مذكّرات شاعرية لبراءة غسان: حين تصبح القصيدة مرآةً للإنسان …بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :في زمنٍ تتكاثر فيه النصوص وتتنافس على لفت الانتباه، يأتي كتاب “مذكّرات شاعرية” للشاعرة براءة غسان بوصفه تجربة هادئة وعميقة، تعيد الاعتبار للشعر كفعل إنساني قبل أن يكون إنجازًا لغويًا. هنا، لا تُكتب القصيدة لتُبهر، بل لتفهم؛ ولا تُصاغ اللغة للزخرفة، بل لتضيء مناطق خفيّة في النفس.

تتحرّك نصوص الكتاب في مساحة دقيقة بين البوح والوعي، حيث تتجاور الهشاشة مع القوة، ويتجاور الألم مع بصيص الضوء. إنها كتابة تنبع من الداخل، من تلك المنطقة التي لا يصلها إلا من امتلك شجاعة النظر إلى ذاته دون مواربة.

 

الذات… انكشاف يقترب من الحقيقة
منذ الصفحات الأولى، تضع الشاعرة ذاتها في مواجهة صريحة مع نفسها. في نصوص مثل “يا نفس” و“السكون”، تظهر الذات بوصفها كيانًا متعدّدًا، متقلّبًا، ومثقلًا بتناقضاته. لا تقدّم نفسها بصورة مثالية، ولا تسعى إلى بناء بطولة وهمية، بل تكتب ذاتًا تتعلّم من ضعفها، وتعيد تشكيل وعيها من تفاصيل التجربة اليومية.

 

هذا الانكشاف لا يستدرّ تعاطفًا بقدر ما يفتح أفقًا للفهم، حيث تتحوّل القصيدة إلى مرآة داخلية تعكس ما يُخفى عادة، بلغة متماسكة لا تميل إلى التهويل ولا إلى التجميل.

 

الزمن… عبء التجربة لا إيقاع الساعة
لا يحضر الزمن في هذا العمل كعنصر حيادي، بل كقوة تضغط على الوعي وتعيد تشكيله. في نص “آه يا زمن”، تقول الشاعرة:
“دار ما لا يدور… طاف ما لا يطوف”

 

بهذا التكثيف، يتحوّل الزمن إلى تجربة شعورية، يمرّ فوق الروح قبل الجسد، ويترك أثره في الداخل قبل أن يُقاس في الخارج. إنه زمن يُعاش أكثر مما يُحسب، ويثقل الذاكرة بقدر ما يثقل الحاضر.

 

الوطن… حضور الغياب
في نص “وطين”، تبتعد الشاعرة عن الخطاب الإنشائي المباشر، لتكتب الوطن بوصفه إحساسًا بالفقد:
“أفتقدك أي وطن
أي وجودي وموجدي”

 

الوطن هنا ليس جغرافيا بقدر ما هو حالة شعورية، مساحة ينتمي إليها الإنسان حتى وهو بعيد عنها. إنه غياب يفرض حضوره، ويجعل اللغة ملاذًا بديلًا، تكتب فيه الشاعرة ما لا تستطيع استعادته في الواقع.

 

الأنوثة… تعريف يتجاوز القوالب
في “سئمت نور الشمس”، تتعامل الشاعرة مع الأنوثة بوصفها وعيًا لا صورة. ترفض الاختزال والتصنيف بقولها:
“أنا لست لونًا… لست كنية… لست فدية”

 

بهذا الموقف، تعيد صياغة الأنوثة ككينونة حرّة، لا تُختصر في دور اجتماعي ولا تُحدّد بنظرة خارجية، بل تنبع من إدراك داخلي لقيمة الذات.

 

الروحانية… هدوء يلامس العمق
تصل النصوص إلى مستوى شفّاف من التأمل في “يا نور الله”، حيث تتجلّى روحانية هادئة بعيدة عن المباشرة:
“في قلب لا تختنق الأنوار”

 

هنا، يتحوّل الإيمان إلى طمأنينة داخلية، وإلى علاقة صافية مع الوجود، تتجاوز الشكل إلى الجوهر، وتمنح النص بعدًا إنسانيًا عميقًا.

 

اللغة… اقتصاد التعبير واتساع الدلالة
تعتمد الشاعرة لغة مكثّفة، تقوم على جمل قصيرة مشحونة بإيقاع داخلي، وصور بسيطة تفتح مساحات واسعة للتأويل. هذه اللغة لا تتعالى على القارئ، بل تقترب منه، محافظة في الوقت ذاته على شعريتها.

 

ومع ذلك، لا تخلو بعض النصوص من ميل إلى التجريد أو تكرار بعض الثيمات بصيغ متقاربة، وهو ما قد يحدّ أحيانًا من تنوّع التجربة، دون أن ينتقص من صدقها أو حضورها.

 

خاتمة
“مذكّرات شاعرية” عمل يعيد القارئ إلى ذاته، ويذكّره بأن الشعر الحقيقي لا يكتفي بإثارة الدهشة، بل يفتح بابًا للفهم. كقارئة، يبدو هذا الكتاب أقرب إلى تجربة تُعاش لا نص يُستهلك؛ تجربة تضع الإنسان أمام نفسه، وتدعوه إلى مصالحتها.

 

إنه نصّ يكتب من الداخل، ويصل إلي الداخل، ويترك أثره بهدوءٍ يليق بالشعر حين يكون صادقًا

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد