بين المعنى وظلّه ….بقلم رانية مرجية

منبر العراق الحر :ثمّة تحوّل لا يُرى، لا يُمسك، ولا يُروى بسهولة… تحوّل يتسرّب إلى أعمق طبقات الوعي، حيث تتأخر اللغة عن اللحاق بما يحدث. هناك، في ذلك الصمت الكثيف، يبدأ الإنسان بالتبدّل حين يسلّم نفسه طويلًا للقراءة والكتابة.

ليس الأمر تكديس ساعات، ولا اجتهادًا يُقاس بالكمّ. إنّه انزلاق بطيء نحو الداخل، نحو منطقة لا تُضيئها إلا الأسئلة. كل كتاب لا يضيف فكرة فحسب، بل يخلخل يقينًا. كل نصّ يترك شقًّا دقيقًا في بنية كنت تظنها صلبة. القراءة، في جوهرها، ليست فعل معرفة، بل فعل ارتباك نبيل… ارتباك يحرّرك من وهم الثبات.

ومع الوقت، لا تعود تقرأ لتفهم، بل لتتساءل. لا تبحث عن إجابات، بل عن أسئلة أكثر نقاءً. تتعلّم أن الحقيقة لا تسكن في ما يُقال، بل في ما يُترك، في الفراغات، في الانقطاعات، في تلك المسافة الخفية بين السطر والسطر.

ثم تأتي الكتابة… لا كفعلٍ موازٍ، بل كفعلٍ مضاد. إذا كانت القراءة تُفكّكك، فالكتابة تعيد تشكيلك — لا كما كنت، بل كما لم تتوقّع أن تكون. تكتب، فتكتشف هشاشتك أمام الفكرة، وعجزك عن الإمساك التام بما تشعر به. الكلمات تخونك أحيانًا، أو تختصر أكثر مما يجب، أو تتورّط في التكرار… لكنك، رغم ذلك، تواصل.

لأن الكتابة ليست قولًا مكتملًا، بل اقتراب دائم من المعنى. وكل نصّ تظنه مكتملًا، هو في الحقيقة اعتراف خفي بما لم تستطع بلوغه. تكتب لا لتُعلن، بل لتقترب. لا لتُثبت، بل لتسائل. لا لتُغلق، بل لتفتح.

وعند نقطة ما — لا تُحدَّد ولا تُلاحظ لحظتها — يبدأ التحوّل الحقيقي. لا تعود القراءة عادة، ولا الكتابة مهارة. تصبحان هيئة وجود. تنظر إلى العالم كما لو أنك تقرأه، وتفكّر كما لو أنك تكتبه. تفقد يقينك القديم، لكنك تكسب حساسية أعلى، قدرة أدق على ملامسة الهشاشة في كل شيء.

تدرك أن الإنسان لا يتطوّر لأنه يعرف أكثر، بل لأنه يرى بشكل مختلف. وأن العمق لا يكمن في امتلاك الإجابات، بل في القدرة على تحمّل الأسئلة، والإقامة داخلها دون استعجال الخروج.

خمسة إلى سبعة ساعات يوميًا ليست وقتًا يُستهلك، بل فسحة يُعاد فيها تشكيل الوعي. ومع الأيام، لا تتغيّر أفكارك فقط، بل تتغيّر علاقتك بكل شيء: باللغة، بالذات، بالآخرين، وبذلك الفراغ الغامض الذي يفصل بينك وبين العالم.

وفي النهاية… لا تصل. لا تكتمل. بل تصبح أكثر وعيًا بعدم الاكتمال.
وهنا، تحديدًا، يبدأ النضج الحقيقي: حين تفهم أن كل ما تكتبه هو محاولة، وكل ما تقرؤه احتمال انك تعيش دائمًا في تلك المنطقة المعلّقة… بين المعنى وظلّه.
:::

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد