منبر العراق الحر :
⏺️ المقدّمة:
في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بمدى الرغبة في التغيير، بل بقدرة هذا التغيير على إنتاج واقعٍ أكثر استقرارًا أو أقل كلفة. فالتاريخ السياسي مليء بحالات أُزيحت فيها شخصيات نافذة بدافع كسر المعادلة القائمة، لتُفتح بعدها أبواب على سيناريوهات أكثر تعقيدًا وغموضًا. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل كل ما هو غير مرغوب يجب إزالته، أم أن بعض “الخصوم المعروفين” يشكلون في الواقع جزءًا من توازن دقيق يمنع الانزلاق نحو المجهول الأخطر؟
في هذا السياق، لا تُقاس الأحداث داخل الأنظمة المغلقة بحجمها الظاهر بقدر ما تُقاس بما تكشفه من تحوّلات عميقة في بنية القرار والتوازنات الداخلية. فإزاحة شخصية نافذة-أو حتى الحديث عن إزاحتها-لا تعني بالضرورة إضعاف النظام، بل قد تكون مؤشرًا على انتقاله من مرحلة يمكن فهمها إلى مرحلة أكثر غموضًا وتعقيدًا. ومن هنا، لا يُقرأ ما يجري من زاوية الأشخاص بقدر ما يُقرأ من زاوية النمط: هل ما زال النظام يعمل ضمن قواعد يمكن التنبؤ بها، أم أنه يدخل تدريجيًا في فضاء “المفاجأة الاستراتيجية” حيث تتراجع القدرة على التقدير وتزداد احتمالات الانزلاق نحو خيارات أكثر حدّة؟
وعليه، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بالحدث بحد ذاته، بل بطبيعته: هل نحن أمام إعادة ترتيب داخلية محسوبة، أم أمام لحظة كسر في نمط السلوك السياسي والأمني؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان ما يجري يمثل استمرارًا لمنطق يمكن احتواؤه، أم بداية لمرحلة يصبح فيها “المجهول” هو العامل الأكثر تأثيرًا في رسم المسار القادم.
1️⃣ الخصم المعروف:
نظرية “الشيطان الذي تعرفه”
(Better the Devil You Know)
في الأدبيات المتقدمة للعلوم السياسية، لا يُقاس التهديد بطبيعة الخصم فحسب، بل بدرجة وضوحه وقابلية سلوكه للتوقع. ومن هنا تبرز قاعدة “الشيطان الذي تعرفه” بوصفها إحدى الركائز غير المعلنة في التفكير الاستراتيجي، حيث يُفضَّل في كثير من الحالات التعامل مع خصم ذي سجل حتى إن كان عدائيًا على المغامرة ببديل مجهول قد يحمل مستويات أعلى من عدم اليقين والتطرف. وينطبق هذا المنطق بوضوح على الحالة الإيرانية؛ فالتعامل مع قيادة راسخة مثل خامنئي، رغم صلابتها الأيديولوجية، يظل ضمن إطار يمكن قراءته وتقدير ردود أفعاله، مقارنةً باحتمال صعود بدائل أقل اختبارًا-كخيار مجتبى أو أجنحة أكثر تشددًا—حيث يرتفع منسوب الغموض والمخاطر الاستراتيجية. وبالمثل، فإن أي حديث-في حال ثبوته—عن إزاحة شخصيات ذات تاريخ سياسي معروف مثل لاريجاني، لا يعني بالضرورة إضعاف النظام، بل قد يفتح المجال أمام قوى أكثر اندفاعًا أو أقل قابلية للاحتواء. وعليه، لا يُنظر إلى “الخصم المعروف” باعتباره خيارًا مفضّلًا، بل باعتباره الخيار الأقل كلفة والأكثر قابلية للإدارة ضمن معادلة توازن دقيقة تُقدّم إدارة المخاطر على الرغبة المجردة في التغيير.
2️⃣ نظرية الاختيار العقلاني:
تقليل المخاطر قبل تعظيم المكاسب
(Rational Choice Theory)
ضمن مقاربات الاقتصاد السياسي، تشكّل نظرية الاختيار العقلاني أحد المفاتيح الأساسية لفهم سلوك صانع القرار، حيث لا يُبنى القرار على تعظيم المكاسب فحسب، بل-في كثير من الحالات الحساسة-على تقليل المخاطر أولًا. فالعقل الاستراتيجي لا يبحث عن “أفضل سيناريو ممكن”، بقدر ما يسعى إلى تجنّب “أسوأ سيناريو محتمل”، من خلال موازنة دقيقة بين درجة عدم اليقين وكلفة الخطأ في التقدير. وفي هذا الإطار، يصبح الخيار المعروفة حتى إن كان غير مثالي أكثر قابلية للاعتماد من بديل مجهول يرفع احتمالات الانحراف أو التصعيد غير المحسوب. وينطبق هذا المنطق بوضوح على معادلة خامنئي–مجتبى، حيث يمثل الأول نموذجًا لمخاطر محسوبة يمكن قراءتها ضمن سياق سلوكي متراكم، بينما يجسّد الثاني مستوى أعلى من عدم اليقين، بما يحمله من احتمالات غير مختبرة قد تكون أكثر تشددًا أو اندفاعًا. ومن هنا، فإن صانع القرار-داخليًا وخارجيًا-يميل إلى ترجيح الخيار الذي يقلل المخاطر، حتى وإن لم يكن الخيار الذي يحقق المكاسب الأعلى، لأن كلفة الخطأ في مثل هذه البيئات قد تكون استراتيجية وغير قابلة للاحتواء.
3️⃣ إدارة المخاطر:
بين الاحتواء والسيطرة
(Risk Management)
في سياقات الأمن القومي، لا يُقاس الخطر بحجمه الظاهر فقط، بل بمدى القدرة على احتوائه والتحكم بمساراته. ومن هنا يرتكز مبدأ إدارة المخاطر على قاعدة مركزية مفادها أن الخطر المعروف-مهما كان مرتفعًا-يبقى قابلاً للاحتواء، بينما يتحول الخطر المجهول إلى تهديد مفتوح قد يخرج عن السيطرة. فالدول لا تتعامل مع النوايا بقدر ما تتعامل مع أنماط السلوك القابلة للتوقع، لأن القدرة على التنبؤ تمثّل الأداة الأساسية لتقليل المفاجآت وضبط التصعيد. وبناءً على ذلك، تميل دوائر القرار إلى تفضيل خصم يمكن قراءة ردود أفعاله ضمن نمط سلوكي معروف، على خصم غير واضح الاتجاه قد يُنتج استجابات غير محسوبة أو متطرفة. وينطبق هذا المنطق بوضوح على الحالة الإيرانية، حيث إن التعامل مع قيادة ذات سلوك متراكم-مثل خامنئي-يوفّر هامشًا أعلى للاحتواء، مقارنةً ببدائل أقل اختبارًا قد تحمل مستويات أعلى من الغموض الاستراتيجي.
4️⃣ تحليل الاستخبارات:
هرم التهديد بين المعلوم والمجهول
(Intelligence Analysis)
في أدبيات التحليل الاستخباري، يُصنَّف التهديد لا وفق شدّته فقط، بل بحسب درجة وضوحه ضمن ثلاث طبقات: “المعلوم المعروف”، و”المعلوم المجهول”، و”المجهول المجهول”-وهو الأخطر. وفي هذا السياق، تميل القيادات الراسخة—مثل خامنئي-إلى الوقوع ضمن الفئتين الأولى أو الثانية، ما يجعلها قابلة للتحليل النسبي والتعامل المحسوب. أما البدائل غير المختبرة-كاحتمال صعود مجتبى أو شخصيات أقل حضورًا-فغالبًا ما تنزلق إلى فئة “المجهول المجهول”، حيث ترتفع فجوة المعلومات وتتضاعف احتمالات المفاجأة الاستراتيجية. ومن هنا ينبع القلق، إذ لا يكمن الخطر فقط في طبيعة التوجهات، بل في غياب القدرة على استشرافها أصلًا.
5️⃣ صدمة التقدير: من المعلوم إلى المجهول…
لحظة انهيار القدرة على التقدير
“المفاجأة الاستراتيجية”
ما أثار قلق دوائر التحليل-بما فيها الصحافة الإسرائيلية الناقدة-لم يكن مجرد مضمون خطاب مجتبى، بل كسره لنمط التوقع ذاته، وهو ما يُعرَف في أدبيات الاستخبارات بـ”المفاجأة الاستراتيجية”، حيث لا يكمن الفشل في نقص المعلومات، بل في عجز النماذج التحليلية عن استيعاب التحول قبل وقوعه. وفي هذا الإطار، يتجاوز النقاش حول أي بديل محتمل لشخصية مثل لاريجاني حدود تداول الأسماء، ليتموضع ضمن معادلة “المعلوم والمجهول”، حيث يرتفع منسوب القلق كلما انتقل مركز القرار إلى فاعلين أقل اختبارًا وأكثر غموضًا.
فالمعضلة لا تكمن في تشدد البديل بحد ذاته، بل في كونه غير مُختبَر بما يكفي لتوقّع تشدده، وهو ما يضاعف احتمالات الخطأ في التقدير، ويفتح الباب أمام تكرار “صدمات التقدير” التي تفاجئ صانع القرار قبل أن يفاجئه الحدث نفسه. وعند هذه النقطة، لا يعود المشهد خاضعًا لمنطق إدارة المخاطر، بل ينزلق تدريجيًا إلى منطقة أكثر خطورة، حيث يصبح “المجهول” هو العامل الأكثر تأثيرًا في توجيه المسار.
6️⃣ الاستقرار مقابل المجهول:
عندما يصبح “الأسوأ المعروف” خيارًا عقلانيًا
في التحليل الاستراتيجي المتقدم، لا تُبنى السياسات على البحث عن “الخيار الأفضل” بقدر ما تُبنى على اختيار “الخيار الأكثر صمودًا أمام عدم اليقين”. إذ يميل صانع القرار إلى تبنّي الخيارات التي تبقى قابلة للإدارة عبر سيناريوهات متعددة، بدل المغامرة بخيارات قد تبدو أفضل نظريًا لكنها غير مضمونة عمليًا. ومن هنا، يصبح التفضيل أحيانًا لصالح “الاستقرار غير المثالي” على حساب “التغيير غير المحسوب”، ليس كخيار محافظ، بل كخيار عقلاني يضع كلفة الانهيار فوق إغراءات التحول السريع.
وفي هذا السياق، لا تُقرأ معادلات مثل خامنئي-مجتبى أو لاريجاني-البديل القادم بوصفها صراع أشخاص، بل كتحولات في مستوى “قابلية النظام للفهم”. أي الانتقال من نظام يمكن تقدير ردود أفعاله، إلى نظام يدخل في منطقة “عدم اليقين العميق”، حيث تتراجع القدرة على التنبؤ وتزداد احتمالات المفاجأة. وعليه، تتبلور القاعدة الحاكمة: ليس الهدف اختيار الأفضل نظريًا، بل تجنّب الأسوأ عمليًا، حيث قد يصبح “الأسوأ الذي نعرفه” أقل كلفة بكثير من “الأفضل الذي لا نعرفه”.
⏺️ الخاتمة: عصر المفاجأة…
حين يفشل التوقع قبل الحدث
نحن لا نقف أمام تحوّل في الأشخاص بقدر ما نقف أمام تحوّل في طبيعة النظام ذاته: من منظومة يمكن قراءتها وتحليل سلوكها، إلى بيئة تنتج مفاجآتها الخاصة. في هذا “العصر الجديد”، لا يعود الخطر محصورًا في نوايا الفاعلين، بل في قدرة النظام على توليد سلوك غير قابل للتنبؤ، حيث تتآكل تدريجيًا فعالية الأدوات التقليدية للتحليل.
وفي موازاة ذلك، يسلّط تكرار الحوادث الأمنية عالية الحساسية الضوء على تحديات داخلية تتعلق بمتانة منظومات الحماية ودرجة الاختراق الأمني، حيث لا يُقرأ الوصول إلى أهداف نوعية داخل بيئات شديدة التحصين فقط كدليل على تطور القدرات الخارجية، بل كمؤشر على وجود ثغرات مركبة داخلية.
وعليه، فإن ما بعد لاريجاني لا يُختصر في سؤال “من القادم؟”، بل في سؤال أكثر جوهرية: هل ما زال النظام قادرًا على ضبط توازناته وتأمين نواته القيادية بالكفاءة ذاتها؟ لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه أي نظام، ليس خصومه… بل اللحظة التي يصبح فيها قابلًا للاختراق أكثر مما هو قادر على الفهم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر