منبر العراق الحر :على أنغام الناي وصوت الطبيعة وهي تستيقظ من غفوتها، يحتفل المصريون منذ آلاف السنين بـ “شم النسيم”، ذلك العيد الذي ليس مجرد يوم للبهجة، بل هو “وثيقة ميلاد” الفرح على أرض النيل. هو العيد الذي تتحد فيه الهوية المصرية القديمة مع روح العصر، ليخرج الجميع في “همس” جماعي مع النسمات العليلة.
نَسْمَة ربيع مَصري
يا نَسْمَة هَلِّت بالصَّفا
داوت بِرِقَّة لَهْفَتي
بَسْمَة ربيعِك فـِ الفَضا
ضِحْكِت لِبُكرة وضِحْكِتي
شم النسيم.. عبق التاريخ ونسمة الروح:
1. جذور ضاربة في عمق التاريخ
يعود أصل “شم النسيم” إلى العصور الفرعونية (قرابة عام 2700 ق.م)، حيث كان يُعرف بـ “شمو” (أي بعث الحياة). اعتبر المصري القديم أن هذا اليوم هو بداية الزمان، حيث يتساوى فيه الليل والنهار، وتُعلن الطبيعة عن خصوبتها. ومع مرور الزمن، تحول الاسم إلى “شم النسيم” بإضافة الصبغة العربية التي تصف خروج الناس لاستنشاق الهواء الطيب.
والشمس طَلِّت ع الوجود
نَوّر بَهاها دُنْيَتي
يوم “شَمّ نِسيم” يا هَوا
عِيدِك ومانِح صُحْبَتي
فراعنة مَرّوا من هنا
خَلّوا العوايد غِنْوَتي
2. طقوس هي “قصة” شعب
ما يميز هذا العيد هو ارتباطه بمائدة لها رموز ودلالات فلسفية عميقة:
البيض الملون: يمثل “البيضة” رمزاً للخلق وانبعاث الحياة من السكون. وكان القدماء ينقشون عليها أمنياتهم ويعلقونها في سلال من سعف النخيل لتتحقق مع شروق الشمس.
السمك المملح (الفسيخ): ارتبط بالنيل والتقديس، فالتمليح كان وسيلة لحفظ “الخير” وضمان بقائه، وهو تعبير عن الامتنان للنهر الخالد.
البصل الأخضر والملانة: رموز للصحة ومطهر للأبدان، واعتبره القدماء طارداً للأرواح الشريرة وسبباً للشفاء من “العلل”.
3. فلسفة الخروج إلى “الجِنان”
في هذا اليوم، تصبح الحدائق العامة وضفاف النيل هي “البيت الكبير”. تذوب الفوارق الطبقية، وتجتمع العائلات في “لمّة” مصرية أصيلة. هذا الخروج ليس مجرد نزهة، بل هو تجديد للعهد مع الأرض والزراعة، حيث يشهد النيل على “وحدة” المصريين التي لا تنقطع.
لوحة فنية لشم النسيم
نِقْش السِّلال ولون بِيضْنا
يِحْكي لِتاريخِك قِصَّتي
والفِسيخ واللِّمّة السَّعيدة
هِيّ أَساس بَهْجَتي
والبصل لَمّا فـِ الخَلا
يِشْفي جِراحي وعِلَّتي
بهذه الروح، استلهم الشعراء قصائدهم من زهور الربيع، فشم النسيم هو الوقت الذي تصبح فيه “بسمة الربيع هي ضحكة المصري”. هو اليوم الذي يمتزج فيه لون “الملانة” الأخضر مع لون النيل الأزرق، ليشكلوا معاً لوحة “جنتي” التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد.
و”الْمَلانَة” في جِيد الربيع
زَيّ الدُّرَر في لِمَّتي
يا نيل يا شاهِد ع الزمان
ارْوي بِمِيّتَك جَنَّتي
يبقى شم النسيم رمزاً للتسامح والبهجة، فهو العيد الذي يجمع كل أطياف الشعب المصري تحت راية “الفرحة بالعوايد”. إنه رسالة من الماضي تقول لنا: إن الحياة تتجدد دائماً، طالما أن في القلوب محبة وفي الروح نسمة ربيع.
وخلّي المحبة في القلوب
دَه شم النسيم هُوَ وِحْدَتي
عِيدنا ومُوارَث مِن قَديم
فِيه بَقائي وقُوَّتي
هانم داود
منبر العراق الحر منبر العراق الحر