبير لدى بعظهم أو (الخسران) المُبين و الفشل الذريع لدى البعض الآخر. فلا يجب إذن وضع الخاسر أو الرابح في وضعية شكّ إضافية، و لا يجب وضع الكاتب الحقيقي بين شكّين متلازمين، فيكفيه شكّه الأوّل الذي يصاحبه مذ أن ولدَ ككاتب، أي مذ أولى منشوراته.لهذا أرى أن جوائز المسابقات هي -بدعة- أو ظاهرة أو عادة سيئة و غير صحّية لتجربة الكاتب الحقيقي، ضرّها أكثر من نفعها!. المبدع الحقيقي (عدا جوائز و منح التكريم -إن كان من مستحقيها-، و ليس زنديقا ثقافيا يأكل من كل الأطباق و يحتسي من جميع الأحسية و المراقب !)لا يحتاج في الواقع إلى ألقاب و إلى جوائز مهما كانت جهاتها، بل يحتاج إلى أن ينشر فكره من خلال كتبه و إلى فضاءات خاصة به تضمن له الحرية في الرأي، و قبل كل هذا يحتاج إلى ظروف معيشية تضمن له كرامة العيش، كإنسان، و كمواطن مميز ليساهم في بناء مستمر للهوية الثقافية لموطنه و أمته.
-يقول الفيلسوف و الكاتب الإيطالي “إيمبرطو إيكوUmberto Eco في خصوص الرداءة في زمن التعبير الافتراضي و تفشّي جائحة الأزرق التواصلية:” لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي صوتاً لجموع مهولة من الحمقى الذين كانوا يتحدثون سابقاً في الحانات فقط دون أن يلحقوا أي ضرر بالمجتمع، فكان يتم إسكاتهم فوراً. أما اليوم، فقد أصبح لهم الحق نفسه في الكلام الذي يتمتع به الحائز على جائزة نوبل”. و يقول النمساوي “كارل كراوس Karl Kraus حول زمن الانحطاط الأدبي الثقافي:”عندما تغيب شمس الثقافة و تدنو من الأفق؛ حتى الأقزام تلقي بظلالها الطويلة، فيبدون كالعمالقة!.”
-لا يجب أن نعتقد أن هؤلاء “الحمقى” منحصرون فقط على -كائنات الجمهورية الزرقاء-؛ هؤلاء الافتراضيون الذين أخلطوا الحابل بالنابل و شكّلوا -مكبّا عظيما-للتعَفن بسماء زرقاء مفتوحة في المشهد الثقافي العربي، بل الحمقى هم -المؤثرون الحقيقيون- هم قادة النخب الليبيرالية اليسارية المستفحلة على المشهد في الوطن العربي، المسيطرون على “الكتابة و نواديها” بكلّ فضاءاتهم.
-و بينما أوروبا العجوز -الفاسقة-كما وصفها “جون جاك روسو Jean-Jacques Rousseau(1712/1778)” في عصره، و هو صاحب أهم أعماله ( “من العقد الاجتماعي /Du contrat social”). روسو الذي كان يعتقد حسب فلسفته التي “تتمحور أساسا حول فكرة أن الإنسان طيب بطبيعته وأن المجتمع يفسده، وأن التفاعلات مع الأفراد الآخرين تجعل البشر “أشراراً” وتؤدي حتماً إلى زيادة عدم المساواة و تفشّي الآفات و الاختلالات الوجودية التي تعقّد حياة الإنسان .” و مع ذلك، هذي أوروبا بدأت تستيقظ أخلاقيا في نتاجها الأدبي و تحارب البغاء بكل الوسائل ؛ فعجبا أن تجد اليوم قامة من قامات مكبّ القمامة الفكرية في الجزائر و الوطن العربي، و هو روائي و كاتب مزدوج باللغتين (عربي و فرنسي)، قال يوما في ندوة أنّ: (المثقف الإيجابي، الحقيقي هو شيطان، لأن الشيطان هو أوّل من قال لرب الجلالة لا !)، و أذكر أنّ صاحبته و هي أيضا تنتمي إلى نفس مكبّ قامات القمامات الفكرية و تكتب باللغتين أيضا و مؤثرة جدا في جماهير الحمقى الكُثر من قرائها و متتبعيها إذ كتبت ضمن ما تسميه هي إبداعا أنّ: (المدن التي لا توجد فيها مومسات أو تحارب البغايا، هي مُدن عديمة التأنيث، و إنها مدن متخلفة و لا يُعوّل عليها!). و الأفظع أنّ كلّ منهما يعتبران عضوان مهمان شاركا و يشاركان مذ زمن في “لجان تحكيم عربية و جزائرية” لمسابقات أدبية، و نالا شخصيا بدورهما جوائزا و مناصبا و تكريمات عدة من قبل هيئات سياسية حكومية و غير حكومية!!!؟.
-تعرضت في كثير من الأحيان في شبه اقتضابي لموضوع الجوائز الأدبية المتعلقة أساسا بالمسابقات، أكثر منه بالجوائز خاصة في الوطن العربي و التي تتعلق بالتكريمات و الاحتفاءات. و وعدت نفسي و بعض من المقرّبين بأنّي سوف أخصّص لهذا الملف انطباعاتي وفقا لرؤيتي الخاصة، و تبريرا لِما أُسمّيه أنا “كُرهي الشديد” للجوائز المتكاثرة في الوطن العربي من خلال “مسابقات” أراها بعين السخرية أحيانا و بمنظور استخفافي و مُسقِط” في أحيان أخرى.. رُبّما أبدو للبعض قاسيا و لكن لحكمي و رأيي تأسيس موضوعي خاصة على الصّعيد العربي.. فالبيئة العربية صارت فوضى سياسية و اجتماعية و ثقافية لا مثيل لها مقارنة بالأمم الأخرى. مذ نصف قرن و الأمور تزداد سوءا و تدهورا، و لا يمكن أن تلد هكذا ظروف مناخا يسمح بحدوث ثورة أو نقلة نوعية في الوعي الشامل للنهوض بالأدب و الثقافة أوّلا حتى نتطرق فيما بعد لموضوع الجوائز و انتخاب أفضل الأسماء و الأعمال الأدبية أو الروائية أو الشعرية و القصصية. العالم العربي مُغرقٌ تماماً في الفساد حتى النخاع، فلا يمكن أن تلد بيئة فاسدة عناصرا صالحة و مشروعا إصلاحيا للأمة العربية.
-فقبل أن أتحدث بتعمّق و بجدية عن مدى مصداقية و جدّية الجوائز الأدبية من عدمها عليّ أن أضع نصب أعين القارئ (الواعي) تفاصيل صناعة الكتاب في الوطن العربي و مقارنتها بتفاصيل العالم الغربي. الكتاب هو مخلوق فكري بامتياز. و للأسف الشديد هذا المخلوق الفكري يولد مشوّها و يعيش مشوهاً و يكبر (إذا كُرّمَ و فاز بجائزة) يبقى مشوهاً، كون الجائزة مهما كانت هي المصبّ الأخير و تحصيل مسيرة مشوهة بالأساس! قد يسأل سائل كيف ينشأ الكتاب العربي مشوهاً و يعيش مشوهاً؟
-إذن هذه الأسباب الواقعية الميدانية و الظروف المخزية التي تجعل معظم المنتوج الأدبي مُصاب بتشوهات خَلْقَيَّة بسبب تشوّهاته الخُلُقَيَّة .
-تكاثر صُنّاع المخلوقات المشوهة (دور النشر الخاصة) في الوطن العربي ربما تفوق عدد الكتاب الحقيقيين!.. مؤسسات مشبوهة تعتمد على ابتزاز المبدعين الحقيقيين و تعمل على التكثير من أشباه الكتاب و المغمورين لكون معظم الدور العربية (الأغلبية الساحقة منها) تعمل بمنطق السمسرة و تُدَفِّعُ المبدع الحقيقي و المشبوه على حدّ سواء الثمن(ثمن تكلفة) انتاج و صناعة المنجز الأدبي، في أرحم الأحوال تدفِّعُهُم نصف تكلفة تكلفة انتاج بمعدّل مئة نسخة و لا يمكن أن يكون عدد النسخ المسحوبة (المطبوعة) يتجاوز ال500نسخة! و إذا أراد الكاتب “علاّن أو الكاتب فلان” نسخاً إضافية عليه أن يصرف أكثر من ماله الخاص دون تورّط (دكاكين النشر و التوزيع العربية) التي تتقمّص صفات دور النشر!.الكارثة في الموضوع أن أغلب و معظم هذه الدور التي تتشدّق في صفحات الافتراض على أنها (دور نشر) لا تعتمد على لجان القراءة لغربلة المخطوطات المقترحة عليها للنشر، و لا تتوفّر أو استغنت عمدا على لجان القراءة و لجان المراجعة اللغوية، لهذا تصدر هكذا “منجزات في أتم التشويه ، أي ” محشوة بالأخطاء “، و لا نتحدث عن درجة عدم جودة تلك الرداءات المنشورة على حساب (المؤلفين من الحقيقيين و المغمورين).. فالمؤلف في الوطن العربي يتحَمّل أعباء تكلفة نشر كتابه و أعباء إضافية خاصة بالمصحّح اللغوي الذي تقترحه بعض المؤسسات المرتزقة حسب عدد الصفحات إذا رغب مؤلّف ما في أن يصدر كتابه بأقل -تشوّهات ممكنة!. و يتحمّل معظم الكتاب و المبدعين العرب و أشباههم المتسلقين على الأدب بفضل “المارد الأزرق” أعباء و ثمن شراء نسخه المحدودة التي يرسلها أو يوزعها بنفسه على -شلته- ليأخذوا صورا و تنشر هكذا صور فقاعية مع المنجز على الفيسبوك! الفظاعة اليوم في المشهد العربي أن معظم أو كلّ صالونات الكتاب الوطنية و الدولية مكتسحة بهذا الإنتاج المشوّه في أغلبه! نادرا جدا، جدا في الساحة و عالم النشر العربي أن ينشر لكاتب مجانا من قبل دور النشر العربية الكلاسيكية المعروفة في مصر و خاصة لبنان و سوريا و العراق، تلك المؤسسات التي تعرف بأكبر الدور العربية التقليدية للنشر و أعرقها. فهذه الدور لا تجازف أبدا مع كُتّاب لا تعرفهم، أو كتاب مبتدئين لكنهم يملكون التميّز.. فهذه الدور تشتغل حصريا بمنطق الصداقات و العلاقات و المحسوبية مع “كتّاب كبار!” تقليديون بغرض الحفاظ على سمعتها و لاستعمالهم كمؤثرين -لإيهام الناس- في سوق الكتاب و معارضه.. و خاصّة تعمل هذه الدور على أن تبوّئهم مقاعد لجان تحكيم أهم “الجوائز الأدبية العربية ” و ورش الكتابة التي تُقفّي ختام مُسابقات عربية مغشوشة في غالبيتها “قيل عنها مهمة” بنتائجها المزعومة !.
-الكتاب المخضرمون هؤلاء مثلا لا يدفعون لنشر منجزاتهم دينارا واحداً من جيوبهم، سواء في دور نشر تقليدية عربية معروفة أو في دور نشر صغيرة مشبوهة ، فهذه الدور بنوعيها التقليدي و الفوضوي تدفع لتلك النخب المخضرمة كي يستمرون -في اللعبة التضليلية للثقافة العربية -: لعبة الوهم و الإيهام. عندما تجد كاتبا مثلا معروفا، له وزنه في المشهد -ينزل من عليائه و برجه العاجي- ينشر رواية في دور خاصة جديدة، مجهولة و صاحبها أدنى من أن يكون مجهولا و نكرة، -تحت أي مُسمّى- معناه أن الكاتب متواطؤ في بيع أوهام صفات الكُتّاب، و الأدباء، و ضليع في حملة الدور و هي حملة التغرير بالأشباه الجدد الاحتيالية.. أن تجد للأسف الشديد في صفحة تلك الدار المحتالة ، المرتزقة أو في صفحة الأخرى منشورا كسبق ثقافي و إعلامي خبرا حصريا بالصورة و التعليق عن إصدار هذا أو ذاك الكاتب المشهور المرجعي سماء الأدب العربي الحديث؛ هؤلاء الكتاب المخضرمون الذين -يمارسون القوادة لدى – دور نشر خاصة جديدة تبتز الشباب المبدع و تبيع لهم الوهم لشراء نسخهم المحدودة بأنفسهم لعار عظيم! و في نفس الصفحة لهكذا دور مشبوهة تجد منشورا أو إعلانا للراغبين في أن يصبحوا كتابا، أنه فُتحَ باب إرسال “المخطوطات -لكل من هبّ و دبّ – لنشر كتابه(تحت شعار مسيلا للُّعاب:حقِّق حلمكْ!) .. يتبع بنشر “تسعيرة” مفصلة و تقريبية لتكلفة كل كتاب على حساب الراغب في الوهم، حسب عدد النسخ و الصفحات و الحجم و إلى غير ذلك من التفاصيل -التقنية و المالية- التي تُحدّد انتاج و صناعة كتاب.. الطريف من فوضى النشر العربي أنه أحيانا تنشر هكذا إعلانات تسويقية لسماسرة هكذا “دكاكين” في شكل دور عن تواريخ مستقبلية و مواعيد لمعارض دولية و وطنية لإثارة و -استعجال السذّج و المرضى- و استفزاز لعاب كل متسلّق و كل مغمور و كل طامع بأن يصبح كاتبا يوماً ماً. تنتهي هكذا كتب الوافدة من كل الدول العربية في معارض دورية للكتاب ، تلك المعارض و الصالونات الصورية، و لا نراها إلا في الافتراض و لا تُباع منها إلا نسخا قليلة و جدا، ربما من قبل نفس الشلة و الأصحاب و الأصدقاء على الفيسبوك. هنا الكتاب ولد في دور النشر اللاأخلاقية و اللاشرعية ككائن مشوّه، و يصل بنفس التشويه لمعارض صورية. و يبقى على البعض أن يحلم بالمجد، إن لم أقل معظمهم؛ الكل يحلم بأن يحصد هذا العام جائزة “الشيخ زايد” بكل مركبات النقص التي تحملها جينات الفرد العربي ، و في العام الثاني يحلم بنيل “كتارا”، و العام المقبل جائزة “البوكر”، و العام الذي يليه و لِمَ لا “جائزة نوبل”، فله الحق طبعا في أحلام العصافير، فهو يملك الشرعية أن طبع كتابا أو إثنين أو ثلاث كتب و له مناشيرا كثيرة افتراضية و له جمهوره 4000متابعا على الفيس
-أولا: لا توجد مؤسسة نقدية قائمة بحد ذاتها متفرعة بأعضاء مختصين في الوطن العربي؛ أرجوكم، لا تحدثوني عن النقاد (الافتراضيون) الذين اتخذوا من “المسنجر و جدران الفيس” بيوتا و غرفا لهم!.. أتحدث عن النقد الذي يتناول النّصوص دون -سابق معرفة بالآخر – و دون أن يتزلّف إلى كاتب النّص أو العكس!.
-ثانيا: هذه -الفطريات- (أي معظم دور النشر التي ولدت في بداية هذه الألفية) في الوطن العربي التي قوّت من سطوة حركة الرداءة في الإنتاج الكُتبي، و الكَبتي و كرّست بشكل اكتساحي و طاغٍ أردأ الكتب و المنجزات في تاريخ العرب؛ و التي يُختار منها عناوينا -مشوهة في معظمها-للتسابق في شكل (جوائز) لانتخاب أحسن “مخلوق مشوّه” للاستهلاك الافتراضي؛ لأنه في الواقع لا يقرأ بالمرة!) .. و خبرٌ تزفه لجنة التحكيم أو المؤسسة الراعية لها كجديد و كحدث عن فوز (فرانكنشتاين أدبي آخر!) أو جديد عربي مئة بالمئة(مسخ)!.
-ثالثا: المحطة الثالثة و هي لب ملفي و هي “جوائز المسابقات العربية”، و تحديدا التي وصفها أصحابها -أي أصحاب العاهات المستديمة في معظمهم- بأنها عالمية! هذه الجوائز التي زادت من درجة تعفّن المسيرة الكتابية و الأدبية في الوطن العربي. من المستحيل حتى لا أقول (يَستحولْ*) أن تنجو هذه المسابقات العربية من تهم التلاعبات و الترتيبات الموجهة، هذه الجوائز التي وصفت بالكبرى و المهمة باعتبار المبالغ المالية المهمة التي خصصت كجائزة للحاصل على المرتبة الأولى. لا و لن تكون نزيهة أبداً هكذا لجان و النتائج التحكيمية محكومة دوما و مذ نشأتها بعدة أسباب و دوافع و (لو حرصوا على جعلها نزيهة و بعيدة عن كل شبهة). هكذا هيئات حكومية أو خاصة أو قطرية أو إماراتية، أو “البيترو-دولارية” فإنّها لا تضخ أموالها لأجل عيون الأدب و الإبداع بكل ما يحمله من معاني الحرية، التعبيرية.. فهذه المؤسسات الراعية لهكذا جوائز لديها شروطها و أجندتها الخاصة التي تمليها على من وظفتهم و جندتهم كأعضاء لجان تحكيمية. لكي لا أُتعب كثيرا قارئي العزيز، استعجل خلاصتي بما يلي : لو تسمح هذه الجهات الممولة و الراعية لمسابقات الرواية و الأدب ككل لنجاح في دورة أو دورتين على التوالي الأعمال الجديرة بالفوز لسقطت معظم أنظمة الدول العربية، جمهورية كانت أو مالكة !(ل.خ).
“Ces prix, qualifiés de majeurs et importants en raison des sommes considérables allouées au premier prix, ne sont jamais véritablement impartiaux. Depuis leur création, ces jurys et leurs résultats ont toujours été influencés par divers facteurs et motivations (même s’ils prétendent être impartiaux et exempts de tout soupçon). Ces organismes gouvernementaux, privés, qataris, émiratis ou liés aux pétrodollars n’investissent pas dans ces concours par pur altruisme, pour le bien de la littérature et de la créativité dans toute leur dimension de liberté et d’expression. Ces institutions qui financent ces prix ont leurs propres conditions et objectifs, qu’elles imposent aux membres des jurys qu’elles emploient et recrutent. Pour ne pas trop lasser mon cher lecteur, si ces organismes de financement et de parrainage des concours littéraires permettaient aux œuvres véritablement méritantes de triompher une ou deux sessions de suite, la plupart des régimes arabes, républiques ou monarchies, s’effondreraient et chutaient ! (L.Khelfaoui.)”
-إذن ما ولدَ -مشوّها-يستمرّ مشوها و يكبر مشوهاً و يموت على ذلك التشويه.. معناه كل ثقافتنا مبنية على التشويه. و حتى العمليات التجميلية لن تشفع لذلك المخلوق! هذا رأيي بصراحة في منظومة صناعة “الكتاب و الأدب في البيئة العربية من هذه الألفية .. و أيضا فيما يتعلّق بالمسرحيات الكبرى التي أطلقوا عليها اسم “الجوائز الأدبية” و “المسابقات العالمية الكبرى”.
-لأكون أكثر وضوحا و تفصيليا في ملفي هذا الحسّاس أمام قارئي، حاولت تناول آراء و رؤى بعض الكتاب العرب مستطلعين في عدد من المنابر العربية حول موضوع (الجوائز العربية) حول نزاهتها من عدمها و علاقتها بالتنمية الثقافية.. لا أخفي إحباطي قليلا من كثير من الآراء لعدم توفّر في أصحابها الجرأة المطلقة التي أبحث عنها.. هناك تحفظات كثيرة من طرف هؤلاء المستطلعين، نادرا في هذه المواقف لكتاب عرب في هذا الملف ما أعجبني بشكل فائق و أثلج صدري.. لمست في آراء الكثيرين نوع من (قانون الصّمت و الخوف) و رفض الإدلاء بلب آرائهم في موضوع نزاهة و شفافية و مصداقية هذه الجوائز التي لا تزال تسيل لعاب كثيرا من المبدعين العرب.
-و لأنه كما أقول دائما :(لا يجب مقارنة ما لا يقارن)، فقد خصصت في هذا الملف الدسم في معلوماته الوضع في العالم الغربي أيضا و كواليس النشر و أرقى الجوائز في أوروبا كجائزة “غونكور ” و جائزة “نوبل” بمحاسنها و فضائحها الكبرى، بعيدا عن العواطف؛ حتى يدرك المثقف العربي مدى فظاعة الاتجاه أو المسار الخاطئ أو الضلال الكبير على مستوى بيئتنا العربية. موضوع صناعة الثقافة و صناعة الوعي و علاقة أكاديميات الجوائز و دور النشر المهيمنة، هؤلاء الشركاء العمالقة لإنتاج و صناعة الكتاب و الثقافة و “الجائزة” التي من شأنها أن تؤثر في محيطها الاجتماعي و السياسي و الاجتماعي.
**
-في رأي من توقيع “حسن عبد الموجود” نشر في ملف خاص على صفحات “يومية عمانية” (الجوائز وصكوك الاعتراف) يقول الشاعر السعودي علي الحازمي/ أن الجوائز الأدبية لا تمثل بالنسبة له قيمة معينة سواء كان ذلك في الماضي أم بعد حصوله عليها في الحاضر، ولم يرى أبدا أن الحاصل على جائزة هو الأفضل، إلا أنه لا يستطيع -تجاهل أهمية- بعض الجوائز العالمية رغم كل الاحترازات. فيضيف المبدع السعودي /إننا لو تأملنا الآلية التي تقوم عليها هكذا جوائز لوجدنا أنها في المجمل تعبِّر (عن وجهة نظر لجنة تحكيم) ما حول عمل أدبي أو تجربة إبداعية ما، فاللجنة أيضا عليها أن تنجز عملها في توقيت معين وخلال فترة يفترض أن تكون محددة، مثل هذه الظروف وما يصاحبها من ضغوطات (قد) تنتج بالضرورة -نتائجاً مشوهة- لواقع الإبداع العربي في النهاية/. وجهات النظر تبقى و للأبد شخصية و لا يمكن أن تكون حكما مُطلقا صافيا، منزّها من الأخطاء التقديرية.
و في ذات الرأي من الملف فقد ذُكِرَ / يحدث أن تُسيَّسْ الجوائز كأن تمنح الجائزة لفائز مُعيّن من بلد ما لظرف سياسي ما، لهذا فهناك -أمور عديدة غير الجودة الأدبية/ قد تحول -للأسف- بين وصول الاسم الحقيقي الذي -يستحق- أن يمنح الجائزة وبين الجائزة/.
أمّا الكاتب المصري “محمد خير” فيرى
أنها / في كل الحالات تعبِّر عن وجهة نظر اللجنة، و -قد- يعني ذلك أحيانا أن الكاتب هو الأفضل بالفعل وقد لا يعني ذلك. المهم أن كلمة «الأفضل» هنا جدّ نسبية – سواء صحت أو أخطأت – أي يُقصد بها الأفضل بين مجموعة متسابقين على سبيل المثال، أو على وجه الدقة، على مستوى مجموعة نصوص معينة في توقيت معين ومسابقة معينة، وذلك التحديد لا يقلل من قيمة الجائزة ولكنه أيضا لا يمنع الفرح -و لا الغرور-المطلقين بها!/
-فما هي الأسباب التي جعلت القاصي و الداني من أجيال مختلطة في حقل الكتابة اليوم يقعون عبيدا لِ”لُهاث الجوائز”؟!:
-من الملف ذاته بتحفظ في شأن وصفة (اللهاث) فيظيف الكاتب المصري وجهة نظره في الموضوع ويردف قائلا أنّ : «الظروف الاقتصادية القاهرة للكتَّاب عموما في العالم العربي،و تحديدا وفي السنوات العجاب العجاف الأخيرة خصوصا، و كظاهرة معاصرة تضافرت في -ثقافة وسائل التواصل الاجتماعي-، لتراكمات بين الأعباء المادية والنفسية، بين احتياج الكاتب إلى دعم اقتصادي يقيم بمقتضاها (حياته المزدوجة)، التي يقدم أحلى ساعاتها في عمل لا يجلب أجرا و لا مقابلا ماديا تقريبا، تزامنا مع حاجته الملحّة كذلك إلى بعض الضوء حتى لا يُنسى و يكون نسيا منسياً. و أنّ الكتابة بين هذين العِبْئين -أو بين هذين الوِزْرَينِ، – وأقصد الكتابة الجيدة، في أمسّ الحاجة إلى قوة مهولة نفسيا لتزيد كثيرا عما احتاجت إليه أجيال سابقة/.
و تقول الكاتبة المصرية “منى الشيمي” التي أثثتُ شقتها الصغيرة بقيمة جائزة ساويرس”؛ مفصحة عن رأيها و وجهة نظرها /-قد- يتدخل -ذوق لجنة التحكيم-، أو يتم اختيار الفائز -لاعتبارات أخرى غامضة- كما يحدث أحيانا، ووارد جدا أن بعض الكتَّاب الجيدين هنا وهناك لم يقدموا في هذه الجوائز، لانشغالهم أو عدم متابعتهم، ولذلك فإن الجوائز -لا تُقدم الأفضل على الساحة، بل تختار أفضل من تقدَّم لها-/.
-عراقيا يقول “صفاء سالم إسكندر” أن /فعل الكتابة هو فعل تعريفي، أي أنه فعل لأجل المكانة، يشير إلى صاحبه بوضوح، وبخلاف ذلك لتجردت الأعمال من أسماء أصحابها، وهذا غير مُنصِف بالمرة/ و يضيف أنه قرأ جوابًا للكاتب البيروفي ماريو فارجاس يوسا يقول فيه: /إنه يكتب لأجل المال والشهرة. فيعلق إسكندر أنّ : /الكاتب يريد أن يلفت نظر القرَّاء إليه، ولا يكون ذلك عادة إلا من خلال الجوائز، القارئ يتعرف إلى الكاتب من خلال الجائزة، رغم أن كلمة «جائزة» في عالم الكتابة تصاحبها احتجاجات كثيرة، بسبب اللغط (الجدل) الذي يصاحبها، ومع ذلك يبقى المريدون لها كثيرين، لكن المشكلة إذن تحدث إذا صار همُّ الجائزة أكبر من همِّ الكتابة/الكتاب/ . و هذا ما دفعني لتحرير هذا الملف أن ما أراه في هذا الجيل الجدد من الكتاب أنّ همّ -لهاث الجائزة- يغطي بشكل واضح الهم الفطري و الطبيعي الإبداعي و هو الهم الكتابي!. أشخاص مبدعون قليلون يرون أنّهم فوق كل تقييم لأذواق مختلفة مختلة أو شبيهة على مستوى لجان التحكيم.. فمثلا يرى الكاتب العراقي إسكندر : / هناك أسماء يحق لها أن تغترّ بنفسها؛ لأنها تجاوزت أُطر و سياقات الجوائز، حقلها المعرفي أكثر اتساعا، مثل إيكو وكونديرا وموراكامي، فهذه الأسماء تدخل في سباق يقيمه القراء كل عام، لتعيين من يستحق جائزة نوبل، ومع ذلك تأتي النتائج على خلاف المتوقع!/ إن الجائزة حق مشروع(يضيف) ، لكنها لا تعني أن كاتبها هو الأفضل، وإنما الأفضل من وجهة نظر لجنة التحكيم، وبالتأكيد هذا ليس تعميما شاملا/.
أمّا الكاتب السعودي “رائد العيد” في خصوص مرض لهاث الجوائز يقول /الجوائز في بدايات الكاتب لا تُحمد غالبا، ترفع مستوى التوقع والتطلع- وكثيرا ما تكون عائقة عن الإبداع والتجريب-، لذلك يرى رائد أن الحصول على الجوائز في مرحلة مبكرة و متقدمة من عمر التجربة الإبداعية قد تكون أفضل لصاحبها…
/ إلا أنّ الجائزة ليست صك اعتراف ربَّاني حتى تعني أن صاحبها الأفضل، وإنما هي اتفاق خاص محصور بلجنة الجائزة ونظامها. وترتفع قيمة صاحبها بجودة نظام الجائزة وموضوعية القائمين عليها/
إلا أنّ كثيرا ما تكون الجائزة حملة تسويقية للكاتب تعفيه من سنوات يبحث القراء خلالها عنه، مع ما فيها من مكافأة مالية،فالبحث عن المكانة والتقدير والوصول بالدرجة الأولى هو الدافع للكاتب اللاهث وراء الجوائز. وهو -استعجال قد يُدخل صاحبه في قاعدة-: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه/.
-و لهذا خلصنا إلى هذه الفوضى الحاصلة بسبب الجوائز إذ يرى “أنيس” كاتب مُسطَلَع حول -تكاثر قناصي الجوائز- أو الهرولة اللهاثية في المطاردة و الهوس بها ، و مردّ ذلك بحسبه، إلى -قلة الريع الثقافي والوضع الطبقي والاجتماعي للكتّاب-. حتى خلصنا إلى وضع ساخر أنّ: «لدينا غزالة واحدة مقابل ألف ذئب” طامع في نيلها بشتى الطرق!، و هذه الاستعارة هي نتاج ما أفضى إليه هذا الركض الجماعي نحو المكاسب المادية والرمزية. لهذا يضيف الكاتب /نحتاج بالتأكيد لدراسات ثقافية موسعة لفهم سيكولوجية الفائز والخائب/الخاسر على حد سواء/. السؤال الذي يتبادر إلى ذهني ماذا نخسر و ماذا نكسب؟!.
منصة “إيلاف” تساءلت في ملفها:”ماذا ستخسر الثقافة العربية إذا ألغيت كل الجوائز؟” من توقيع “محمد الحمامصي” في نيسان ٢٠١٩ ، و هي مناقشة لجلسة ثقافية بمناسبة جائزة ما يطلق عليها “جائزة الشيخ زايد للكتاب” لمعرض أبوظبي. و من ضمن ما ورد في نقاشات هذه الجلسة ؛ إذ ختم حسب وجهة نظره “بن تميم” من خلال تأكيده على أن / الجوائز -قد- تشكل حافزًا، وقد تشكل في الوقت نفسه تناقضا مع هذا الحافز، و -قد- تشجّع المبدعين، و-قد- تصيبهم بإخفاق و فشل، ونحن نحاول من خلال جائزة الشيخ زايد أن نمثل تلك الحوافز التي تشجع على سرعة النشر وعلى دعم الكتاب العربي/ أمّا “محمد بنيس” فقد تطرق إلى موضوع الجوائز العربية وحرية الكاتب، مشيرًا إلى أن هناك جوائز تكون دعمًا للمؤلف، بينما هناك مؤلفون لا يريدون هذه الجوائز، وإذا شئنا أن نطرح المشكلة لابد أن نعود إلى الصورة الأولى لهذه الجوائز، أولًا علينا الإشارة إلى أن هذه الجوائز ليست لها علاقة بالمفهوم الكلاسيكي للجوائز التي كانت تعطى للكتاب والأدباء والشعراء. فهذا شيىء حديث، ونموذجه أوروبي الأصل، لهذا يجب عدم الخلط بين النموذج الكلاسيكي والنموذج المستحدث. فهو يقوم على مبدأ أن الكاتب أصبحت له وظيفة جديدة في المجتمع، ومن ثم لا تهمه مسألة الجوائز أو الوقوف على أبوابها، وأكثر من ذلك أن يصل إلى رضا طرف من الأطراف، بمعنى أنه كاتب قائم على مبدأ الحرية، والحرية في الرأى والتعبير هدف ما يقوم به، وليس هناك هدف أكثر من ذلك. لذلك نجد في الجوائز الأوروبية أنموذجًا ممتازًا و /لا زال على نفس النسق و النمط/ ، وهو أن الترشح للجائزة لا يتم عن طريق الكاتب، بل هناك لجان متخصصة وخبراء يتبعون إيداعات و كتابات الكتاب منتمون إلى الجائزة و هم الذين يرشحون الكتاب/ الكاتب(أي قطع الطريق أمام أي تسابق أو لهاث) ؛ /وفي هذه الحالة لا يبقى لهؤلاء الذين يتسابقون ويتهافتون على الجوائز مكانا…وهنا يكون الدعم الحقيقي للثقافة والعمل الثقافي -في الشق الكتابي مثلا-.
و يضيف مدليا برأيه “بنيس”/ إن الجوائز العربية لا بد أن تنتقل إلى زمن آخر…أن هذه الجوائز -يجب أن نكون واضحين بقول أنها تتوجه إلى الثقافة الحديثة وتحديث الثقافة العربية، وأهميتها في الحقيقة أننا نعيش زمنًا صعبًا وقاسيًا ثقافيًا، حيث ينتصر فيه التقليديون/ الكلاسيكيون والمضادون لكل ما هو حديث. والمؤلفون المهمون في الثقافة العربية هم من هذا الصنف،- الذي لا يتزاحم على شيىء، ولا يريد شيئًا-، ولكن يريد أن يظل وفيًا بما يؤمن به، وهي وظيفته في المجتمع/.
-من أهم معضلات الجوائز المشوشة على مصداقيتها و صِدقيتها أشار “السبيل” إلى قضية ثبات لجان التحكيم، معتبرًا إياها أحد العيوب، وأيضًا فكرة أن يقوم الناس بترشح أنفسهم! / (حسب رأيي المتواضع فإنّ ترشيح النفس هو جانب من غرور النفس و سوء تقييمها). إذ يقول السبيل مضيفا / إن جائزة الملك فيصل تخلصت من العيب الأول، فليست لدينا لجان ثابتة في كل عام، بل لدينا ست وأربعين أستاذًا قديرًا جديدًا، حيث نؤمن بعدم الثبات، ناهيك على أننا في الجائزة موضوعاتنا متجددة في كل عام، ومن ثم من الطبيعي أن تتغير هذه اللجان. أما العيب الثاني فقد تخلصنا منه. فمنذ أربعين عامًا، لا نقبل ترشيح الأفراد، والترشيح يتم عبر المؤسسات فقط/.
**
هل ربحت الثقافة العربية شيئا حتّى تخشى خسرانه إذا كانت الجوائز نفسها فاشلة ؟ هذا هو السؤال الذي وجب عليّ طرحه في هذا الملف على عكس أراء و تساؤلات الأساتذة و الكتاب في الندوة الجلسة التي ذكرتها و اقتبستها على ضوء جائزة الشيخ زايد بمعرض أبوظبي للكتاب الدولي؛ إذ تساءلوا: (ماذا سوف تخسر الثقافة العربية إذا قررنا هذا المساء أن نلغي كل الجوائز العربية؟.. )؛ فاستطردوا بطرح السؤال الثاني: (ماذا تربح الثقافة العربية من استمرارنا في منح الجوائز وفي تطوير الجوائز العربية؟.)/ لذا من المهم أن نعرف ماذا يجني المستثمرون في الجوائز العربية على صعيد الشهرة المعنوية والسمعة، وأن نعرف ماذا يكسب رابحو الجوائز على الصعيد المادي وعلى الصعيد المعنوي من خلال تكريسهم على الساحة الفكرية أو الساحة الثقافية أو الساحة الأدبية؟
فتحدث “جلال الطواهية” مدير -جائزة الملك عبد الله بن الحسين للإبداع- عن الجوائز في صدر الإسلام، لافتًا إلى أن أول جائزة في التاريخ الإسلامي قدمت من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الشاعر “كعب بن زهير” حينما أهداه بردته الخاصة على أثر قصيدته التي امتدح فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، التي مطلعها كان: “بانت سعاد وقلبي اليوم مبتول”، فهذه أعظم وأنبل جائزة…./
و استشهد بموقف “هارون الرشيد” في العصر العباسي و ازدهاره علميا و ثقافيا إذ كان يمنح وزن الشاعر ذهبًا لمن يقوم بترجمة أمهات الكتب من اللغة اليونانية واللغة الآرامية إلى اللغة العربية، مما انعكس إيجابًا على تطور الأمة وتقدمها في العصر العباسي. إن الجوائز مهمة لتوجيه المجتمع نحو التطور ونحو التقدم.. لذا فإن التدهور أصابها بعد منح الحكام مكافآتهم للشعراء الذين يمتدحونهم، حيث لم تكن هناك أسس علمية وموضوعية، ولم تكن هناك لجان تحكيم، وبالتالي فالمكافآة أو الجائزة كانت تخضع لرأي (ذوق) شخص واحد./ و في منتصف القرن الماضي إحتلت مصر وسوريا والعراق ولبنان المشهد الثقافي العربي، إلا أنّه كان مشهدًا مسيّسًا يسعى إلى توجيه نشر أفكار معينة، وبالتالي سقطت هذه الثقافة في هذه الدول لظروف سياسية، والآن في الدول الخليجية بشكل خاص والمشرق العربي بشكل عام، برز المشهد الثقافي العربي، وبرزت الجوائز المهمة. جوائز موزعة على جهتين، الأولى داخلية مدعومة حكوميا، والثانية جوائز تتعدى الجغرافيا العربية ربما، المدعومة من مؤسسات شبه حكومية أو خاصة ومن أشخاص، و -تبدو شكليا- أن هذه الجوائز ناجحة ومتقدمة -حسب انطباع المتدخل في هذه الندوة- “جلال الطواهية” مدير جائزة الملك عبد الله بن الحسين للإبداع التي يراها -حسب اعتقاده- (غير مسيّسة وبعيدة!) عن الإقليمية والطائفية والمذهبية، يضيف:فأن تكون الجائزة مستقلة فهذا يعني أننا نستطيع أن نصل بها إلى مستوى الجوائز المتقدمة/ .
-فهل “الجوائز الأدبية في العالم العربي تتأرجح ما بين الفساد والموضوعية… و هي عبارة عن (مباريات بدون جمهور حقيقي)؟!. هذا ما سأحاول تلخيصه و اقتباسه لكم من خلال معرض ملف منشور في القدس العربي..منشور في نوفمبر ٢٠١٤. ما لفت انتباهي هي فقرة خاتمة لمقدمة هذا الملف مما تحمله من أسئلة جديرة بالإمعان و طالما تعرّضت لها في انطباعات و ملفات سابقة مُبديا موقفي من “أدب الانحطاطية” و معضلة انعدام المقروئية و علاقاتها بجوائز تظل في نظري فاقدة لمصداقيتها. و كانت أسئلة خاتمة المقدمة المُستهلّة لهذا الملف:(هل تساعد هذه الجوائز على انتشار الأدب بين الجمهور العربي، خصوصا و أن نسبة الأميّة في المجتمعات العربية؟ و هل غيّر الأدب من فكر هذه المجتمعات، كما حدث مع أوروبا مثلاً؟ وهل ستوسم هذه الجوائز بعلامة من علامات النزاهة، أم أن التشكيك المُستمر في جدواها سيحولها إلى آفة أخرى من الآفات التي يتنفسها العرب؟).
-رغم أنّي حسمتُ في العديد من الملفات بالأرقام المقارناتية في موضوع منحى ما يسمّى الأدب العربي بشتى منتوجاته و كارثة غياب المقروئية مقارنة بباقي الأمم؛ إلا أنّي ارتأيت أن أشارك القراء ما اقتبسته من هذا الملف و هي خلاصات آراء تدور حول “وهم الجوائز و الفوبيا اللهاثية المتفشية” في الوسط و المشهد الهزلي الذي تصوره الساحة العربية. مثلا يرى-من هذا الملف في القدس العربي – الروائي المغربي “عبد الواحد استيتو” أنّ “من حيث مسألة إنصاف لجان التحكيم، فهي مسألة نسبية جداً، فالأمر أشبه بمباراة كرة القدم. فقرارات الحكم ليست دائما صائبة، إلا أنه لديه السلطة التقديرية التي قد لا ترضي كثيرين. وهذا ما يحدث مع لجان الجوائز.. فهؤلاء في آخر المطاف هم أشخاص لديهم خلفياتهم وآراؤهم و ميولاتهم، و بالمنطق هكذا آراء و ميولات هي ذاتها العوامل كلها التي من شأنها أن تؤثر في منح الجائزة لهذا أو ذاك”/.
فماذا عن فضائح الجوائز و علاقتها بالإيديولوجيات العقائدية المذهبية و السياسية و غيرها من التفاصيل أو التوابل التي قد تقدّم كاتب عن الآخر أو تقصيه؟ في هذا الباب يتحدث الكاتب المصري و الروائي “رؤوف مسعد” عن تجربة شخصية -حسب زعمه- مع الجوائز العربية، كأن يصل إلى طبيعة لجانها والأعمال الفائزة، فيستطرد قائلا و معللا / … إن الحديث والكتابة عن الجوائز، خاصة تلك العربية ــ المتعلقة بالإبداع المكتوب أمر حساس ويثير كثيرا من الالتباس الكبير و -الغموض حتى- لدى المتلقي، خاصة لو صدر عن كاتب مثلي مثلا لم ينل طوال حياته الأدبية التي تقارب النصف قرن سوى جائزة واحدة هي جائز الترجمة من اتحاد الكتاب المصريين، منذ سنتين تقريباً! و ما دمنا قد (فتحنا) موضوع الجوائز فإني استطيع (بناءً على تجربتي) أن أحكم بان «معظم» الجوائز العربية وحتى تلك من الجامعة الأمريكية أصبحت «أخلاقية وسياسية»، وهذا ينفي مصداقية لجان التحكيم التي تنفجر أزماتها علانية بين وقت لآخر .. لنتأمّل فوز عمل “عزازيل” مثلاً، وهي رواية تهاجم وتنتقد “الكنيسة الأرثوذكسية المصرية”ــ بالمناسبة مذهب عائلتي هو البروتستانتية ــ لكن رئيس لجنة التحكيم وقتها كان “صموئيل شمعون” العراقي و الآشوري، الذي ينتمي -مذهبياً- إلى كنيسة مناوئة للمصرية، وينتمي مذهبيا إلى المطران “نسطور” أي البطل الضد في رواية “عزازيل”، إضافة إلى أن شخصين من لجنة التحكيم وقتها كانا لا يجيدان العربية! و أحدهما هي السيدة البريطانية زوجة شمعون! ثم خذ عندك آخر الفضائح بفوز رواية “خالد خليفة” «لا سكاكين» بجائزة “نجيب محفوظ” برعاية الجامعة الأمريكية بالقاهرة، فرغم الانتقادات القاسية التي واجهت هذه الرواية في بناءاتها السّردية من ناحية الحبكة والأسلوب. فإني أُؤكد أن معظم «الجوائز» دون استثناء (متأثرات بخلفيات عدة تضعف من مصداقية أحكامها)؛ لأنها قادمة من بلاد لا تنفي مواقفها الأخلاقية والدينية والسياسية التي أقل ما توصف بأنها «محافظة»، على الرغم طبعا من فوز كُتّاب عرب معروفين بتقدميتهم ويساريتهم و -ليبيراليتهم الفكرية-، ولعل السبب هو أن لجان التحكيم مُتغيرة وأنها من وقت لآخر تضم مُحكّمين محسوبين على اليسار”/.
و يضيف الكاتب مسعد في إطار مفهوم “صراطنا المستقيم، و الانتصار على الشللية” مُعتبراً أن /وجود الجوائز بغض النظر عن أسباب وجودها ميزة يجب أن نطورها نحن من ينتقدها، حتى نحولها إلى ما نتمناه لها من قيمة أدبية ومعنوية. فجوائز كهذه في عالمنا العربي يجب أن تكون ميزة وليست نقيصة، لأن الوضع الثقافي المتدني في بلادنا العربية ينعكس بالضرورة على المبدعين حتى لو حاولوا السباحة ضد التيار السائد، الذي يتم تقييمه بجوائز عالية القيمة مالياً، مما يخلق بالتأكيد نموذجاً لا نريد له السيادة الثقافية ..فنموذج الأدب السطحي «الكيتش» / (أو المدرسة الانحطاطية)/و الذي وصفه “كونديرا” بأنه يشبه الأدب! فعلينا إذن أن نكتشف «صراطنا المستقيم» في تقييمنا هذا، وأن لا نحيد عنه حتى لا نسقط يميناً فنقول ليس في الإمكان أبدع مما كان، ولا نسقط يساراً فننتقد ونطالب بالإلغاء باعتبار الجوائز أصبحت -رجساً من عمل الشيطان-!”/.
أمّا الكاتب و المترجم المصري “أشرف الصباغ” فيرى أنّ النقطة الحساسة /الأكثر إثارة للقلق، والتي تدعو إلى التفكير الجدي و التأمّل، ليست إطلاقا الجائزة بطبيعتها أو معاييرها، وإنما إلى الجهات أو العقليات القائمة عليها بداية من مجالس تلك الجوائز إلى لجان التحكيم، وشكل تعامل هذين الهيكلين مع الإنتاج الأدبي وصاحب الإنتاج. فالنوع الأول من الجوائز (الذي ذكرناه ) و الذي يمنح لكاتب ما على أول عمل له، والضجة الإعلامية التي تقام حول الكاتب، ثم العمل، تضعنا أمام سؤال وجبه : إذا كان الكاتب فاز بجائزة على أول أعماله، فعلى ماذا سيحصل مقابل العمل الثاني والثالث؟ ونحن هنا لا نشكك إطلاقاً في قدرات المبدع أو الكاتب ، بقدر ما نحاول أن نلفت الانتباه إلى التراكم الإبداعي وظهور توجه أو منهج لكي يأخذ العمل الأدبي حقه الطبيعي، ثم الكاتب وليس العكس. أما فيما يتعلق بالنوع الثاني من الجوائز، الذي يمنح لكبار الكتاب من حيث السن وكثرة الإنتاج، فهو نوع مراوغ نسبيا، لأنه مُعرّض دائما للتشكيك، فأحياناً تكون الأسماء -(مُختارة- و مبرمجة) و محددة سلفاً قبل عدة سنوات وبالترتيب، لكي لا يغضب هذا الكاتب أو ذاك، أو تثور «مجموعته» الأدبية أو شلته و أعضاء ناديه العاملين في منابر و قنوات الصحافة الثقافية.”/.
-في الصميم: (الجدوى و اللاجدوى) من الجوائز استطاع الكاتب “عرودكي”
التعرّض إلى المشكلات التي تطرحها هذه الجوائز.. /فهي من ناحية تقدم في أغلب الأحيان مبلغاً مجزياً من المال لمن ينالها وينتهي الأمر عند ذلك، إذ أن صداها ــ من ناحية ثانية ــ لا يزال يقتصر على جمهور المتنافسين عليها وعلى من يلوذ بهم من الصحافيين ومن الناشرين، وأنها، من ناحية ثالثة، لم تنجح حتى الآن في أن تطال جمهور القراء الواسع، وهو ما يجب أن يكون الهدف الأول والأساس لأي جائزة من هذا القبيل أصلاً.
-فلنأخذ مثلا أشهر الجوائز الفرنسية و هي جائزة “الغونكورGoncourt” ، على سبيل المثال، و التي أسسها “إدموند كونكور Edmond de Goncourt عام 1892 والتي تمنح رسميا منذ فرنسا منذ عام 1903، وهي ليست الجائزة الوحيدة بالطبع. قيمة هذه الجائزة النقدية التي تعطى لمن ينالها زهيدة جدا مقارنة مع حجم مبيعات العمل الفائز (علما وكما جرت العادة، يحصل الفائز على شيك بقيمة 10 يورو!، و هذا مبلغ لا يضمن شراء علبة سجائر مارلبورو!. في حين يحصل الفائز بجائزة نوبل في الأدب على مبلغ كبير يقارب 900 ألف يورو..) -لكن عدد النسخ التي تطبع من الرواية التي تنال الجائزة يمكن أن يصل، وغالباً ما وصل ويصل، إلى ثلاثمئة ألف نسخة. هذا يعني أولاً أن قراء العمل الفائز سيبلغ على الأقل ضعف عدد النسخ المطبوعة إن لم يكن الضعفيْن، وهو الهدف الأمثل والأهم، وثانياً أن الجزاء المادي سيتضاعف إلى حد لا يقارن مع أي مبلغ يمنح مثلاً من قبل مختلف الجوائز العربية بفعل حقوق المؤلف على المبيعات من كتابه، وثالثاً أن هذه الشهرة التي نتجت عن أصداء منح الجائزة تفتح الطريق واسعاً أمام انتشار وتوزيع أعمال الكاتب القادمة، بما يكفل له جمهوراً واسعاً ودائماً./
فمن السهولة بمكان والحالة هذه أن نتصور الحالة الثقافية التي تنتج عن منح الجواز خلال موسم كامل كل عام، حيث تتجنّد تنشط دور النشر(الحقيقية) مواكبة مع الكتابات النقدية في الصحافة وتزدهر المكتبات… هكذا مشهد و حالة لم يعرفهما (و لن يعرفهما مع تفشّي عصر الذكاء الاصطناعي ) العالم العربي؛ رغم أن الجوائز التي تشير إليها تمنح منذ عشرات السنين إلى الآن. ومن هنا يضيف الكاتب “عرودكي” /فإني لا أرى صراحة أي أهمية لهذه الجوائز التي لا تقدم شيئاً في مجال إثراء الحياة الثقافية ولا تقوم بالتشجيع على القراءة ولا تؤدي إلى ترويج هذا المبدع أو ذاك من خلال اجتذاب أعداد جديدة من القراء.”/.
**
-ما محلّ الجوائز من الفساد الثقافي (الانحطاطية)؛ و الارتباط الوثيق ؟
-من زاويته يواصل “الصباغ” حديثة، فيرى أن الكارثة الكبرى عندما يبدأ الكاتب حياته بأن تترجم أولى أعماله، ثم تتجاهله الجوائز، ثمّ تبدأ المعارك الكبرى- باعتباره أنه حصل على صك الشهرة والاعتراف العالمي-، بينما الجوائز تمنح لمن لم تُتَرْجَم أعمالهم./ فيجب أن نعرف و نعلم (و ليست المعرفة كالعلم!) أن تلك/ المعارك لا تدور حول قيمة العمل الأدبية والمعرفية، وإنما حول الجائزة نفسها كمحدد لقيمة الكاتب في السوق -الثقافية/الأدبية-. و هكذا تتغير طبيعة ومعايير الجوائز التي نراها عظيمة على الورق وفي الإعلانات والوثائق الخاصة بها، لتتحول إلى شكل من أشكال المحاصصة والثمن العيني للكاتب وليس الكتاب أو العمل الأدبي!. وقد ينطبق ذلك على الجوائز الشهيرة، والكبيرة في قيمتها المادية، أكثر مما ينطبق على الجوائز المتواضعة. هذا الكلام لا يعني إطلاقا أن كل الجوائز تعاني من المرض. فالأمر يتعلق بطبيعة مجلس الجائزة ولجنة التحكيم، والمسافة الرابطة بين (الشللية والمحاصصة والتوزيعات الإقليمية، وربما الطائفية)، أو الظروف المحيطة بصحة هذا الكاتب أو سطوة ذاك الكاتب ونفوذه. هذا و -للأسف الشديد و الهدف الشهيد!- ما يحيلنا مرة أخرى إلى نوع من أنواع الفساد الثقافي الأدبي وإهدار حتى قيمة الكاتب شابا كان أو كهلا، ذلك بعد أن تكون قيمة العمل الأدبي قد أهدرت أولا. و هذا يؤدي إلى
الفشل المحتوم.
أمّا الشاعر “مُهاب نصر” فإنه يرى من موقعه أنّ المشكلة ليست في الجوائز في حد مبدئها، وإنما في كونها استسلاما لفشل في أن يكون للأدب جمهوره، وهذه هي الجائزة الحقيقية، أم أن يكون مؤثرا ومغيرا لما استقر في وعي الناس من مفاهيم جمالية. الجائزة تضع معنى الجمال (بين قوسين) كتقنية أو كخطة أو مضمون يمكن أن تكرره لتنال جائزة أخرى، حالة من -التسليع- والانتاج لحساب الغير فَتنهي فكرة الأدب أصلا!.
الأدب مساحة رجراجة ومراقبة لمساحات أخرى لنشاط الانسان، انه دائما أبعد بخطوة او متأخر بخطوة لينفتح على ممارسات الناس ويعينها على فهم نفسها. -إنّ -تحجيم الأدب- داخل «وصفات الجوائز» /أو (أُطر صُنّعت تحت طلب أذواق و آراء و إيديولوجيات محكّمي اللجان و هيئات ) / ينتهي به إلى كونه مهنة، كما قال صديقي، ولكن غير ذات قيمة إن لم أقل غير شريفة، لأنها تزيف المعنى الأصلى للأدب كتمثيل وفضح للتمثيل. فليست المشكلة مجددا في الجوائز، ولكنها في مضمون فعل ممارسة الأدب ذاته في مجتمع لا يفهم حتى معنى التمثيل ومقصده./
-هذي أنظمة حُكم بائسة وجوائز أكثر بؤساً/. و هذا أكثر رأي أعجبني لصراحته و لخلوه من الوهم و النفاق و النرجسية المرضية انطباع الكاتب والناشر السوري “وليد خليفة” يسرده في انطباعه من خلال تجربته في النشر والأوساط الثقافية العربية، فيقول في ما يُشبه الشهادة… في الثلاثين الأولى من عمري التي قضيتها بين دمشق وبيروت والقاهرة وطرابلس، و المغرب والجزائر، كنت أنظر بريبة للأوساط الثقافية الرسمية ومحيطها -المتخم بنقائض الحياة والمتسلقين البائسين من كل القياسات والأحجام، متأبطين كتبا تحمل أسماءهم-، هكذا دارت بي الدنيا وكنت شاهداً صامتاً على مهرجانات صدف أن مررت بقربها في تلك العواصم وحفلات توزيع جوائز كنت أمر بجانبها بابتسامة ساخرة -تحمل مرارة المشهد- على شفتي.
كانت الهجرة الإرغامية تحملني من مدينة إلى أخرى، وطالما تعثرت بهؤلاء المحظوظين بجوائز بائسة على أرصفة عواصم عربية كثيرة، كنت أسير بلا هدف، ولكن ضوضاء هؤلاء الفائزين ولجان الترشيح والتربيط كان يثير حالة غثيان لديّ، مصدرها الشفقة على -النفاق الذي تعانيه المجتمعات العربية لحظها العاثر بوجود نخب من هذه القياسات وبكثرة في عواصمها-، نخب لا تفرق بين تاجر سلاح وأعضاء بشرية ودماء، وبين مثقف له ما له وعليه ما عليه.
-كانت النخب العربية وما زالت تفضل تاجر السلاح والأعضاء البشرية والدماء على كل ما عداه من قائمة المغمورين باهتمامات أعضاء المحفل الثقافي العربي.
من ناحية أخرى كانت الجوائز والمهرجانات العربية في بداية القرن العشرين تشبه حال النخبة العربية، مهرجانات غسيل أموال تجار السلاح، وغسيل وجوه أنظمة بائسة خربة وتوسيع دائرة الفراغ، لم تخرج جائزة واحدة أو مهرجان واحد عن تلك الدائرة المخزية، وكنت شاهد عيان من قريب على تلك المكارثية التي ستتواصل.
هجرت دنيا العرب مرغما عام 2007 ليستقر بي الحال في باريس، حيث الثقافة العربية يتم تقديمها في صورتها، كما هي في دنيا العرب.. عبر مراكز وشخصيات متشابكة مع النخبة العربية ومحيطها المندغم في عالم السلطة والمال السياسي، “معهد العالم العربي” وبعض وجوه النخبة العربية المشرفة على تنظيم المهرجانات. هنا و مرة أخرى أقف على مسافة كافية للنظر ومتابعة بؤس ورثاثة هذا المشهد، جوائز تستند إلى جذع العلاقات العامة والوجبات السريعة والمشاركة في وليمة الخراب وتوسيع دائرة الخواء، حتى حضرت موجة ما سُمي بالربيع العربي، هنا كانت الفضيحة أكبر من أن تعتذر -نخبة لا تعرف الاختلاف فكيف تعرف الاعتذار؟ -نخبة تسير خلف أنصاف ساسة وأرباع تجار حروب وكأنها “كومبارس” فاقد لأي دور سوى معاودة العبارات المكلف بها، نخبة لا يمكن أن تنتمي لحلم دولة وإنما حلم سلطات متخمة بالوباء! . يضيف الكاتب الناشر السوري هطوله على المشهد الكارثي الذي أراه معه من نفس الزاوية الفاضحة:/طبعا لم تعتذر أفراد جوقة المهرجانات والجوائز على عملها تحت راية القذافي أو بشار الأسد أو غيره من رموز القتل والفساد، رغم أن جل أفراد النخبة قلبت ظهر المجن لماضيها، وكأنها ليست هي ذاتها التي كانت مسؤولة عن جوائز القذافي ومهرجاناته، كما كانت مع غيره، إنها اللجان نفسها التي مدحت هذا الغول الدموي وذاك تاجر السلاح التي تمنح جوائز على قدر معارفها وذائقتها في منح المغانم على المقربين وأقنية التواصل مع سلطات وأوساط لم ولن تنظر للثقافة إلا بمثابة ديكور (أو أكسوسوارات)مُهمَل(ة) في زاوية من زوايا أصحاب المال، ولم تسلم الجوائز -شبه- العالمية المعرّبة من وباء لجان التحكيم التي تحمل وزر ثقافة تعاود إنتاج الخراب وتبتعد عن المعرفة كل يوم أكثر فأكثر.”/ هكذا بهذا الانطباع الموجع، و من القاهرة ختم ملفه الكاتب “محمد عبد الرحيم” ملفه المتعلّق بأوضاعنا الأدبية العاهرة انتاجا و جوائزاً في صحيفة “القدس العربي” فيما معنى العنونة:” الجوائز الأدبية في العالم العربي المتأرجحة بين الفساد والموضوعية… و هي عبارة عن (مباريات بدون جمهور حقيقي)؟!. فعلا ! إنه لأبلغ توصيف نقدي قرأته لحد اليوم؛ (لهاث و فوبيا حول مباريات دون جمهور)!. لا جدوى!!!!
**
-أرى أنّ الإحباط مهولاً و الأمل ضئيلا، ضؤولا؛ تماهياً مع تعبير الكاتب “محمود عبد الغني” لانطباعاته في عنونة لملفه “جوائز الرواية العربية: الخيبة والأمل” المنشور بمنبر ثقافي “ضفة ثالثة” لشهر ماي ٢٠٢٥. يقول الكاتب المُنطَبِع:
“منذ فترة طويلة وأنا أتابع نتائج الجوائز الأدبية العربية. وهي على كل حال جوائز تمنح في غالبها لجنس الرواية. ولا أعرف كيف ينتابني الشعور بأن عناوين الروايات الفائزة ارتجالية وتبتعد أبعد ما يكون عن الإيحاء. أطلب من القارئ الكريم أن يعذرني عن ذكر العناوين، وأطلب منه أن يعود بذاكرته، إن كانت تحتفظ بعناوين تلك الروايات، التي تُنسى بسرعة، كما أظن وكما هو انطباعي عنها. سيجد أنها عناوين ضعيفة، وأحيانًا ركيكة وغير موحية، كما وجدت أنا في إطار من المقارنة الشاملة مع روايات عالمية فازت بجوائز تناظر الجوائز العربية أو أقل منها من ناحية القيمة المالية والرمزية. كما أن مجموعة من الروايات الفائزة هي لمؤلفين لم يسمع بهم الروائيون والقراء من قبل، إضافة إلى صِغر سنّهم، كما أن أغلبهم يشتغل بالصحافة، وغالبًا ما تكون مؤسساتهم الصحافية مغمورة بدورها. فكيف يتمّ أمر الفوز إذا اجتمعت تلك العناصر؟ أم أن كل ذلك هو محض صدفة؟
نستعير المقولة العربية القديمة “الشعر جادة وربما وقع الحافر على الحافر”. الجوائز أيضًا جادة، لكن لا يمكن أن يقع الحافر على الحافر طوال الميدان!. أي أن الصدفة قد تحدث مرة واحدة، لكن أن تتكرّر أمام أعيننا بهذه الطريقة، فالأمر مرفوض. دعوني أنقل إلى القارئ الكريم واقعتين كنت شاهدًا عليهما، وهما في غاية الأهمية من الناحية الأدبية والأخلاقية. أما الأولى فقد حدثت منذ خمس سنوات مع لجنة خاصة بالرواية. اتصل بي رئيسها وطلب منّي -مساعدته في قراءة بعض الروايات المرشحة-؛ هذه -الأعمال- كانت ضمن القائمة الطويلة. و بهذه الطريقة كنت عضوًا غير مباشر لم يتلق دعوة رسمية من مؤسسة الجائزة، ولن يتقاضى أي أجر، بطبيعة الحال. على كلّ، اقترح عليّ “رئيس هذه اللجنة” أن يبعث إليّ الروايات التي أرادني أن -أطّلع عليها فقط – وليس “قراءتها؟”، وأضاف أنه سيبعث لي المال لشرائها من المكتبة!. وحين تلا عليّ العناوين قلت له إنها جميعها في مكتبتي ولا داعي إلى إرسالها أو شرائها. بعد انتهاء المكالمة شعرت بالخزي، (ما دمت لم أشبعه شتمًا). بل وفكرت في الاتصال بصديق، ربما يكون هو من رشحه في هذه اللجنة لأخبره بما يجري. لكنني اكتفيت بالصمت. ومرت الأمور والشهور. -ولم يَفُز أي روائي من المغاربة الذين كانوا في اللائحة!- وبعد زمن يسير علمت من صديق آخر بكون “رئيس اللجنة” هذا فعلها معه أيضًا وكان غرضه -إبعاد المغاربة- عن الصعود إلى القائمة القصيرة، وعن أي احتمال بالفوز بهذه الجائزة الأدبية القيّمة. وفي النهاية كانت الرواية الفائزة مفاجأة أصابت الجميع بالدهشة، وأقنعت الروائيين الذين ظلوا يغذون حلم الفوز، إذ تلاشت المعايير الأدبية الصارمة، المبنية أولًا على قواعد أخلاقية وأدبية صارمة، وثانيًا على مشروع تاريخي يطمح إلى تطوير الرواية العربية، كما هي نظيراتها في العالم أجمع.”/
“أما الواقعة الثانية، فقد جمعتني جلسة سريعة بناشر عربي صديق. جرّنا الحديث إلى هموم النشر ومشاغله، وهواجس الرواية وضروبها، ومنهما موضوع الجوائز التي أصبحت -(على ما يبدو للعُمْي!) -أنها تحتفي بالرواية العربية. فوجدت في نفسه حسرة وخيبة، إذ استغرب من كون الروايات التي رشحها للرواية لم يتمّ الالتفات إليها من قبل اللجنة. وخصّ رواية واحدة بالمدح والتقريظ. وحين نطق عنوان الرواية وجد رأيي في صفّ رأيه. إذ هي بالفعل رواية عربية جميلة وفيها بناء روائي متماسك. أما موضوعتها فهي موضوعة الجرح العربي بامتياز، ولو أنها مخصصة للجرح المغربي؛ كيف تبني الشعوب العربية المهمشة نفسها بناء على الخيبات التي تتعرض لها، وتشكل بالنسبة إليها صدمة تدفعها نحو بناء مختلف للذات، عن البناء التاريخي الذي طال أمده لم يؤدّ إلى أي نتيجة؟ وقد عبّرت عن استنكاري لتجاهل هذه الرواية الجيدة التي لا يمكن أن تنافسها الرواية الفائزة بالجائزة عن مكانتها الأدبية والتاريخية. لكن صديقي الناشر زاد على ذلك بأن أخرج نسخة “وورد” word من الرواية الفائزة، إذ كان صاحبها قد بعثها إليه، ورفضها ليس بالاعتماد على موضوعتها، بل بناء على تشكلها اللغوي الركيك. وشرعنا في قراءة المقاطع تلو الأخرى المبنية كمحاكاة لأسلوب السجع بطريقة ممسوخة. لكنها فازت!. فبدأنا نقلب الأمر على كل أوجهه. لا شكّ أن هناك سببًا، أو أسبابًا دفعت اللجنة إلى منحها هذا الحظ النادر، الذي لا تستحقه بدون شك، بالنظر إلى الروايات الأخرى المنافسة لها. ثم استعرضنا أعضاء لجنة التحكيم، حينها بطُل العجب!.
حين تفوز رواية معينة بجائزة كبرى عليها أن تثبت جدارة فوزها من خلال عدة نقاط تتركها وراءها في عالم الرواية، تكون بمثابة أثر يعود إليه الروائيون والقراء ومؤرخو الأدب. عليها أن تقدّم خطابًا روائيًا قويًا ومتماسكًا. كما أن عليها أن تظهر -أنها قادرة في زمننا الحاضر على تغيير الخطاب المبتذل حول فنّ الرواية-، وأيضًا تقديم وجهة نظر قادرة على فهم شامل لأبعاد الإنسان وهو يخوض تجربة الوجود. وأيضًا -ينبغي ألا يختفي أثر الروائي كفرد- يمتلك عبقرية متفرّدة. وذلك ينعكس على اللغة والموضوعة والبناء. هنا يمكن أن يبرز الطابع التركيبي لجنس الرواية. دون أن ننسى ذلك الأثر الهائل في القارئ، والذي هو نتيجة للدقة والجهد المبذول أثناء -العملية الكتابية السّردية-. أما عدا ذلك، فإن اللجان ستكون بمثابة مجرد آلات لمنح النقود لغير الموهوبين”./
**
-لا يمكن للسياسة بمفهومها العام أن تكون وصيّة أو ضليعة في المنظومة الإبداعية (خارج إطار الدعم الحيادي)؛ كون أنّ السياسة تكاد أن تكون وكراً لتضارب و تطاحن الإيديولوجيات النقيضة، و لتجنيب المنظومة الإبداعية شبهة السياسة و الإيديولوجية للإبقاء على شيء من مصداقية الخطاب الثقافي عمدت الحركة الإبداعية الغربية بقدر المستطاع الابتعاد عن ظلال لها ارتباط سياسي في مجتمعات أكثر استقلالية و وعيا.. أن ترتبط السياسة (في الجغرافيا العربية) ارتباطا وثيقا فمعناه ارتباط الحركة الإبداعية بعفن الإيديولوجية بحكم أن المنظومات السياسية في رُمة الوطن العربي كلها فاسدة!
حاولت “نوارة لحرش” على منبر يومية “النصر” في أفريل ٢٠١٨ (و أُعيد نشره في موقع جزائراسdjazairess) من خلال ملف استطلاعي التقرّب من بعض الكتاب و المبدعين من الجزائر و باقي الأمصار العربية و طرح السؤال الكبير :”هل تُفسد رائحة السياسة الجوائز العربية؟ “، بحثا في الندوة عن -احتمالية- إمكان الثقافة على العموم و النشاط الأدبي من الخروج من عباءة السياسي(المسؤول الرسمي، الحاكم، إلخ.) .
-/”سيلفي دوكاس Sylvie Ducas » في إصدارها الّذي عنوته: «الأدب، و لكن بأي ثمن؟ تاريخ الجوائز الأدبية La littérature à quel(s) prix ? »، و هو منجز صدر عام ٢٠١٣ ص ٢٤٥، عن منشورات -دفاتر حرة-، أنّ «الجوائز الأدبية هي أداة تسويقية، تدفع إلى الكثير من الإصدارات الروائية (…) لكنّها تظل محكومة بتوجهات وطنية وإقليمية ودولية.»./
-نأخذ مثلا رأي كاتب جزائري أُستطلعَ في هذه الندوة و هو رأي متزن ، إذ يرى الكاتب و الناقد “مخلوف عامر” أن
من المستبعد وعلى أمد طويل أنْ تخرج الجوائز العربية من عباءة السياسة
، إنّ هذا الموضوع يقود مباشرة إلى علاقة السياسي بالأدبي، فلا يُنتظر من الأديب أن يجهر بموقفه السياسي في إبداعه، فذلك مستهْجَنٌ بحكم خصوصية الفن الأدبي ذاته، بل المطلوب أن ينتشل عمله- إنْ كان إبداعاً حقاً- من -فجاجة التصريح- ليرتقي به إلى جمال المداورة والتلميح. فأمَّا الجوائز فيمكن النظر إليها من زاويتيْن:
الأولى، تتعلَّق بطبيعة الأنظمة العربية، فهي إمَّا قبلية عشائرية أو مَلَكية أو هجينة وفي كلّ الحالات، فإنَّ القاسم المشترك بيْنها، أنَّها لا تملك مشروعاً للمستقبل محدَّد المعالم، ناهيك عن أنْ يكون هذا المشروع ديمقراطياً حضارياً. وقد كرَّست هذه الظاهرةَ بلدانُ الخليج النفطية بما تُنْفقه من مبالغ مُهمَّة على جوائز لم تقتصر فيها على كُتَّاب الخليج، بل امتدَّت لتشمل سائر البلدان العربية، مِمَّا لا يعيبها في شيْء، غير أنّ النظام السياسي بطبيعته يسعى إلى استقطاب ما أمكن من المثقفين -لتجميل صورته- وإنْ أسهم ظرْفياً في تنشيط الفعل الثقافي والأدبي.(!).
فأمَّا الزاوية الثانية، فتتعلَّق بالكاتب، إذ الجائزة مطمح مشروع لأي كاتب، وقد تكون فرصة لتشجيع مبتدئ أو إبراز مغمور أو تُنبِّه إلى نص جميل إذا كان التحكيم يستند إلى مقاييس من الذوق الفنّي الرفيع، ومن الادِّعاء الزائف أن يسخط عليها مُتشوِّقون إليها، لأنَّهم لم ينالوها. لكنّها تحمل –في الوقت ذاته- جملة من العيوب، منها أنَّ بعض الكُتَّاب لم يعودوا يكتبون لغرض الإبداع بقدر ما يضعون الجائزة غايتهم الأسمى. إذ يمكن أن نرصد في كلّ موْسم مجموعة من صيادي الجوائز. وفضلاً عن اختزال الأدب في الكتابة الروائية، فإنَّ الكاتب الّذي ينال الجائزة ويلمعُ نجْمُه عادة ما يُحْكَم لجْمُه.
من هنا، فإنَّ الكاتب الّذي يرفض جائزة ما، لا شكَّ يصدر عن قناعة صلبة راسخة بصرف النظر عن طبيعة قناعته، خاصَّة في زمن صارت فيه -المبادئ النقيَّة سلعة بائرة-. وأصبح الالتزام بالقضايا الجوهرية مجرَّد حكاية من الماضي.
في مثل هذا الوضْع الّذي لا استقلالية فيه لهيْئات المجتمع المدني التي بإمكانها أنْ تدعم المبدع، -وحيث يلهث كثيرون وراء المال والشهرة-، فإنَّ الجوائز -وإن هي أظهرت أعمالاً جديرة بالفوز- إلاّ أنَّ الفوز بالمقروئية وبالامتداد في فضاء الأدب الإنساني لا يتحقَّق بالجوائز وحدها. فما أقلَّ الذين رفضوها وما أكثر الذين لم ينالوها أصْلاً! لكنَّهم ظلُّوا على مرِّ الزمن حاضرين بإبداعاتهم. حتى إنَّ أحدهم -شَبَّه جائزة (نوبل) بحبل يُمدُّ إلى سبَّاح كاد يغرق، بعدما يكون قد وصل إلى شاطئ البحر-.
-لعلَّ أسوأ ما يصيب الكاتب المبتدئ أنْ يغترَّ حين ينال جائزة أولى فيبحث عن ثانية وثالثة، فأمَّا الكاتب الّذي يُعَدُّ كبيراً، فإنَّه يصبح سلطة موازية لسلطة السياسي، لولا -أنَّه يُصاب بتضخُّم الأنا-، كما يُصاب بهذا المرض أيُّ حاكم عربي، فينتهي إلى ممارسة الإقصاء، وقد لا يعي أنَّه يعيش على نجومية آيلة إلى الأفول(!). يستحق المبدع أنْ يُكافأ، وأنْ يُكافأ كلُّ مَنْ أفنى أجمل شطر من حياته ليُقدِّم عملاً ذا قيمة، ولا سبيل إلى ذلك اليوم إلاّ من خلال أنظمة ترفع النجْم وتُتْقِن اللَّجْم. لذلك -من المستبعد وعلى أمد طويل، أنْ تخرج الجوائز العربية من عباءة السياسة-، وكلُّ الأمل ألاَّ تتلوَّث الكتابة بفساد السياسة، وتصبح الجائزة كمامة تمنع الكاتب من البوْح بالحقيقة أمام حاكم جائر.
فهل لدى كاتب يتلذَّذ بالجوائز والمجاملات وارتياد الصالونات من الجرأة بحيث يواجه الحاكم كما الإمام (جعفر الصادق) الّذي كان يرى أنَّ السارق إذا سَرَق، فالحاكم هو المسؤول وهو أوْلى بقطع اليد؟
وقد حدث للخليفة (المنصور) أنْ أزعجتْه ذبابة، فقال: ((لماذا خلق الله الذباب؟))، فأجابه الإمام قائلاً: (ليُذِلَّ به الجبابرك)..
أمّا الكاتب و الشاعر اللبناني “شوقي بزيغ” فيرى من زاويته أنّ /بعض الجوائز خلفياتها في الأصل أيديولوجية وتُقدم على صورة «إكراميات» ومكافآت
الحقيقة التي لا ينبغي إغفالها هي أنّ الجوائز على أنواعها وتفاوت قيمتها وصدقيتها لا تشكل معياراً حقيقياً ووحيداً للحكم على المبدعين وتحديد قاماتهم وأحجامهم الفعلية، ولا يمكن بالتالي أن نربط بشكل حاسم بين قيمة الكاتب وبين ما يناله من جوائز وأوسمة وتكريمات. -فالحقيقة الأدبية نسبية ومُخاتلة وحمّالة أوجه-، وليس ثمّة من معايير نهائية لتحديد مقاساتها والعثور عليها. ومهما بلغت ثقافة الأشخاص المنوطين بالتحكيم -فإنّ آراءهم على وجاهتها لا تختزل آراء القُراء ووجهات نظرهم في نتاج الشعراء والكُتّاب المرشحين لنيل هذه الجائزة- أو تلك. كما أنّ بعض الجوائز الأدبية قد تأسست في الأصل لدواعٍ أيديولوجية، وقُدمت على صورة «إكراميات» ومكافآت لمن يتم التثبت من ولائهم الشخصي، أو ولاء دولهم وأحزابهم، للدولة المانحة. وهو ما بدا جلياً خلال الحقبة السوفياتية، حيث كانت جائزتا “اللوتس ولينين” تُمنحان في الأعم الغالب لأسباب عقائدية وسياسية غير مُتصلة بالإبداع، ولأسماء متواضعة النتاج وشحيحة المواهب”/.
**
-*الجوائز و فوضى الرواية العربية:
من خلال منبر “شرق-أوسطي” (aawast.com)، بتاريخ ٣١ ماي ٢٠٢١، كتب “علاء المفرجي” استطلاعا لنخبة من الكتاب العراقيين آخذا برأيهم كلّ حسب زاويته حول علاقة فوضى المشهد و علاقة الجوائز بالرواية العربية.
ترى “لطفية الدليمي” أنّه: لا طهرانية مطلقة في (منظومة مختلف الجوائز العربية)/
أولاً: للمال سطوة على الأفراد -روائيين ومحكمين- وليس من الحكمة افتراض الطهرانية المطلقة فيهم، ولنا في إشكالية نوبل للأدب مثالٌ صارخٌ في هذا الشأن.
ثانياً: الجوائز الأدبية تُعدُّ ذراعاً إضافياً يعمل على تدعيم الرؤى الجيو-سياسية لكل دولة داعمة لهذه الجوائز، حتى لو تسربلت هذه الرؤية في شكل قوة ثقافية ناعمة(!).(…) فلم تساهم هذه الجوائز -كما أرى- في تدعيم الوعي الروائي العربي، بل أشاعت نوعاً من الكتابة الروائية السريعة، -حتى بات المشهد الروائي العربي مصداقاً واقعياً للحقيقة القائلة إن الأعمال الجيدة أكلتها الأعمال الرديئة- في زحمة التنافس والمغالبة”/.
-لم تخطئ نظرتي في حكمي على نتاج المشهد الجزائري و العربي ككل مذ أكثر من أربعين عاما في ملفّي الضخم للهوية الجزائرية أنّ الكاتب العربي بشقه المغاربي تحوّل إلى بوقٍ استشراقيٍ بامتياز فهذا الكاتب العراقي “عبد الخالق الركابي” يشاطرني الرأي و العكس صحيح ..إذ يقول رأيه تحت عنونة فقرة الملف المذكور : “نصوص استشراقية”/(و كان أولى لها أن تكون نصوصا استشرافية!)/.
-“ما يعزز هذا الأمر أن الجهة التي تقيم النصوص الجديرة بالفوز تكون عادة محايدة موضوعية مستقلة عن أي تأثير جانبي خارج السياق الإبداعي. (إلا أن هذا المعيار المهم ) مقتصر أو محدود على المستوى العالمي(الأجنبي) /حتّى لا نخدع أنفسنا أو نكذب عليها و على الرأي العام المثقف!./ فكيف هو الحال صراحة مع -الجوائز العربية-/ هذا الجانب بات موضع شك لدى كثيرين عقب انكشاف فضائح كثيرة رافقت منح تلك الجوائز، وهي فضائح يبقى المحكمون بتلك الجوائز أجدر مني على كشفها. وهناك جانب سلبي ظهر خلال الأعوام الأخيرة، تمثل بتهافت كثير من الأدباء -لا سيما الشباب منهم- على تلك الجوائز، بعد «تدبيج» نصوص مفتعلة يغازلون بها النهج الذي يتوهمون أن المشرفين على تلك الجوائز ينتهجونها حتى بتنا نقرأ روايات -تذكرنا بالنصوص الاستشراقية- التي سبق لِ”إدوارد سعيد” أن كشفها في كتابه. /
“و حسب رأيي دائما خسر الكاتب العربي مُضلِّلا نفسه بنفسه بجشع عاطفته الضيقة مهملا الاشتغال على -النّصوص الاستشرافية- مفضلا أن يكون نسخة عربية للصوت الاستشراقي التغريبي و بوقاً له، و امتدادا له، و ضاربا عرض الحائط متطلبات و خصوصية البيئة و الهوية العربية(ل.خ).
« À mon sens, l’écrivain arabe a perdu pour toujours, en s’illusionnant lui-même par l’avidité de ses émotions étriquées, négligeant de travailler sur des textes prospectifs, préférant être une version arabe de la voix occidentalisante et orientaliste, son porte-parole et son prolongement, faisant fi des exigences et des spécificités de l’environnement et de l’identité arabes ». (L.Khelfaoui.)
*هل تخدم الجوائز الرواية أم أنّ الرواية هي التي تخدم الجهات المنظمة للجوائز؟
يرى الكاتب “محسن الرملي” : “غياب المعايير الواضحة”، إذ أنه حسب قوله/
لا أعتقد أن الجوائز هي تكريس للثقافة الروائية لأن الفن الروائي مكرَّس أصلاً، وهو فن هذا العصر بامتياز، سواء أكانت الجوائز الخاصة به موجودة أو لم تكن، وهنا -ربما تكون الجوائز هي التي تسعى لتكريس نفسها-(و منه الجهات القائمة عليها)؛ استناداً إلى سيادة الفن الروائي اليوم. أما عن المقاصد من كل جائزة، بشكل عام، فالمعلَن منها هو الدعم وتسليط الضوء، والمضمر لا نعرفه كله، لكن أبسطه هو الدعاية لراعي الجائزة بشكل ما.”/
*
-أهواء الجوائز و أهواء الكتابة متى تلتقي، أو هل تفرّقت يوما؟
Quand les passions pour les récompenses et les passions pour l’écriture se rejoignent-elles, ou quand ont-elles déjà divergé ?
-يرى الكاتب “شاكر الأنباري” بعين خاصة موجهة إلى” أهواء لجان المُحكّمين” و حسب تحليله:
(…) الجوائز الأدبية، ومنها الروائية، لم تنج يوما من تلك التجاذبات. وخضعت في بعض الأحيان إلى -أهواء اللجان- التي تبت في مصير الفائزين، وذائقتهم الجمالية، -وحساباتهم الفكرية-. فيتباين مستوى الروايات الفائزة بـ«البوكر العربية» على سبيل المثال، بجودتها وأساليبها، وهي إشكالية معروف سببها ربما”/.
**
-*كثرة الجوائز و منطق اللهاث وراء الغنيمة:
على منبر مجلة (العربي) في عددها ٦٨٢، في إطار عمل نقدي يكتب “شكري المبخوت” ملفّا نقديا مكتملا و معمّقا تحت عنوان : “الجوائز الأدبيّة العربيّة ومنطق الغنيمة./
“(…) ولا عجب إذا قرأنا عن «رأس المال الخفيّ الذي يحرّك الجوائز» و«رائحة (…) الأيديولوجيا أو المصالح أو الحسابات -العالقة تحت الطاولة-وعن تسلّلها «من تحت شقوق صغيرة تثير حولها التساؤل والشبهات» وعن «لغط غامض» و«شروط غير معلنة» و«أحكام من الصعب الحديث علناً عن خلافها» وعن أن «ما يحدث تحت جنح كثير من ظلمتها – أي الجوائز – يثير الالتباس والشك».
والواقع أنّ وراء هذه الحماسة وهذا التوتّر في تناول القضايا ومعالجة الإشكالات التي تثيرها الجوائز الأدبيّة العربيّة أسئلة أساسيّة مفادها: «هل تخدم الجوائز الأدب أم تسيء إليه؟».(…) وتتعلق أيضاً بدور أصحاب رؤوس الأموال ورجال السياسة ولجان التحكيم -ومعاييرها في التقييم ورهاناتها الجماليّة والأيديولوجية- ونتائجها المثيرة للجدل.
فظاهر «المعركة» دائر على القيمة المالية للجوائز، ولكننا نرى باطنها مرتبطاً بوظيفة مؤسّسة الجائزة ضمن «الجهاز الأدبيّ» بقدر ارتباطها برهانات أبعد شأواً تتصل بعلاقة رأس المال الفني فيها برأس المال النّقدي. أمّا ظاهر «المؤامرة» فهو مصالح اقتصادية ش ونزعات وطنية قطريّة واختلافات جماليّة …إلخ- ، تحرّك لجان التحكيم وأعضاءها، ولكنّ باطنها في تقديرنا مشدود إلى خصائص «القراءة المؤسسيّة» ورهانات المشروع الثقافي الذي تعبّر عنه هذه الجائزة أو تلك.(…)
و يضيف الكاتب “المبخوت” في قراءته و استعراضه الانطباعي: / و لئن جاء إحداث بعض الجوائز العربية لدى بعض أثرياء العرب -على سبيل الوجاهة الاجتماعية أو جعل الاسم الشخصي سائراً بين الناس- أو على سبيل التنافس بين أصحاب المشاريع الخيرية خصوصاً في (الخليج العربي)، فإنّ ذلك يصادف حاجة قائمة أكيدة في الحياة الثقافيّة العربيّة.
فمن يستكثر القيمة المالية للجوائز على المبدعين أو يرى المسألة بمنزلة إحياء لتقاليد رعاية الأدب، ينسى أنّ من وظائف أصحاب رأس المال المساهمة، ضمن التصوّر الحديث للمدنية، في تمويل الفنّ والأدب والإبداع، على اعتبارها مجالات تنتج القيم الأخلاقية والجماليّة وتجدّد إدراك الناس للحياة والوجود، -فليست مساهمة رأس المال في هذا المجال من باب المنّ والسلوى- مهما عظمت هذه المساهمة.
نعم، لقد أوجدت القيمة المالية المرتفعة نسبياً لبعض الجوائـــز الأدبيّة ظاهــــرة الركض وراءها والسعي إلى الحصول عليـــها، حتى أصبح بعض الناس يتحدثـــــون عن «صائـــــدي الجوائز» و«منطق الغنيمـــة» وأصــــبحت الخــــصومة الأدبيّة في دوائر الجوائز صنواً للخصومة الماليّة، وغدا -التنافس على القيمة الفنيّة مختزلاً في أحايين كثيرة في التسابق على القيمة النقديّة-. (…).
إلا أنّنا لا نرى، في الواقع، أنّ الجوائز الأدبيّة العربيّة، مهما ارتفعت قيمتها المالية، حل للمنزلة الدّونية التي يعيشها المبدع العربيّ. فدون معالجة هذا المشكل الواقعيّ قضايا أكثر عمقاً من حيث كيفيّة التشخيص والحلّ. ولا نعتقد أنّ الارتقاء بالمنزلة الماديّة للمبدع، على قيمة هذا الرهان، من الأدوار الموكولة إلى الجوائز في الأصل، فضلاً عن كوننا لا نريد لهذه الجوائز أن تكون نسخة جديدة رديئة من عطايا البلاطات وجوائز الأمراء والقادة على عهد شعرائنا القدامى بالجوائز والمكافآت.(…)
والحقّ أنّ جــلّ الجــــوائز تـــــرمي في مقاصدها المعلنة والمضمــرة إلى مثــل هذا الهدف التنمويّ الثقافيّ، من ذلك أنّ جائــــزة سلطان بن عليّ العويس الثقافيّة، ولها فرع في مجال الأدب شعراً وروايةً وقصةً ومسرحاً، تتحدث في أهدافها عن «تشجيع وتكريم الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء العرب اعتزازاً بدورهم في النهوض الفكريّ والعلميّ في مجالات الثقافة والأدب والعلــــم فــــي الوطن العربيّ»، وتشترط في النتاج المرشّح أن يكون «مؤثّراً في الحياة الثقــــافيّة والأدبيّة والعلميّة».
ولكنّ الإشكال في عالمنا العربي أعمق من النوايا، مهما خلصت، وأبعد من العزائم، مهما صدقت. فهو، عندنا، إشكال كامن في تصوّر الجائزة وموقعها من الدورة الثقافيّة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والأيديولوجيّة.(…) والإشكال المطروح على الجوائز العربيّة يتعلّق بمدى صلتها بتطور حركة النشر ومدى تعبيرها عن وجود حياة أدبيّة متطوّرة ومدى تأثيرها في التوجهات الأدبيّة وعلاقتها بتوزيع الكتاب لدى الجمهور الواسع وتداوله في الفضاءات الأكاديميّة والنقديّة. إن التساؤل عن صلة الجائزة الأدبيّة العربيّة بمختلف مكوّنات الشبكة الحاضنة للكتاب هو سؤال ملحّ.(…)/ يؤكد ارتباط الجوائز الأدبيّة بحركة النشر، فلا غرابة أن يكون جلّ الروايات المنتقاة صادراً عن دور نشر لبنانيّة ومصريّة. وليس من باب المصادفة أن يكون الأمر على هذا النحو إذا تذكّرنا أنّ النسخة العربية المحدثة(للبوكر) سنة 2007 قد استفادت من التقاليد البريطانيّة في مجال الجوائز الأدبيّة.
ولكنّ وجه التميّز الحقيقي لـ «البوكر» يبرز في رهانها على ترجمة الروايات المرشّحة في ما تسمّيه «القائمة القصيرة». فقد -ظلّت الرواية العربيّة، رغم بعض إنجازاتها الأدبيّة، منغلقة على نفسها وعلى سوقها العربيّة-. وقلّما خرجت حركة ترجمتها إلى غير العربيّة عن طوق المبادرات الفرديّة للمترجمين أو حسابات المؤسّسات الرسميّة أو العلاقات الشخصيّة بين الأدباء ودور النشر الأجنبيّة. ويعني هذا أن مشكلات ترجمة الأدب العربي لا تقوم دائماً في اختياراتها على معطيات موضوعية تتّصل بالقيمة الأدبيّة. (…). لهذا / عاش الأدب العربي على نحو هامشيّ عقدة في علاقته بالمركز الأوربي بلغاته المختلفة والكبرى من حيث عدد الناطقين بها. (…) و يختتم المبخوت ملاحظاته حسب تصوراته حول هامش كارثية المشهد الأدبي و فوضى جوائزه باعتقاده :/ أن المعركة الحقيقيّة(ليست علوّ المستوى الشخصي للكتاب و رواد ما يسمّى بالأدب العربي !)؛ لا تدور على أرض الأسماء المتوّجة والقيمة الماديّة للجوائز -وصناعة النجوم الأدبيّة- (و الأنجم التي تأفل في معظمها سريعا، كلّما صُنِعَ شبه نجم أكبر منها !)، وإنّما ميدانها الاستراتيجيّ، إذا توسّلنا بالاستعارات الحربيّة في التعبير، هو الكتاب، نشراً وتوزيعاً ونَمط إنــــتاجه، وترسيخ القراءة -(في ظل شبه انعدامها على الواقع، إذ يقرأ العربي ربع صفحة كتاب سنويا !!!) – على أوسع نطاق ممكن ، حتّى تتغلغل الثقافة ويتغلغل الأدب والإبداع الفني في نسيج المجتمعات العربيّة ليبني كياناتها الأيديولوجيّة ويخلق حركيّتها القيميّة والجماليّة التي بها تتجدّد “. ينهي الكاتب مقاله بآمال مشروعة و نبيلة قد تتحقّق في (عصر قادم ما) ، يمكن -من باب الحلم-أن يتحوّل فيه المشهد الأدبي العربي و جوائزه من “مباريات قائمة دون جمهور حقيقي !” إلى “مباريات نرى على المدرّجات شكلا من أشكال حضور متابعين محايدين ” لا صلة لهم بهيئة التحكيم و لا باللاعبين المتنافسين!.. إلا أنّ هذا لن يتحقق أبدا و نحن ندخل عصر الذكاء الاصطناعي الذي حشر أنفه في كل شيء بما في ذاك عالم الكتب و الأدب و صناعة المحتوى آلياً؛ سُحقاً، بل بئساً! نحن العرب “بارعون في التخلف عن كل شيء، و في كل شيء! .دائما نستيقظ بعد فوات الأوان!.
**
-*الجوائز أم الصّنعة الأدبية أيهما أولى و استعجالي؟:
-في ملف تناوله موقع الجزيرة حول “أدب الجوائز إذ تمّ توطئته بسؤال فرض نفسه :هل أصبح الاهتمام بالجوائز الأدبية أكبر من العناية بالصنعة الأدبية ذاتها؟” حررته الكاتبة “نعيمة العجيلي” في شهر فيفري ٢٠٢١ بأخذها بعض انطباعات كتاب عرب. فكان للكاتب السوداني الأخ “أمير تاج السرّ” رأي من منظاره و ذوقه الخاص استنادا إلى تجربته الطويلة :”الحقيقة إنّ ظهور الجوائز الأدبية كان محورا مهما واختبارا كبيرا للكتابة الإبداعية، لن نقول إنه أفرز أدبا خاصا بالجوائز، ولكن لفت نظر كثيرين -لم يكونوا من متعاطي الكتابة-، وألهم بأن في الإمكان الحصول على جائزة، -ومن ثم اتجهوا للكتابة من دون دراية-، هذا زاد من عدد الإصدارات السنوية خاصة في مجال الرواية، كما -حفّّزَ- عددا من الكُتّاب المخضرمين للنشاط في مجال الورش الأدبية التي سيلتحق بها بعض الراغبين في التعلم(…) و يضيف الكاتب العربي “تاج السر” رأيه المتعلق بمستوى و جودة نتاج و إصدارات المشهد في عوالم النشر العربي للكتاب “فيقول “أنّ معظمها -لا تعدو مجرد خواطر حالمة بلا أي تأثير أو رؤى-، أنا لا أسمي هذا أدب جوائز، بقدر ما هو محاولات يدعمها الحلم”./. و يرى
“تاج السر” و مفضلا إلقاء المهمة على كاهل أو عامل الزمن لأنه، و من وجهة نظره يعتبر -حماية الإبداع أمرا غير ممكن؛ “لأن لا أحد يستطيع منع أحد من الكتابة، كما أن كل ما يكتب مهما بلغت درجة رداءته، يجد من يقرؤه ويتغزل فيه!(تاج السّر يريد قول حسب فهمي، أن للرداءة أهلها، و ماشاء الله ما أكثر هذا الجمهور!). لذلك -يضيف الكاتب السوداني- نعتمد على عامل الزمن الذي سيبقي الأعمال المميزة ويسقط تلك التي بلا معنى!”/ في ذات الملف و من نفس المنظور أردفت الكاتبة والأكاديمية السورية “شهلا العجيلي” في خصوص مشاركات المتقدمين لنيل الجوائز الأدبية : “يمكن القول أنّها أثارت الحماس -لدى الكثيرين ممن لا يمتلكون الموهبة أو المعرفة أو كليهما معا-، للكتابة، و بالتالي تراكمت لدينا النصوص بهدف التقدم للجوائز، -وضاعت للأسف نصوص جيدة في كومة -أو مكبّ- الرداءة-!. كما أن معظم المتلقين الذين واجهتهم، لسوء الحظ، النصوص الرديئة في مقتبل قراءاتهم، عزفوا عن قراءة الرواية، أو أخذوا منها موقفا سلبيا”.(…). و تضيف الكاتبة في عنصر حماية العمل الإبداعي من الوقوع كفريسة للتزييف، والسمو بالمبدع من أن يقع ضحية التزلف لنيل المقابل تطرد الروائية “شهلا العجيلي”، أنّه:/لا يمكن لأحد أن يحمي المبدع سوى نفسه. على المبدع ألا يهتم سوى بمشروعه الثقافي الإبداعي، والجوائز تأتي لاحقا. كون -الجوائز بحاجة إلى مبدعين حقيقيين وأعمال رفيعة-، وإلا ستفقد قيمتها ومعناها بعد بضع دورات(…)و / إن الجهات التي تحترم نفسها لن تقبل أن تكون ضلعا في تكريس الرداءة والفساد، وهي إن أخطأت أحيانا، فلا بد من أن تحدث (ترويكا) لبنيتها، وسيرورة عملها”/.
وهذا يشبه ما تعتقده الروائية الليبية “رزان المغربي” حيث ترى من موقعها : “لا يمكننا حماية الخلق الإبداعي (من وباء الرداءة) بل هو مستحيل، وبالذات في بلداننا التي تأتي قراءة الأعمال الإبداعية في أسفل سلم احتياجاتها، والأهم أن الناشر ينظر إلى مهنته بصفتها صناعة، معظمهم يبحث عن الربح، وقلة من تهتم بالجودة(…) فلا حماية إلا بقوانين تحكم -آليات و أخلاقيات- عملية النشر، وهي صعبة! لهذا يبقى الكتاب الرديء مثل العملة الرديئة (يزاحم ) و يطرد الجيد ويتربع على سوق البيع، وأرباح الناشر وعدم خسارته، يعتبرها حقا طبيعيا، وهو من يقرر تلك المعايير الخاصة بالنشر”.(…).
**
-تحت عنوان /الجوائز الأدبية: عُتلات ثقافية مؤثرة، ومصادر للجدل، ووسائل للاتصال./ « Prix littéraires : puissants leviers culturels, sources de polémiques, outils de communication » كتبت “دلفين نامونDelphine Neimon” على الموقع المتخصص (كميائيو/خيميائيو الفن the art chemists). في 04/10/2023؛ /بينما أكتب هذه السطور، يتصاعد الحماس على مستوى أروقة دور النشر وبين صفوف المؤلفين الفرنسيين. -ها نحن ندخل المرحلة الأخيرة من اختيار الفائزين بالجوائز الأدبية. كجائزة “غونكورGoncourt ” طبعا و التي تعد من أرفع الجوائز وأكثرها شهرة، إلا أنه لا يمكن التغاضي أيضاً عن العديد من الجوائز المهمة الأخرى – للإشارة فقد ينشط مشهد الأدب و الجوائز في فرنسا حوالي 2000 جائزة – يتمّ إقحام في حلبة التتنافس حوالي “مئة عنوان جديد” كل عام، ومثلها تقريباً يختفي دون أثر. باختصار، فإنّ هناك سوق جوائز أدبية حقيقية في موطن “فولتير وهوغو وزولا Voltaire, Hugo et Zola” . إذن يثير هذا بعض الأسئلة الجوهرية التي تحتاج إلى دراسة معمقة لتسليط الضوء على آليات عمل هذه -السوق-!.
-إن عالم الجوائز ليس أمرا معاصرا، أو مستحدثا، فهو تقليدٌ عريقٌ منذ القدم… جاء لكسرِ القوالب أو -الأكواد- النمطية. فالجائزة الأدبية هي إذن اصطلاحا: تُمنح لكاتبٍ أو عملٍ أدبيّ تقديرًا لجودته وقيمته الفنية، بهدفٍ أوسع يتمثل -افتراضا- في تعزيز و تجديد الأدب ومواهبه الشابة، فضلًا عن تحفيز اهتمام الجمهور بالقراءة/(في مجتمع يمارس القراءة كنشاط حيوي لا ثانوي، أو من باب الترفيه!) / . علما فإنّ هذا الهدف السّامي مستمدّ أو آتٍ من تقاليد و ممارسات ثقافية تعود إلى العصور القديمة.. فلقد نظّم الإغريق القدماء مسابقاتٍ أدبية، و كانت أشبه ما تكون -بأولمبياد العقل و الفكر Jeux Olympiques de l’esprit – ، حيث تتنافس دوريا فيها المواهب من الشعراء والمسرحيون على الحصول على الاعتراف و ربما (المجد!). كما استمرت هذه التقاليد عبر القرون، خلال العصور الوسطى و وصولا إلى عصور النهضة. Moyen-Age, la Renaissance.
إلا أنه يتخفّى وراء دائما هذه العادات و الأعراف الثقافية و الفكرية -صراعٌ مرير بين الأدباء الكلاسيكيين والحداثيين-. ففي القرن التاسع عشر، كان تأكيد خبر استحداث جائزة أدبية بمثابة ضربة قوية لاحتكار “الأكاديمية الفرنسيةAcadémie française” التي كانت سائدة آنذاك، والتي هيمنت بدورها القوي -الأبوي-على عالم الأدب الفرنسي(و بالأحرى على الأدب أو الفكر الفرونكوفوني).. أببويتها كانت مُمليةً الكتب التي تُقرأ، والنصوص التي تُدان، والمؤلفين الذين يُبجلون أو يُستنكرون. فبينما كانت الرواية نوعاً أدبياً رائجاً خلال الثورة الصناعية، لم تكن تحظى بجاذبية تُذكر لدى الأدباء الكلاسيكيين، الذين اعتبروها تياراً فرعياً من الأدب. فلذلك، كان استحداث جائزة أدبية يعني حتماً الدخول في هذا الصراع لموازنة هيمنة السلطة الفكرية وتوسيع دائرة المحظوظين الذين نالوا -لقب مؤلف-!… أو -مؤلفة-!. وكما أشارت “سيلفي دوكاس Sylvie Ducas ببراعة في مقالها “جوائز أدبية من صنع الإعلام: مسار جديد للاعتراف الأدبي؟”، سيلفي دوكاس أتت بالضربة غير المتوقعة لتسقط ورقة التوت عن سوأة النوايا الحقيقية من استحداث ما يسمّى بالجوائز الأدبية و ركلت بيوت مستعمرات النحل كما أفضل توصيف ما قامت به هذه الكاتبة الباحثة الجامعية.. و نُشرت مقالة الباحثة في العدد 117 من مجلة “ريزو Réseaux ” عام 2003، وجاء فيها: “وُلدت جائزة “فيمينا” أو /تأنيث، أو مؤانثة/ « Femina » (النسوية) كرد -جندري- و ردة فعل على -تُهمة- آليات الإقصاء التي عادةً ما تقع الأقلام النسوية ضحاية لها داخل المؤسسة الأدبية. /و قد تناولت في ملفات سابقة الحديث عن “فيمينا” و أشياء أخرى متعلّقة بمسيرة نزعة الجندرة الأدبية و علاقتها بالأقلام النسوية عبر التاريخ . /ويتمثل التحدي -يضيف الانطباع-الذي يواجه هذه المؤسسة الأدبية النسائية الحصرية، والتي تستند في سلطتها على التنوع الأدبي في اختياراتها من خلال عدم منح جائزتها للنساء فقط، في احتلالها أماكن التكريم التي عادةً ما تكون حكرًا على الرجال.”
**
*ألفا (2000) جائزة أدبية في فرنسا… (بملعقة الحساء الكبيرة)تقريبا مثيرة للجدل !
2000 prix littéraire en France… à la louche !
العنوان الفرعي هذا يحمل في نهايته تلاعبا في المعنى.. فكلمة “louche ” تعني الكثير في اللغة الفرنسية؛ في المقام الأول تشير إلى ملعقة مطبخ كبيرة ذات مقبض طويل تُستخدم لتقديم الحساء. وكصفة، حيث يصف هذا المصطلح شخصًا يعاني من الحَوَل، أو مجازيًا، موقفًا مريبًا أو غامضًا. كما يمكن أن يصف شيئًا يفتقر إلى الشفافية.
-فجائزة “فيمينا Femina”، على سبيل المثال، هي إحدى الجوائز العديدة التي تُمنح في فرنسا، وهي أُمّة عريقة بغزارة الإنتاج في هذا المجال، كما ذكرنا في مقدمة مقالنا. و منه كانت سببا في تفشّي و إشاعة تطور الجوائز الأدبية تدريجيًا، وانتشرت في جميع أنحاء العالم لتترسخ كتقدير أدبي أساسي، وتمييز ضروري، وحدث ثقافي لا يُفوَّت. و من هنا تتبادر إلى الذهن فورًا جائزة نوبل في الأدب، ولكن هناك العديد من الجوائز الأخرى حول العالم. أمّا في موطن “موليارْMolière”، تُعدّ الجوائز الأدبية هواية وطنية بامتياز -لا يشقّ لها غُبار-، حيث يبلغ عددها حوالي ألفي جائزة.
**
*دور النشر المتألقة ووحش “الهيدرا Hydre الخفي:
-(في الظروف العادية)، لا يقتصر المستفيد من هذه المكاسب (من خلال هكذا جوائز) غير المتوقعة على الكاتب فحسب، بل يجني بالدرجة الأولى الناشر أيضًا ثمارها، ليس فقط من حيث عائدات المبيعات وحقوق الترجمة. فالناشرون الذين ينشرون أعمال الفائزين بجوائز أدبية يعززون سمعتهم وصورتهم في عالم الأدب، ويُبرزون براعتهم وقدرتهم على اكتشاف الروائيين الاستثنائيين والمواهب الحقيقية. وهذا بدوره يجذب المواهب الجديدة، ويستحوذ على اهتمام وسائل الإعلام وبائعي الكتب والقراء على المدى الطويل، مما يعود بالنفع على جميع منشورات الناشر، ويتيح له بيع أعمال أخرى، ليس فقط للكاتب الفائز بالجائزة، بل أيضًا لكتاب آخرين (تُسمّى بالمنافع المتعددة، و المُتعدّية). وهنا يبرز مصطلح نقدي مُركّب: “غاليغراسايْ Galligrasseuil” كوحش -هيدرا- أي
(Gallimard+ Grasset+Seuil)، فهل هو وحش هارب من أساطير الفانتازيا القديمة؟ ربما؛ “دومييDaumier، رسام الكاريكاتير، كان سيصوره كذلك. هذا المصطلح “الهيدرا Hydre، لفظة تحمل إيحاءات تفصيلية تصويرية لبربرية الوحش صاحب ثلاث رؤوس! هذا الأخير يجمع أسماء ثلاث أهمّ دور نشر كبرى و هي : “غاليمار، وغراسي، و سايْGallimard, Grasset, Seuil”. لا يُذكر هذا الثلاثي لجودة منشوراته فحسب، بل أيضاً لقدرته العجيبة المتكررة على حصد جوائز غونكور، ورينودو، وميديسيس Renaudot, Médicis”. يرى البعض أن هذه العادة مؤسفة ومثيرة للشك!؛ إذ تحرم دور النشر الصغيرة و كذلك الناشئة من الظهور الذي توفره هذه الجوائز المرموقة، في وقت هي بأمس الحاجة إليه (اقتصاديا و ماليا بشكل عام). ومن هنا، يتبادر إلى الذهن الشك و الريبة و المتمثّل في -تحيز لجان التحكيم لهذه الجوائز-، وخضوعها -الشبه واضح-، إلى حد ما لسيطرة هذه الدور الناشرة الرائدة، وأن المسابقات، فإن لم تكن مزورة فهي على الأقل -متأثرة بشكل كبير – وهو شك يتكرر-، و يعود بكل أسئلة الجدل إلى الظهور عند كل “خريف فِرنسي”. /تعزف فرنسا خريفا أدبها و ينتشر بعدها إيقاعها في كامل الفصول و ربوع المعمورة، هكذا أرى مشهد الحركية الأدبية في هذا البلد.(ل.خ)./
« La littérature française joue sa mélodie automnale, et son rythme se répand ensuite à travers toutes les saisons et le monde entier ; c’est ainsi que je perçois la scène littéraire de ce pays. (L.Khelfaoui) »
***
-لا للحصر بل للاستدلال، يمكن للفضوليين إيجاد دليل على ذلك في الاطلاع على: * المقال الرائع القيّم “خلف كواليس الجوائز الأدبية” المنشور على موقع “L’Opinion indépendante”، حيث يُفصّل “كريستيون أوتييهChristian Authier” بدقةٍ متناهيةٍ آليات عملية الاختيار، وكيف يتغلغل هذا الكيان الصغير عبر وسطاء بين أعضاء لجنة التحكيم، -والويل، ثم الويل لمن يجرؤ على التمرد، مُنددًا بهذه المكائد التحريرية الماكيافيلية؛ * كما ينطبق الأمر نفسه على “المعهد الوطني للسمعيات والبصريات” (INA)، الذي يعتبر الحارس اليقظ لذاكرتنا السمعية البصرية، و الذي يبث تقريرًا تعود لعام 1979، حيث بُثّ خلال نشرة الأخبار “الثامنة مساءً” على القناة Antenne 2؛ و حتى في ذلك الوقت، كان احتكار “غاليغراسايْGalligrasseuil” (أي ثلاثي الرؤوس لِوحش النشر :غاليمار ، غراسي، سايْ) و التي تُثير استياءً كبير بين —اللاعبين الآخرين/ في سوق الكتب الفرنسية-!.
-هل يعني هذا أن عمليات الاختيار مُزوّرة بالكامل؟ على أي حال، بالنظر إلى المخاطر و المجازفات الاقتصادية والمالية والإعلامية الكبيرة، فمن الواضح أن رواد الصناعة لا ينوون السماح للمنافسين الأصغر حجمًا بسرقة الأضواء منهم(الاحتكار واضح و جليّ!). حتى لو كان ذلك يعني التأثير على السوق… أو التأثر به؟ و منه توجيه -اختيار الفائزين- وفقًا لتوقعات القراء، أو ربما تشكيل أذواق الجمهور المستهدف؟ باختصار، هل يعني ذلك الترويج للمؤلفين الذين سيحققون مبيعات وتجاهل أولئك الذين يُعتبرون أقل ربحية؟
—-
*الجوائز و ازدراء للآداب! PRIX ET MÉPRIS LITTÉRAIRES* هذا ما توصّل إليه الكاتب آرثر وايدنهاونArthur Weidenhaun”، في مقال انطباعي نُشر في 4 نوفمبر 2019 على منصة (lvsl.fr)
-ها نحن الآن في خضم موسم جوائز الأدب الخريفية. فاز “جون بول دوبوا Jean-Paul Dubois” بجائزة “غونكور عن روايته *Tous les hommes n’habitent pas le monde de la même façon* (جميع الرجال لا يسكنون العالم بنفس الطريقة)، بينما مُنحت جائزة “رينودو لسيلفان تيسون Sylvain Tesson عن كتابه *La panthère des neiges* (فهد الثلوج). تحظى الجوائز الأدبية بمتابعة دقيقة في فرنسا، و خاصة جائزة “غونكور” و التي تعد الفائز بها بتحقيق مبيعات تصل إلى 400 ألف نسخة. بينما تسعى لجان تحكيم الجوائز الكبرى المختلفة (غونكور، الأكاديمية الفرنسية، رينودو، فيمينا، ميديسيس، وغيرها) إلى تقدير جودة الكتاب وأسلوب مؤلفه، إلا أن الواقع قد يكون مختلفًا تماما مع كواليس صناعة الكتاب و الجوائز!. فنظرًا للفوائد الاقتصادية الهائلة، تُرشّح دور النشر أعمالها المفضلة سنويًا. وهذا، على عكس ما يُتوقع، يُثير استياء أولئك المنسيين، الخاسرين، في السباق الأدبي بين 336 كتابًا صدر في الموسم الأدبي الفرنسي الجديد لعام 2019.
-لهذا تُثير الجوائز الأدبية تساؤلات عميقة حول علاقة المجتمع بأدبه. فغالبًا ما يُنظر إلى فرنسا على أنها أمة أدبية بامتياز، ما دفع كاتبًا أمريكيًا إلى التعليق خلال رحلة إلى فرنسا قائلًا: “يمكنك أن ترى ذلك من خلال النظر إلى أسماء الشوارع والساحات ومحطات المترو: “فيكتور هوغو Victor Hugo هنا، جول فيرن Jules Verne هناك”. ومثال على ذلك مدينة “إيلييهilliers ، إذ أصبحت بلدة إيلييه-كومبراي Illiers-Combray بفضل رواية “مارسيل بروست Marcel Proust بحثًا عن الزمن الضائع À la recherche du temps perdu”، لأنها كانت مسقط رأس الراوي في طفولته، و في تجربة فريدة من نوعها حيث تغلغل الخيال في الواقع. وقد استكشف الأكاديمي “جون ماري روارْ Jean-Marie Rouart ” فكرة “الأمة الأدبية La nation littéraire ” / و لقد ذكّرني هذا التفصيل في تعمّقي البحثي في تفصيل لعنصر من عناصر الملف الكبير الذي ألفته في خصوص الهوية العظمى للأمة الجزائرية و خيانتها من قبل نخبها الحداثيين/ .
– محاضرة ألقاها “جون ماري روارت” عام 2014 ، حيث نجح في إيصال فكرة الصلة المزدوجة بين فرنسا والأدب: و في داخل الدولة نفسها وفي قلوب الفرنسيين. تبرز عبارة مهولة و شهيرة للجنرال شارل ديغول قائلا بذكاء دعما للوفاق الهوياتي للأمة الفرنسية: “إلى يساري، ميشيل ديبري. وإلى يميني، كان وسيظل أندريه مالرو« À ma gauche Michel Debré. À ma droite, j’ai et j’aurai toujours André Malraux ” . أي أنه في مكانة الشرف، مقابل رئيس الوزراء وواضع دستور 1958، وعلى رأس أعلى سلطة في الدولة، يوجد كاتب، وأدب، وتاريخ، وثقافة: إنه أندريه مالرو. وهناك أيضًا شخصية المثقف، الفرنسي بامتياز، الذي تجسد لأول مرة في شخصية زولا، ثم مورياك وسارتر. كما يُعد الأدب وسيلة لإضفاء الشرعية على رؤساء الدول(المتحضّرة التي تحترم نفسها طبعاً!). تخيّل كتاب “ستندالStendhal و اسمه الحقيقي “أونري بال (Henri Beyle) ” موضوعًا على صورة إيمانويل ماكرون الرسمية، أو مالرو وزيرًا في عهد ديغول، أو الرّئيس”جيسكار ديستان Valéry Giscard d’Estaing ” أكاديميًا (و الذي كتب لي القدر أن التقيه ذات مرة و كتبت في هذه المحطة نصّا سرديا استحضرت فيه والدي “محمد الصالح” بشكل مقارناتي الوجدانيات خاصة!)، أو “بومبيدوPompidou، خريج المدرسة العليا للأساتذة والحاصل على درجة الزمالة في الأدب، والذي نشر “مختارات من الشعر الفرنسي Anthologie de la poésie française. ” . وأخيرًا، هناك الرئيس “نيكولا ساركوزي” و هو من أصول مجرية الذي، بعد اعترافه المتسرّع بعدم إعجابه برواية “أميرة كلاف La Princesse de Clèves”، تراجع قائلًا بعد الانتقاد الذي تعرض له من قبل النخب المثقفة: “إن روائعنا الأدبية في بلادنا، تحظى بمكانة مقدسة كما الدين تماما. علينا أن نفهم هذا ونتقبله. هذه هي فرنسا أيضًا.”
« Nos chefs d’œuvre littéraires sont chez nous l’objet d’un culte quasi religieux. Il faut le comprendre et l’accepter. C’est aussi ça la France ».
فعليّ أن أُشير لفائدة القارئ العربي باختصار عن رواية “أميرة كلافLa Princesse de Clèves ” :
رواية “أميرة كلاف” هي من تأليف “مريم-المجدلية دو لافايات Marie-Madeleine de La Fayette ، نُشرت دون ذكر اسم مؤلفها عام (1678) /١٦٧٨. و تدور أحداث الرواية في بلاط فالْوَا Valois في السنوات الأخيرة من حكم ملك من ملوك فرنسا و هو “هنري الثانيHenri Second “، كما يشير السّارد في السطور الأولى. و لهذا، تُصنف الرواية ضمن الروايات التاريخية، على الرغم من أنها، من نواحٍ عديدة (كالاهتمام بالواقعية، والبنية المحكمة، والتأمل الذاتي للشخصيات)، صُنّفت على أنها من أوائل الروايات التحليلية. بل إنها أُعتبرت من أهم و أوائل الروايات النفسية، وهو ما يُفسر حداثتها.
**
-*السؤال المتكرّر بإلحاح؛ لماذا الجوائز الأدبية؟
-لطالما أنجبت فرنسا، موضوعيًا، كتّابًا عظامًا عالميا بحق. كما أنها تمتلك أكبر عدد من الجوائز الأدبية بين جميع الدول، إذ يبلغ عددها قرابة 600 جائزة. فعلينا فقط بالتذكير أنّ جائزة “غونكور” أُنشئت في الأساس عام 1903 هدفها الأوّل -تكريم كاتب شاب- و”المساهمة في ازدهار موهبته، و كان مُنشئها و باعثها (إدموند غونكور). ومن خلال تقديم منحة سخية، أتاحت للكاتب حياة كريمة وتجنب الفقر و الحاجة. إلا أنه اليوم فكما ذكرنا في مواضع عديدة تبلغ قيمة الجائزة 10 يورو فقط!… علاوة على ذلك، فإن قائمة الكتّاب الكبار الذين لم يحصلوا على جائزة غونكور أو رينودو طويلة. في الواقع، لا يضمن الفوز بجائزة شهرة دائمة، فضلًا عن أنه لا أحد يملك القدرة على خلقها. هل جميع من خُلّدوا في “البانثيونpanthéon “، ودُفنوا في “مقبرة بير لاشيزPère-Lachaise”، وجميع الحائزين على جائزة نوبل معروفون لنا اليوم؟
**
-لقد شهد القرن التاسع عشر ازديادًا في استقلالية مهنة الكتابة، حيث تحرر الكتّاب من هيمنة السلطات وأصبح بإمكانهم العيش باستقلالية. ووفقًا لبورديوBourdieu يُمثل فلوبيرFlaubert النموذج الأمثل. حيث تمتع المجال الأدبي باستقلالية نسبية خلال هذه الفترة، إذ “أفسح المجال لاقتصاد معكوس، قائم في منطقه الخاص على طبيعة السلع الرمزية (…) التي تبقى قيمتها الرمزية البحتة وقيمتها السوقية مستقلة نسبيًا”. ثمة مرحلة ثانية في تاريخ الجوائز الأدبية، حين أدرك الناشرون، بدءًا من عشرينيات القرن العشرين، أثر الجوائز على المبيعات. واليوم، يبيع الفائز بجائزة غونكور حوالي 400 ألف نسخة، كما ذكرنا سابقًا. ولولا الجائزة، لربما لم يصل العمل إلى 30 ألف نسخة مباعة، حتى لو كان المؤلف مشهورًا -.
**
*قوة الجائزة:
-من المفترض، و من الملاحظ طبعا أن الجوائز الأدبية، بالاعتماد على قيمة أدبية مفترضة، تنجح في تحويلها إلى قيمة اقتصادية . في الواقع، تجعل الجوائز الأدبية الكتاب قابلاً للتسويق، وهو ما قد لا يكون عليه الحال لولاها. هناك اعتراف بأن هذا الكتاب قابل للتسويق، فضلاً عن كونه جديراً بالتقدير من وجهة نظر أدبية، فتتيح الجائزة للجمهور فرصة الاطلاع على العمل، وهي فرصة ما كانت لتحدث لولا منح الجائزة(و هذا في الأحوال الصحية النقية الطبيعية!).
و بما أنّ الجائزة الأدبية لها تأثيرها المباشر على المبيعات، فإنها بالطبع قادرة على تغيير بنية الأدب نفسه. خلال أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ومع ازدياد أعداد القراء(في العالم الغربي، و اللاتيني خاصة)، وتزايد التمويل والتأثير الإعلامي لهذا المجال، نتج عن ذلك بروز “شخصية أدبية جديدة” و هو ما يطلق عليه (عصريا) بالكاتب الإعلاميl’écrivain médiatique (أي كاتب له حضور إعلامي، مُتداول بكثرة في وسائل إعلامية مختلفة). لهذا تنظر دور النشر إلى الكُتّاب على أنهم “خيول سباق.” محصورة في إسطبلات “التحرير« d’écuries éditoriales ».”. خلال القرن العشرين، تميزت ثلاث دور نشر بشكل خاص في الفوز بجوائز أدبية: غاليمار، وغراسيه، ولو سايْ. ومن هنا جاء لقب “غاليغراسايْ”.
**
-فمن منظور اقتصادي على مستوى عاصمة الفنون و الآداب، و عاصمة الأنوار، و عاصمة العطور و الموضا و الملائكة و الشياطين أيضا ألا و هي (فرنسا)، تُحقق الجوائز الأدبية مبيعاتٍ كبيرة. وتُعدّ جائزة “غونكور لطلاب المدارس الثانوية” (Goncourt des Lycéens) من أنجح الجوائز، إذ يُتوقع بيع ما لا يقل عن 394,000 نسخة منها، مقارنةً بـ 345,000 نسخة فقط لجائزة غونكور الأصلية. علاوةً على ذلك، تُحقق 80% من مبيعات الكتاب الفائز بالجائزة خلال عام منحها. وعمومًا، تتضاعف المبيعات سبع أو ثماني مرات تبعًا لقيمة الجائزة الأدبية. فإذا افترضنا سعرًا تجزئة يبلغ حوالي 20 أورو (يورو) للنسخة الورقية الواحدة، فإنّ عائدات الفائز بجائزة غونكور تصل إلى حوالي 6,900,000 يورو، بينما قد لا تتجاوز 700,000 يورو لو بيع من الكتاب 35,000 نسخة فقط، وهو مبلغٌ لا يزال مُجزيًا ويُغطي تكاليف الاستثمار (الإنتاج، وحقوق الملكية الفكرية، والتوزيع). للإشارة فإنّ الكتاب الذي حطم الأرقام القياسية هو صاحب “مُلتَقانا هناك في الأعلىAu revoir là-haut ” لبيار لوماتر Pierre Lemaître، الصادر عام 2013 عن دار “ألبان ميشال Albin Michel”، الذي بيع منه مليون نسخة في ثلاثة أشهر بعد فوزه بجائزة غونكور. ويمثل هذا عائدات بلغت 22.5 مليون يورو وأرباحاً صافية قدرها 4.5 مليون يورو. لقد أصبح الكتاب بلا شك أحد أبرز منتجات الصناعات الثقافية(في فرنسا و عالمها الفرونكوفوني).
**
*الأدب نعم ، لكن بأي ثمن؟ LE PRIX DE LA LITTÉRATURE
-كما ذكرت في هذا الملف، استحوذت دور “غاليغراسايْ” (وحش الهيدرا ثلاثية الرؤوس!) العملاقة على ما يقارب نصف جوائز “ميديسيس، وإنترالييه، ورينودو، وغونكور منذ تأسيسها. وبينما تبدو دار “أكت سود/ أعمال الجنوب/ Actes Sud” للنشر، و تبدو أنها تتبوأ مكانة “الخيار الثالث” بين غاليمار وغراسيه (تجدر الإشارة إلى فوزها بأربع جوائز غونكور في السنوات الست الماضية)، إلا أن التشويق لم يعد في ذروته. يكمن التشويق -في الواقع-في أن جوائز الأدب، بمساعدة دور النشر والنقاد، تكون -قد رتبت مراسم منح الجوائز والتكريمات-. و هنا مربط الفرس! لأنّ هذا الترتيب (أو الكولسة) يثير تساؤلات كثيرةCette mise en scène questionne . إنه أشبه بستار، فما نراه أمامنا هم الممثلون، من أعضاء لجنة التحكيم الذين يجتمعون للمناقشة، ثم التداول، وأخيراً تُمنح الجائزة. لكن من المهم التساؤل عما هو مخفي(في الكواليس)! و أيضا عن ما لا يُكشف!. ففي الكواليس، كل شيء معروف، والجميع يعرف بعضهم بعضاً. نحن في باريس، في قلب المشهد الثقافي، بين رجال بيض في الخمسينيات من عمرهم. لا تكمن الأهمية فيما يُعرض في وسائل الإعلام، ولا في اسم الفرقة الموسيقية المرفقة بالكتاب، ولا في اللقب الإضافي الممنوح للمؤلف، بل فيما لا يُعرض لنا، و يُحجب عنّا!.
**
-يجب أن نفهم، فإذا لم يُذكر الفساد والرشوة هنا بصريح العبارة، فذلك لأن المسألة أعقد من ذلك بكثير. إن تعديل لوائح أكاديمية “غونكور” لمنع أعضاء هيئة المحلفين من العمل لدى دور النشر لا يُغير شيئًا. وكما قال ميشيل تورنييهMichel Tournier، ثمة “فساد عاطفيcorruptions sentimentales”، (و كما أقول دائما العاطفة هي مفسدة لكل شيء لأنها تستند إلى الهوى النفسي الخاص!)؛ أي تواطؤ بين النقاد الأدبيين ودور النشر وهيئات المحلفين. علاوة على ذلك، -لا ينفي هذا احتمال أن يكون أحد المحلفين مؤلفًا منشورًا أو محررًا سابقًا- في دار نشر معينة!.
**
-لهذا لا يجب أن ينفلت عن نصب أعيننا، أنه يمكن للجوائز الأدبية، بوصفها مؤسسة رسمية لإضفاء الشرعية الفنية، أن تمارس شكلاً من أشكال الرقابة اللغوية والأيديولوجية والعنصرية حتى « exercer une forme de censure à la fois linguistique, idéologique et raciale ». تعالوا و لنأخذ مثالاً ملموساً: -جائزة غونكور لعام 1932-.
حيث مُنحت الجائزة لِ “غي مازلينGuy Mazeline عن روايته “الذئابLes loups”. الغريب في الأمر أنه لن تجدوا أي طبعة حديثة من هذا العمل، إذ طواه النسيان في تاريخ الأدب تماما. في العام نفسه، كان “لويس فرديناند سيلين Louis-Ferdinand Céline المرشح الأوفر حظاً عن روايته العظيمة، التي تُعتبر اليوم تحفة من روائع الأدب العالمي: “السفر إلى آخر الليلVoyage au bout de la nuit”. إلا أن أكاديمية غونكور لم تمنحها الجائزة. ما السبب؟ . لقد وُجهت إليها انتقادات لمخالفتها قواعد(كلاسيكية) كاللياقة اللغوية. هنا نجد أول حالة، شائعة نسبياً، للرقابة اللغوية. مع ذلك، الجديد هو أن لجنة التحكيم وافقت في الأسبوع السابق على منح الجائزة لسيلين. طيّب ماذا حدث في هذه الأثناء؟ حيث نشرت دار غاليمار كتاب مازلين، وهي دار نشر كانت بطيئة في نشر كتاب سيلين. عندها لجأ مضطرا الكاتب إلى دار النشر البلجيكية الصغيرة دينوال إي ستيل Denoël et Steele لتسريع عملية النشر. قد يظن المرء أن غاليمار، التي كان لها حضور قوي في لجنة التحكيم من خلال رولان دورجيليه وراؤول بونشون، ربما أثرت على التصويت. تنتهي القصة على النحو التالي: تدين سيلين “قذارة” و”تفاخر” الأوساط الأكاديمية. حتى اليوم، يبقى انقلاب موقف بعض أعضاء لجنة التحكيم الذين أرادوا التصويت لسيلين ثم تحولوا إلى مازلين أمرًا محيرًا إلى حد ما. في النهاية، استعادت “غاليمار” حقوق التأليف والنشر لعمل سيلين: دائمًا ما تنتهي القصة بشكل جيد لدور النشر الكبرى!.
**
*-الإمّعَوية- أو “المُطابَقَيّة” الأدبيةLE CONFORMISME LITTÉRAIRE:
-إنّ أخطر عواقب الجوائز الأدبية هو أنها، رغم كونها في الأصل (أو ظاهرا) نوعًا من الرعاية الأدبية، قد استُحوذ عليها من قِبل صناعة الثقافة. استثمرت الرأسمالية المالية في المجال الثقافي مبكرًا، وهيمنت عليه تمامًا في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. للتذكير، لقد وُلدت صناعة النشر في مارس 1853 عندما افتتحت دار “هاشات Hachette” للنشر مكتبة في محطة قطار باريسية. واستمرت صناعات الثقافة في النمو، لتشمل الآن جميع المجالات الفنية، من السينما إلى الرقص و الفنون الأخرى، بما في ذلك المسرح. اليوم في فرنسا، هناك خمس مجموعات رئيسية: Editis (Le Robert، 10/18، Nathan، إلخ) مملوكة لـ Vincent Bolloréفانسون بولوري، وHachette (Fayard، Grasset، Stock، Livre de poche، إلخ) المملوكة لأرنود لاغاردار، Madrigall (Gallimard، Flammarion، P.O.L.، Denoël، إلخ) مملوكة لأنطوان غاليمار، La Martinière. (سويل، بوينتس، الخ) والمشاركات الإعلامية (كتب الأطفال). تنتمي هذه المجموعات الخمس الرئيسية كلها و جميعها إلى المليارديرات والمليونيرات الفرنسيين الذين يمتلكون شركات كبيرة أخرى في المجال الثقافي.
**
-عمليا تتيح “مجموعات دور النشر” المذكورة هنا لمؤلفيها توزيعًا واسعًا للغاية. نتناول على سبيل المثال، “دار غراسيه Grasset و التي تعتبر جزءًا من -مجموعة هاشات للنشر”، المملوكة لشركة الميلياردير “لاغاردير”. و تمتلك مجموعة “لاغاردير” أيضًا مؤسسة “رُلايRelay” المشهورة، المتحكمة قي سوق الكتب و النشر و مشتقات الثقافة كمنتوج ، وبالتالي يمكنها توزيع الكتاب على جميع المكتبات في فرنسا. وينطبق الأمر نفسه على دار “إديتيسEditis” وغيرها. وهكذا نشهد توحيدًا(موجّه و مُبيّت له اقتاصاديا مذ البدء) في استهلاكنا الأدبي(المُوجّه!). -و منه تُقدّم هذه -الاحتكارات الكبيرة- الكتب نفسها بكميات هائلة. كما تنشر دور النشر النوع نفسه من الكتب بكميات هائلة لإرضاء المسيرين و المُدراء الكبار. و سعادة المدراء الموجهون لهذه السوق المحتكرة تزداد أكثر عندما -تفوز خطط و ترتيبات- تفضي حتما إلى فوز كتبهم المُقترحة للجمهور بجوائز أدبية. و هذه أعزائي القراء هي (الدائرة المفرغة) التي تُفرضها الجوائز الأدبية واحتكار القلة في السوق الأدبية ، و هي نفسها التي -تُنتج التنميط في استهلاكنا للكتب-!. إن حقيقة نشر أكثر من 600 كتاب (فرنسي وأجنبي) كل خريف تُربك القراء والنقاد معاً. بل تُتيح على الدوام تقريبا الجوائز التي تتم من قبل القلة التي تشرف على عملية اختيار غير موفقة!.
**
*ما هي القيمة الأدبية للأعمال الفائزة بالجوائز؟
QUELLE VALEUR LITTÉRAIRE DES LIVRES Primés ?
-من منظور مثالي فإنه لا شك أن الجوائز الأدبية تُكافئ الكتب الجيدة، ذات الأسلوب المبتكر والسرد الجذاب. وقد كان هذا هو الحال عندما مُنحت جائزة “غونكور لماثياس إينارد Matthias Enard ” عن روايته “بَوصلة Boussole” عن دار (أكت سود، 2015). و لقد وصف النقاد والقراء على حد سواء هذه الرواية بأنها “معقدة” و”عصيّة على القراءة” و”نخبوية”. ومع ذلك، ولبرهة وجيزة، نجحت هذه الرواية في -اختراق الوحش-و فرض وجودها و التوفيق بين القيمة الأدبية للكتب ومبيعاتها. لم تتردد لجنة التحكيم في مكافأة كتاب مبتكر وجاد تميز عن أعمال المؤلفين المشهورين عادةً. إلا أن الجوائز الأدبية غالباً ما تميل إلى مكافأة المؤلفين المعروفين، للتذكير فحسب (هذا ما يتعارض مع الهدف الأصلي لجائزة غونكور الأصلي!)، وإلى مكافأة الرجال بنسبة (حوالي 85%)، وإلى مكافأة المؤلفين الذين تنشر أعمالهم دور نشر كبرى (“غاليغراسودGalligrassud”، كما قد نقول اليوم!). لهذا فإن تركيز الجوائز على الأعمال غير المثيرة للاهتمام، والمتوقعة، والمتمردة بشكل زائف أو المعتدلة والمتوافقة بشكل مفرط، والتي تتسم بأسلوب كتابة رديء، يجعل المجال الأدبي مكاناً شديد الرأسمالية، حيث يتنافس فيه مدراء الكتاب على دور النشر الخاصة بهم متوقعين في ذلك عائداتهم المالية!.
بينما تُمنح مثلا جائزة نوبل في الأدب ل”بيتار هاندكهPeter Handke، الكاتب النمساوي -العظيم-، و الذي قدّم لنا مواطنه “توماس برنهاردتThomas Bernhardt” لمحةً فكاهيةً رائعةً في ثمانينيات القرن الماضي:
“لطالما تساءلتُ عن مغزى هذه الأكاديمية(مُتحدثا عن أكاديمية نوبل)، وكنتُ أعود دائمًا إلى استنتاجٍ مفاده أن مثل هذا المغزى لا يمكن أن ينبع من جمعيةٍ لم تُؤسس في نهاية المطاف إلا لخدمة نرجسية أعضائها المغرورين ببرود، يجتمعون مرتين في السنة ليمدحوا أنفسهم، وبعد الاستمتاع برحلةٍ فاخرةٍ على نفقة الدولة، وتذوّق أشهى المأكولات البرجوازية والمشروبات الفاخرة في أماكن مرموقة، كل ذلك ليقضوا أسبوعًا تقريبًا يدورون حول وعاء هراءهم الأدبي الباهت والقديم.”.
**
*توماس برنهاردتThomas Bernhard,، جوائزي الأدبية.
-ومثل توماس برنهاردت،كان كتّابٌ كبار رفضوا الجوائز الأدبية. ولعلّ أشهرهم هو الفرنسي “جون بول سارترJean-Paul Sartre ، الذي رفض جائزة نوبل في الأدب. و برر “سارتر” موقف رفضه و موضحًا أن- الكاتب لا يمكن أن يكون مؤسسة، وأن رفض أي جائزة هو شكل من أشكال الصدق و الاحترام تجاه قرائه-. في الواقع، لم يكن جون بول سارتر بوسعه قبول أي تقدير رسمي نظرًا لبعض التزاماته و لموقفه من القضايا السياسية والاجتماعية، فلم يكن بوسعه، ولا برغبته، في إلزام المؤسسة بأكملها بقضيته.
على صعيد آخر في فرنسا، كان الكاتب الوحيد الذي رفض جائزة “غونكور” هو جوليان غراك Julien Gracq عام 1951 عن روايته “شاطئ السرتيات Le Rivage des Syrtes”، التي تميزت بجمالها النادر والثمين. كان غراك، الذي كان منعزلًا إلى حد كبير عن أضواء وسائل الإعلام، قد أبلغ أكاديمية غونكور بنيته في عدم الترشح للجائزة، وأن يكون، على حد تعبيره، “غير مرشح”. ومع ذلك، تم اختياره. لم يرغب على حدّ بيانه للأكاديمية المرموقة في “تقديم نفسه كبطل للفضيلة”، ولذلك لم يتمكن من قبول الجائزة. وتابع: “لكنني مع ذلك لا أريد لأحد أن يظن أنني، بعد أن ثبطت عزيمة بعض الشباب (فإنّ عددا قليلا منهم اطمئنوا) عن السعي وراء الجوائز الأدبية، أفكر الآن سرًا في مساعدة نفسي أوّلا!.”
و رغم ذلك و ضد رغبةً و نوايا الكاتب، فقد منحه هذا الرفض مزيدًا من الاهتمام الإعلامي. و بيعت من رواية “شاطئ السَّرتيات” نسخ أكثر مما يباع عادةً للفائزين بجائزة غونكور، إذ بلغت مبيعاتها 110,000 نسخة في السنة الأولى و175,000 نسخة في السنة الموالية. وهكذا خُلّد اسم جوليان غراك إلى الأبد، رغم أنه لم يكن يرغب فيه.
-من مفارقات الجوائز هناك من رفضها لأسباب أكثر غرابة كالكاتب “ألبير قصيري Albert Cossery” -رائد فلسفة الكسل!-الذي رفض جائزة، كون توقيتها تزامن مع وقت نومه! وُلد الروائي الفرنسي “ألبار كوسيري” عام 1913 في مصر -القاهرة، و هو من أصول سورية أرثوذكسية.
-فمن يا ترى هؤلاء الحائزون على جائزة نوبل و الذين رفضوها؟
-كتب “ناوومي ماروا NOÉMI MAROIS، ملفّا نُشر في 4/10/2017 (يوروب 1Europe).
-أُضطرّ ثلاثة ألمان إلى التنازل مؤقتًا عن جائزتهم لأن “ألمانيا النازية” رفضت هذا النوع من التكريمات و الجوائز. إذْ تُعتبر “جائزة نوبل” واحدة من أرفع التكريمات التي تُمنح تقديرًا لجهود العمر بالنسبة للمُكرّم. هذا ما يعتقده غالبية الحائزين المحظوظين. لكن مع ذلك، رفض عدد قليل من الحائزين على جائزة نوبل استلام هذه الجوائز المرموقة. أحيانًا تحت ضغط .
إليكم إذن هذه الشخصيات التي لم ترغب أو لم تستطع استلام جائزة نوبل.
-لو دوك ثوLe Duc Tho : سلام؟ أي سلام؟ . تُعد جائزة نوبل للسلام الممنوحة كل عام، واحدة من أكثر الجوائز ترقبًا في العالم، وهي أيضًا الأكثر إثارة للتكهنات. ومع ذلك، في عام 1973، لم يُكتب النجاح للإعلان. في ذلك العام، قررت “ستوكهولم” تكريم سياسيين اثنين معاً الأوّل هو : وزير الدفاع الأمريكي “هنري كيسنجرHenry Kissinger، والدبلوماسي الفيتنامي لي دوك ثو. كان لهما دورٌ في اتفاقيات باريس للسلام، التي وُقِّعت في 27 يناير من ذلك العام. مهدت هذه الاتفاقيات الطريق لوقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأمريكية من فيتنام بعد سنوات من الحرب.
بينما قبل الأمريكي (موضوع الجدل) هنري كيسنجر الجائزة، رفضها نظيره الفيتنامي، معتقدًا أن “السلام لم يُرسَخ بعد”. وقد أثبت التاريخ صحة رأيه. فعلى الرغم من سحب الولايات المتحدة قواتها نهائيًا في مارس 1973، إلا أن الهجمات والكمائن والهجمات المسلحة استمرت في انتهاك اتفاقيات باريس للسلام حتى عام 1975!.
بالنسبة لِجون بول سارتر،حيث ينص الموقع الرسمي لجائزة نوبل على أن جائزة نوبل في الأدب مُنحت لجون بول سارتر “لإسهاماته الأدبية الغنية بالأفكار، والتي أثرت، من خلال روح الحرية وسعيها وراء الحقيقة، تأثيرًا بالغًا على عصره”. مقالات فلسفية (الوجود والعدم، الوجودية- إنسانية(L’Être et le Néant, L’existentialisme est un humanisme))، روايات (الغثيان، طرق الحرية)، مسرحيات (فضاءات مغلقة، أيادٍ قذرة)… كان الكاتب، المعروف بانخراطه السياسي في حركات اليسار المتطرف، غزير الإنتاج. لكن الفرنسي، المولود في باريس، عُرف أيضًا بطبيعته الصارمة، لدرجة أنه حتى قبل حصوله على جائزة نوبل، سارع إلى كتابة رسالته فور علمه بأنه من بين المرشحين الأوفر حظاً. في رسالة موجهة إلى أكاديمية نوبل، أوضح أنه “لا يرغب في أن يكون اسمه مدرجاً في قائمة المرشحين المحتملين”. وصرح مسبقاً بأنه في حال حصوله على جائزة نوبل، فإنه يقول : “لا يمكنني ولن أقبل هذا التكريم الفخري، لا في عام 1964 ولا بعده(…) علما أنه بعد تأكيد حصوله على جائزة نوبل، لم يتخلَّ عن موقفه و لا عن عمله، إذ أوضح في بيانٍ للصحافة السويدية مساء إعلان فوزه بالجائزة: “هذا الموقف مبنيٌّ على مفهومي لعمل الكاتب. فالكاتب الذي يتخذ مواقف سياسية أو اجتماعية أو أدبية، لا ينبغي له أن يستخدم إلا الوسائل الطبيعية المتاحة له، أي الكتابة و فقط. وكلّ التكريمات التي قد يحصل عليها تُعرِّض قرّاءه لضغطٍ لا أراه مرغوبًا فيه”. وأضاف موضحًا أن قبول جائزة نوبل في الأدب كان سيحوّله إلى “مؤسسة”، و”يرفعه إلى درجة التمثال المُنزّه المقدّس “، في حين أنه يرى لم يكن قد “أنجز بعدُ ما عليه، ولم ينل حريته، ولم يلتزم بما أنجزه، ولم يكرّس نفسه للعمل بشكل مُطلق، و مُرضٍ “.
**
-أمّا “بوريس باسترناكBoris Pasternak، عند تعيينه صرّح أنه “تكريم لا أستحقه”. في 29 أكتوبر 1958، أي بعد أيام قليلة من منحه جائزة نوبل في الأدب، تلقت الأكاديمية السويدية رسالة من الكاتب الروسي جاء فيها: “نظراً للأهمية التي توليها الجمعية التي أنتمي إليها لهذه الجائزة، فأنا مضطر لرفض هذا التكريم الذي لا أستحقه والذي عُرض عليّ”. وُلد الكاتب باسترناك في روسيا القيصرية(الاتحاد السوفييتي)، وشهد الثورة الروسية عام 1917، وبدأ مسيرته كشاعر، لكنه سرعان ما أصيب بخيبة أمل: فقد اعتُبرت أعماله ذاتية للغاية، ومركزة على الماضي… باختصار، بالنسبة للكاتب و لفرط مثاليته كان يعتبر محبطاً إيديولوجيا “لم تحصل اشتراكية بما فيه الكفاية”. انزوى الكاتب المبدع (أصوله لعائلة يهودية) على نفسه، وهو يشاهد أقاربه، و زملائه من الكتاب يُحكم عليهم بالسجن في معسكرات الإبعاد و العمل القسري في الجحيم الأرضي كما يسمّى و هي منطقة (الغولاغ). وبينما كان يكسب رزقه من ترجمة أعمال شكسبير وغوتهShakespeare et de Goethe ، نُشرت روايته الأبرز، “دكتور جيفاغوLe Docteur Jivago ، في إيطاليا عام 1957. وكانت بمثابة قنبلة للسلطات السوفيتية. “مهاجر الداخل Emigrant intérieur”، “متعجرف حاقدsnob malveillant”، و “هراء رجعي”… لهذه المواقف الإيديولوجية الخاصة شنت ضده الصحافة الخاضعة لنفوذ الكرملين حملةً شرسةً و معاديةً للسامية ضد الكاتب، الذي اعتبروه خائنًا. في ظل هذا المناخ، هل كان أمام بوريس باسترناك، الذي رفض مغادرة الاتحاد السوفيتي، شأنه شأن بطله “يوري جيفاغو”، أيّ خيار سوى رفض جائزة نوبل التي مُنحت له؟ توفي الكاتب بعد عام ونصف، و ذُكِرَ أنّهُ قال على فراش الموت مقولة تناقضت مع ما عاناه و لاقاه في حياته من حيف و احباط و ظلم بسبب أفكاره المعارضة: “إن الحياة، رغم كل شيء، كانت “جميلة، جميلة جدًا”.
-و كما رفضت “ألمانيا النازية” الحصول على ثلاث جوائز نوبل. في ثلاثينيات القرن العشرين، إذْ كرّمت أكاديمية نوبل ثلاثة علماء ألمان: ريتشارد كونRichard Kuhn (1938) وأدولف بوتيناندت Adolf Butenandt (1939) في الكيمياء، وجيرهارد دوماغت Gerhard Domagt في الطب (1939). و لم يتسلم أي منهم جوائزه فورًا. ففي عام 1936، مُنح الألماني كارل فون أوسيتزكيCarl Von Ossietzky، الديمقراطي والمناهض للنازية، جائزة نوبل للسلام. أثار هذا الأمر غضب السلطات النازية، فأمرت المواطنين الألمان برفض هذا التكريم. ولم يلقَ هذا الأمر بالضرورة معارضة من الحائزين أنفسهم. فقد كان الكيميائي ريتشارد كون، على وجه الخصوص، مخلصًا للنظام النازي، على عكس زميله جيرهارد دوماغت، الذي قضى أسبوعًا في سجن “الجستابو gestapo” الشرس في معاملة مساجينه بعد إعلان فوزه بجائزة نوبل. ولم يتمكن الباحثون الألمان الثلاثة من استلام جوائزهم لِ نوبل إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
**
*ماذا عن فضائح جائزة “نوبل”؟:
إنّ وفاة أستاذة الأدب “سارة دانيوسSara Danius”، و هي الأمينة العامة والدائمة السابقة للأكاديمية السويدية. (جنس، اغتصاب، تحرّش، تلاعبات، اختيارات مسبقة!).
-لم يخطئ “جون بول سارتر ” و لا الكاتب الروسي بوريس باسترناكBoris Pasternak و آخرون في ترفعهم ككتاب عن جائزة نوبل و رفضهم لاستلامها؛ رغم أن هذه الجائزة في تلك الألفية كانت بصحة تكاد أن تكون معقولة و مرضية مقارنة بإنحطاطية اليوم . فمذ زمن و أنا أُقرّ عن قناعة أن جائزة نوبل في حدّ ذاتها فاقدة للمصداقية المُطلقة و أنّها كغيرها من المؤسسات و الهيئات الدولية الغربية على صلة بالفساد الأخلاقي، بل شبهتها في ملف انطباعي من ملفاتي بمجلس الأمن الدولي و بالفيدرالية العالمية لكرة القدم (الفيفا). لهذا ارتأيت في هذا الملف توعية القارئ العربي بإظهار ما يلي من خلال ما كُشف عن هذه الجائزة، و ما جاء مثلا في صحيفة “لوموند Le Monde” يثبت مدى تضارب المصالح و تشعبها داخل هذه الأكاديمية.
-وفقا للصحيفة المرموقة الفرنسية ذات الصيت العالمي: /انضمت “سارة دانيوس” أستاذة الأدب بجامعة ستوكهولم إلى الأكاديمية عام 2013، ثم أصبحت أمينتها الدائمة بعد مرور عامين، لتكون بذلك -أول امرأة- تشغل هذا المنصب منذ تأسيس “الأكاديمية السويدية” عام 1786. الملف و تفاصيل الفضيحة نُشر في صحيفة لوموند بتاريخ 12 أكتوبر 2019 إثر خبر وفاة الكاتبة الأكاديمية إثر إصابتها بسرطان الثدي. كانت تبلغ من العمر 57 عامًا. ويأتي خبر رحيلها بعد يومين فقط من منح لجنة نوبل التابعة للأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب لعام 2018 للكاتبة البولندية “أولغا توكارتشوكOlga Tokarczuk، وجائزة عام 2019 للكاتب النمساوي “بيتر هاندكهPeter Handke”.
-هذا الدور المرموق جعل من هذه المفكرة الشغوفة بالموضا صوت الأكاديمية ووجهها اللطيف!. أشرفت على انضمام الكاتبة البيلاروسية “سفيتلانا أليكسييفيتشSvetlana Alexievitch”، ولكن الأبرز كان انضمام -المقرّب منها جدا- المغني الأمريكي المشهور و الأسطورة في الثقافة الغربية “بوب ديلانBob Dylan – وهو اختيار تحمّلت مسؤوليته و أعلنته “سارة دانيوس” صراحةً، ولكنه أثار ردود فعل قوية في الأوساط الأدبية”. / وقتها قلت في نفسي، هنا انتهت أسطورة نوبل و سقط القناع و تهاوت قيمة هيئة كانت تدّعي أنها راعية أفضل الأعمال الأدبية في العالم، المغنّي الراقص “بوب ديلان” ، المدّعي الشعر و الأدب يُكرّم بهكذا جائزة! . و قلت وقتها أنه رغم لهاث الكثير من -الحمقى- من الكتاب العرب وراء هذه الجائزة، فلو كانت الأمور في نصابها في وطننا العربي (سياسيا خاصة و اقتصاديا) و اجتماعيا لآنبخسَت هذه الجائزة أمام قوة الأدب العربي و لَأصبحت هذه الجائزة لا تليق استحقاقاً بكاتب حقيقي من كتابنا الكثر، و لتزلّف الأكاديمية السويدية بكل مثقفيها من الغرب الإمبريالي ليُختار كاتب عربي قلادة الجائزة حتى يرتفع شأنها أكثر ! لكن هيهات!(ل.خ).
“Et j’avais dit à l’époque que, malgré l’empressement de nombreux écrivains arabes – naïfs – à convoiter ce prix, si la situation était stable dans notre patrie arabe (notamment sur les plans politique, économique et social), ce prix aurait perdu de son prestige face à la force de la littérature arabe, et il ne serait plus digne d’un véritable écrivain parmi nos nombreux vrais auteurs respectueux. L’Académie suédoise, avec tous ses intellectuels issus de l’Occident impérialiste, aurait flatté un écrivain arabe pour qu’il choisisse la médaille du prix, afin d’en rehausser encore le prestige ! Hélas ! (L.Khelfaoui.)”
*
-هذي مثلا فضيحة أرنوArnault: في أكتوبر2017، أين منحت الأكاديمية جائزة نوبل للكاتب البريطاني “كازو إيشيغوروKazuo Ishiguro”، في خطوةٍ و سابقة اعتُبرت عودةً إلى النهج التقليدي لمؤسسةٍ -غارقةٍ في الجدل داخليًا وخارجيًا-. ولكن بعد أسابيع قليلة، وفي خضم الحملة الفضائحية -الهشتاغية- أو حركة #MeToo/ “أنا أيضا-Moi aussi- حيث اتهمت 18 امرأة شخصيةً مؤثرةً في المشهد الثقافي السويدي بالتحرش والاعتداء في مقالٍ نُشر في صحيفة “داغنس نيهيترDagens Nyheter” و هي صحيفة يومية رائدة. وكان “جون كلود أرنوJean-Claude Arnault”، وهو فرنسي في السبعينيات من عمره، متزوجًا من عضوةٍ في الأكاديمية، ويتلقى أيضًا دعمًا سخيًا منها، مُتباهيًا علنًا بكونه “العضو التاسع عشر« 19e membre »” فيها، ووفقًا لشهود عيان، كان يُهمس بأسماء -الفائزين المستقبليين بجائزة نوبل لأصدقائه-(يعني كل شيء كان مرتبا و مخطط له و ممنهجاً).. كما كشفت الفضيحة عن غموض آليات عمل الأكاديمية، والتنافس بين أعضائها، وتنديد من مؤيدي سارة دانيوس بقوى “النظام الأبوي” العاملة داخل الأكاديمية، -وثقافة الصمت- التي حمت الفرنسي”./.
**
فشهدت الأكاديمية السويدية منذ ذلك الحين الفاضح استقالة عدد كبير من أعضائها. بما في ذلك تخلي السيدة “دانيوس نفسها عن منصبها كأمين عام دائم في أبريل2018 مع احتفاظها بمقعدها. ونظرًا لعدم اكتمال النصاب القانوني المطلوب بموجب النظام الأساسي لاختيار الفائز بجائزة نوبل، اضطرت الأكاديمية إلى تأجيل إعلان جائزة نوبل لعام 2018 لمدة عام، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ الحرب العالمية الثانية!. ومنذ ذلك الحين، تم شغل المناصب الشاغرة وتعديل النظام الأساسي للأكاديمية. وفي فبراير 2019، أعلنت “سارة دانيوس” استقالتها النهائية من مقعدها في الأكاديمية.”/.
**
“الموقع لأهم منصة إعلامية فرنسية “فرانس أخبار France infos تكتب عن فضائح “نوبل” في ملف خاص: (في أعقاب فضيحة جنسية، لن تمنح الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب لعام 2018).نُشر في 4/5/2018.
-كان جون كلود أرنوJean-Claude Arnault ، زوج إحدى عضوات لجنة تحكيم لجائزة نوبل في الأدب، و هو متهم بالاغتصاب والتحرش الجنسي من قبل 18 امرأة.
-و أعلنت مؤسسة نوبل يوم الجمعة 4 ماي بأنه لن تُمنح جائزة نوبل في الأدب لعام 2018. ويأتي هذا القرار بعد الكشف عن اتهامات موجهة ضد زوج إحدى عضوات الأكاديمية السويدية، التي تختار الفائز بالجائزة كل عام. “جون كلود أرنو”، هذا المصور الفرنسي وزوج الشاعرة “كاتارينا فروستنسونKatarina Frostenson”، متهم بالاغتصاب أو الاعتداء الجنسي أو التحرش الجنسي من قبل ما لا يقل عن 18 امرأة. وذكرت الأكاديمية السويدية في بيان صحفي: “سيتم منح جائزة نوبل في الأدب لعام 2018 والإعلان عنها في نفس وقت الإعلان عن الفائز بجائزة عام 2019”. و أضاف بيان المؤسسة السويدية المشبوهة -حتّى لا يُشكّك في مصداقية الجوائز الممنوحة في السنوات الماضية- “و لن تتأثر جوائز نوبل الأخرى بهذا القرار. توضح ذلك في ختام بيان أكاديمية نوبل، و أنه قد يتم تأجيل تعيين الفائز بالجائزة عندما تكون المؤسسة التي تختاره في وضع “معقد للغاية لدرجة أن القرار بشأن الجائزة لن يُنظر إليه على أنه ذو مصداقية”./
**
-كما أقول دائما لا يمكن لأي جائزة أن تنأى عن الفساد، فالأدب السائد عالميا هو مرآة جوائزه حتى و لو كانت جائزة نوبل!
فيضيف مفصلا تقرير “فرانس آنفو” حول ما عنونه واصفا بِ “تضارب المصالح والتسريبات الصحفية”: إذْ يقف الفرنسي “جون كلود أرنوJean-Claude Arnault” في قلب هذه القضية الزوبعة. ففي نوفمبر و في تمام ذروة الحملة الحركية الفضائحية(أنا-أيضاً) #MeToo، و كما أسلفنا الذكر اتهمته 18 امرأة بالاعتداء أو التحرش الجنسي في صحيفة داغنس نيهيتر السويدية اليومية. كما نفى جميع أعضاء الأكاديمية السويدية الحاليين علمهم بالاعتداءات التي يُتهم بها المصور المؤثر. علماً، وفقًا لتقرير داخلي أُعدّ بعد الكشف عن هذه الفضائح، فلقد تلقت الأكاديمية السويدية رسالة احتجاج تفصيلية في عام 1997 بشأن حوادث مماثلة، و لكنه و للأسف الشديد لم يُتّخذ أي إجراء!(سياسة التكتم و الصمت كانت أقوى ). وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يُزعم أن العديد من الضحايا تعرضن للاعتداء في مبانٍ تابعة للأكاديمية السويدية(فضاءات أرقى جايزة في العالم في تاريخ البشرية عبارة عن مواخير في ظل الصمت المتعمّد)، لأنّ حسب رأيي و تجربتي فإن الفساد الأخلاقي هو عنصر -خيميائي- يكاد أن يكون ضرورة لجملة من العناصر لقيام هكذا مؤسسات ثقافية في المشاهد الأدبية العالمية و المحلية و الاقليمية .
**
-و (بعد خراب مالطة!)، قطعت الأكاديمية السويدية علاقاتها الوثيقة مع جون كلود أرنو. علما أن هذا الأخير قد استفادكما ذكرنا بشكل ملحوظ من دعم سخي من الأكاديمية لاستثمار المعارض ومساحاتها و التي كان يديرها في ستوكهولم، والتي أُغلقت لاحقًا. وقد انتهكت هذه الإعانات قواعد الأكاديمية بشأن تضارب المصالح، بحكم أن زوجة المصور هي أكاديمية أيضًا، كانت تمتلك نصف أسهم المكان. و أُتهمَ جون كلود أرنو أيضاً، وفقاً لهذا التحقيق الداخلي، بتسريب أسماء الفائزين بجائزة نوبل في الأدب إلى وسائل الإعلام. ويستشهد التقرير كمثال وحيد على ذلك بتوقف أحد مواقع المراهنات الإلكترونية عن تقديم خدمات المراهنة قبل منح الجائزة لجون ماري غوستاف لو كليزيو Jean-Marie Gustave Le Clézio en 2008 عام ٢٠٠٨.
**
-وقد استقال ستة من أصل ثمانية عشر عضوًا. وأعلن مكتب المدعي العام في ستوكهولم في منتصف مارس عن إسقاط جزء من التحقيق الأولي الذي فُتح ضده بسبب التقادم أو لعدم كفاية الأدلة. هذه مزاعم اغتصاب واعتداءات وقعت في عامي 2013 و2015. ولم تُكشف تفاصيل القضايا التي لم تُحل. استقالة ستة من أعضاء الأكاديمية السويدية البالغ عددهم 18 عضوًا في أعقاب الفضيحة التي أحدثت انقسامًا و شرخا كبيرا في مصداقية المؤسسة. إذ للتذكير كانت من بينهم تلك الأمينة الدائمة، سارة دانيوس، التي تحدثت عنها و قد طُلِبَ من الشاعرة و زوجة المصور، “كاتارينا فروستنسون”، بالتنحي، إلا أنه رفض الأكاديميون هذا الطرد في تصويت عام!. ومع ذلك فقد قررت المشبوهة “كتارينا فروستنسون” التنحي. من الناحية النظرية، بحيث -عرفا- لا يستطيع الأكاديميون السويديون الاستقالة، بل يمكنهم فقط ترك مقاعدهم شاغرة!.(كما هو مقعد الأدب الحقيقي، مازال شاغرا!). للإشارة فإن تبعات هذه الفضيحة أنه -في ذلك الحين و الزمن – لم يتبقَّ سوى 11 عضوًا نشطًا في الأكاديمية. بينما يلزم وجود 12 عضوًا، لا سيما للتصويت على تعيين أعضاء جدد.”.
-فلا تحدثوني عن الجوائز الأدبية أرجوكم!
****
-مارس 2026————
**تنبيه: هذا المخطوط، لم يتمّ -تدقيقه- لغويا بصفة نهائية.
*© كل التعابير و المصطلحات الغريبة عن المعجم العربي الكلاسيكي هي مصطلحات خاصة بمعجم الكاتب الخاص(ل.خ)، يجب ذكر مصدرها أثناء استعمالها احتراما للملكية الفكرية.
**-(ل.خ) (L.K)
*لخضر خلفاوي، أديب، مفكّر، مترجم، إعلامي و فنان تشكيلي (جزائري-فرنسي)
*Lakhdar Khelfaoui, écrivain, penseur, traducteur, journaliste et artiste peintre (Franco-algérien).


منبر العراق الحر منبر العراق الحر