منبر العراق الحر :….قراءة في استهداف حقول الجنوب وضرورة الردع الوطني…
لا يختلف اثنان على أن النفط العراقي شريان الحياة لكل عراقي، وهو المورد الذي منه نال المواطن رغيفه، وبه أعال أسرته، وأمن لولده مستقبلاً، وداوى مرضه، وبنى مسجده وحسينيته، وسافر حيث شاء… الخ .
فالعراق اليوم، بعد عقود من الجور والظلام، يدين بفضله الأول والأخير لهذه الثروة التي أعادت للأغلبية الصامدة والامة العراقية كرامتها ، ورفعت منسوب العيش إلى مستويات لم تعهدها البلاد طوال 83 عاماً من عهود الحكومات الهجينة والنظم الطائفية البائدة .
وكل الشرائع السماوية، والفلسفات الإنسانية، والسيرة العقلائية في مشارق الأرض ومغاربها، تؤكد على ضرورة حفظ المال وصيانته… ؛ بل إن الإسلام رفع منزلة الدفاع عن المال إلى مصاف الشهادة، فجعل من يُقتل دون ماله شهيداً في سبيل الله… ؛ وهل ثمَّة ما هو أغلى من المال لدى بني البشر؟
فكرامة الإنسان مرتبطة به ارتباطاً وجودياً… ؛ ولذا قدم كتاب القرآن الكريم المال على البنون في قوله : “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، إيذاناً بأسبقيته في قوام العيش.
إن المال في بعض أحواله يساوق الحياة والحرية؛ لذا قيل: “قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق”… ؛ وقيل أيضاً: لا قيمة للحرية من دون رغيف الخبز، لأن الفقر هو عدو الإنسان الأول… ؛ والفقر، في هذا السياق، ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو تهديد وجودي للإنسان والمجتمع. وقد عبّرت الروايات الإسلامية عن بشاعته بأبلغ الصور، حتى نُقل: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”، و”إذا دخل الفقر قرية قال له الكفر: خذني معك”، و”ما ضرب الله العباد بسوط أوجع من الفقر”… ؛ وقيل: إن الفقر هو الموت الأحمر ؛ ومن هنا، فإن حماية الموارد الاقتصادية ليست ترفًا، بل ضرورة وجودية .
والعراقيون، أكثر من غيرهم، يدركون معنى الفقر وآثاره المدمرة. فقد عانوا، عبر عقود طويلة، من سياسات اقتصادية جائرة وحروب وحصار قاسٍ، جعلت شرائح واسعة منهم تذوق مرارة الجوع والحرمان… ؛ فطوال حكم حكومات الفئة الهجينة وشذاذ الآفاق، عانت الأغلبية العراقية الأصيلة وبعض مكونات الأمة الأمرين، لاسيما في عهد النافق المشنوق السفاح صدام… ؛ فقد ذاق العراقيون مرارة الجوع، ولم يقف أي شعب إلى جانبهم، ولم يتبرع أحد لهم برغيف خبز… ؛ بل على العكس، تواطأ الجميع مع النظام الإجرامي، وتاجروا بآلامهم، واستفادوا من مآسيهم… ؛ اذ هربت السلع والتحف والآثار والمنتجات الزراعية إلى دول الجوار رغم الحصار الخانق، بينما استغنى آخرون بسبب تلك الظروف القاهرة… ؛ اذ صدر الإيرانيون والأردنيون والأتراك والسوريون بضائعهم إلى العراق، واستفادوا كثيراً من تنشيط تجارتهم وتشغيل معاملهم، على حساب تأخر العراقيين واستنزافهم … الخ .
ثم منّ الله على العراقيين الأصائل بإزاحة آخر نظام هجين جثم على صدر العراق عام 2003… ؛ اذ تنفس العراقيون الصعداء، وتحسنت أحوالهم المعيشية بشكل لا يقارن بكل مراحل الحكومات الطائفية الهجينة البائدة… ؛ و ارتفعت معدلات الرواتب، وتزايد أعداد الموظفين والمتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعية حتى بلغت أعلى نسبة في العالم قياساً بعدد السكان… ؛ و أصبحت السيارة في متناول الأغلبية الساحقة، وأكل العراقيون وشربوا ما لذ وطاب، وسكنوا الشقق الحديثة والبيوت الفارهة والمزارع والبساتين الخضراء … الخ ؛كل هذا بفضل النفط، ذلك المورد الأول والأخير .
غير أن هذه النعمة تحولت إلى هدف مباشر للاستهداف العسكري والمسلح … ؛ فقد شهدت الحقول والآبار والمنشآت النفطية في جنوب العراق اعتداءات متكررة، أثارت تساؤلات خطيرة حول الجهات الفاعلة والدوافع الكامنة وراءها… ؛ وهذه الاستهدافات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الصراعات الإقليمية والدولية، ولا عن التحديات الداخلية التي يعاني منها العراق .
نعم , الأعداء الخارجيين، والجهلة والسذج والمؤدلجين ، والعملاء من المحسوبين على الأمة، لا يروق لهم رؤية العراقيين سعداء أعزاء مكرمين، ولا يحبذون مشاهدة العراق العظيم قوياً موحداً… ؛ لذا عمدوا، عن قصد خبيث، إلى استهداف الآبار والحقول والمنشآت النفطية في الجنوب .
تتعدد الجهات التي تُوجَّه إليها أصابع الاتهام، وتشمل قوى إقليمية ودولية، فضلًا عن فصائل مسلحة محلية… ؛ وقد تتفق مصالح هذه الأطراف المتصارعة ، رغم اختلافها ؛ في إضعاف العراق اقتصاديًا، وإبقائه في حالة هشاشة، بما يضمن استمرار تبعيته أو عجزه عن لعب دور مؤثر في محيطه .
إن استهداف النفط العراقي، لا سيما في الجنوب، لا يمكن تبريره بأي ذريعة، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو أيديولوجية… ؛ فوجود شركات أجنبية في الحقول النفطية أمر طبيعي في عالم اليوم، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية بين الدول، ولا يُعقل أن تُستهدف منشآت اقتصادية بسبب جنسية الشركات العاملة فيها… ؛ إن الفصل بين السياسة والاقتصاد، في مثل هذه الحالات، ضرورة لحماية مصالح الشعوب .
العراق، كغيره من الدول، يمتلك سيادته ومصالحه الوطنية التي يجب أن تكون فوق كل اعتبار… ؛ وليس من المنطقي أن يُحرم شعب بأكمله من مصدر رزقه الوحيد بسبب صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل… ؛ فمصالح الدول قد تتقاطع، لكن مسؤولية حماية الموارد الوطنية تبقى واجبًا داخليًا لا يقبل التهاون .
إن ما يثير القلق حقًا هو هشاشة الوضع الأمني والسياسي الذي سمح بتكرار مثل هذه الاعتداءات، وجعل العراق عرضة لتدخلات متعددة… ؛ فبعد كل ما عاناه العراقيون من حروب وإراقة دماء، يأتي استهداف النفط ليضيف بعدًا جديدًا من المعاناة، يمسّ أساس الحياة اليومية للمواطن .
وعليه، فإن المسؤولية تقع أولًا وأخيرًا على عاتق الدولة العراقية، بمؤسساتها السياسية والأمنية، لاتخاذ إجراءات حازمة في كشف الجهات المتورطة، سواء كانت داخلية أم خارجية… ؛ فإذا ثبت تورط جهات خارجية، فإن اللجوء إلى المؤسسات والمنظمات الدولية والمطالبة بالتعويضات حق مشروع… ؛ أما إذا كانت الجهات داخلية، فإن تطبيق القانون بأقصى درجات الحزم ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن من يعبث بثروة بلده إنما يهدد وجوده ومستقبله … ؛ نعم , ان الذي يخرب ثروات بلده بيده، لا خير فيه ولا في وجوده … ؛والعراق أكبر من أن يُباع، ونفطه أغلى من أن يُهدَر … .
إن حماية النفط العراقي ليست مجرد قضية اقتصادية، بل هي معركة سيادة وكرامة وطنية… ؛ فبقدر ما يُصان هذا المورد، يُصان مستقبل العراق، وبقدر ما يُستهدف، يُفتح الباب أمام مزيد من الفوضى والضعف… ؛ ومن هنا، فإن المرحلة تتطلب وعيًا وطنيًا جامعًا، يضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، ويغلق الأبواب أمام كل من يسعى إلى النيل من ثروته واستقراره .
ما من دولة في العالم إلا وفيها شركات أجنبية وقوى عاملة أجنبية… ؛ فليس من المعقول استهداف منشآت اقتصادية في اليونان أو العراق أو الهند بحجة أن إحدى الشركات الأمريكية تعمل فيها… ؛ وليس من المنطقي حرمان الشعب العراقي من الاستفادة من موارده وخيراته بذريعة أن البعض لا يستطيعون تصدير نفطهم …!!
ما لنا نحن والآخرين؟
لكل دولة حكومة، ولكل شعب وأمة مصالح خاصة ؛ قد تتقاطع مع مصالح الآخرين، لذا قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر