منبر العراق الحر : قراءة تأويلية في قصيدة «مَن هو؟ أين هو؟» لعفيفة مخول خميسة
ثمة نصوص شعرية لا تُكتب لكي تُقرأ، بل لكي تُعاش. نصوص لا تكتفي بإثارة الأسئلة، وإنما تعيد تشكيل وعينا بالأسئلة ذاتها. وقصيدة «مَن هو؟ أين هو؟» للشاعرة عفيفة مخول خميسة من هذا الطراز النادر؛ إذ تبدو للوهلة الأولى استعادةً ساخرةً لذاكرة مدرسية بعيدة، لكنها سرعان ما تنكشف بوصفها مواجهة وجودية عارية بين يقين الطفولة وصدمة التاريخ، وبين صورة الله كما استقرت في الوعي الجمعي، وصورته كما تعكسها مرايا الخراب الإنساني.
إن النص، في جوهره العميق، لا يسأل عن الله بقدر ما يسأل عن الإنسان حين يصبح عاجزاً عن التوفيق بين ما تعلّمه وما عاشه، بين العقيدة بوصفها وعداً أخلاقياً، والواقع بوصفه نقضاً يومياً لذلك الوعد. ومن هنا تنبع فرادة القصيدة؛ فهي لا تتحرك داخل الحقل الديني الضيق، بل داخل الحقل الإنساني الرحب، حيث تتقاطع الأسئلة اللاهوتية مع الأسئلة الأخلاقية والوجودية والحضارية.
منذ العنوان، تضعنا الشاعرة أمام سؤالين يؤسسان للنص كله: «مَن هو؟ أين هو؟». ولا يمكن التعامل مع هذين السؤالين بوصفهما استفهامين عابرين، فهما يشكلان البنية الفلسفية العميقة للقصيدة. السؤال الأول يحيل إلى ماهية الإله وصورته في الوعي البشري، أما السؤال الثاني فيحيل إلى حضوره أو غيابه داخل العالم. وبين السؤالين تمتد المسافة التي شغلت الفكر الإنساني منذ بداياته: كيف يمكن التوفيق بين الإيمان بإله المحبة وبين عالم تغمره المآسي؟
غير أن الشاعرة لا تطرح السؤال مباشرة، بل تبدأ من الذاكرة؛ من ذلك الفضاء الطفولي الذي كانت فيه الإجابات أكثر بساطة من الأسئلة. المدرسة هنا ليست مجرد مكان للتعليم، بل مؤسسة لإنتاج اليقين. ففي الامتحان الأول يُطرح السؤال، ويأتي الجواب جاهزاً، محفوظاً، نهائياً:
“الله محبة وهو موجود في كل مكان.”
وما يستحق الانتباه أن الشاعرة لا تركز على الإجابة ذاتها، بل على الطقوس التي أحاطت بها. النجاح، التصفيق، الشهادات، الحلوى، سهرة السطح، الجيران، العنب، النجوم… كلها عناصر تشارك في صناعة يقين جماعي. فالحقيقة هنا ليست معرفة فردية، وإنما بناء اجتماعي كامل تشترك في ترسيخه الأسرة والمدرسة والمجتمع والطبيعة معاً.
وتكمن براعة الشاعرة في أن هذا المشهد لا يُقدَّم باعتباره ذكرى عابرة، بل باعتباره لحظة تأسيس للوعي. فالطفولة في النص ليست زمناً بيولوجياً، بل حالة معرفية وأخلاقية؛ حالة انسجام بين الإنسان والعالم، بين السؤال والجواب، بين الإيمان والواقع. ولذلك تأتي الصور الشعرية مفعمة بالحياة والخصب والانفتاح: العصافير، الورود، النجوم، السطوح المفتوحة على السماء. إننا أمام عالم لم يكن قد تعرّف بعد إلى فداحة الشر.
غير أن الزمن، في القصيدة، لا يؤدي وظيفة العبور من مرحلة إلى أخرى فحسب، بل يؤدي وظيفة الهدم والكشف معاً. تقول الشاعرة:
“كبر الزمان وختيَر”
وهي عبارة تبدو بسيطة لغوياً، لكنها تنطوي على حمولة فلسفية كثيفة. فالذي شاخ ليس الإنسان فقط، بل الزمن نفسه؛ أي التاريخ بما راكمه من حروب وخيبات ومجازر وانكسارات. هنا يصبح الزمن شاهداً ضد براءة البدايات، وتتحول التجربة إلى سلطة معرفية مضادة لسلطة التعليم الأول.
ومن أعمق لحظات النص إعادةُ الامتحان ذاته. السؤال هو السؤال، والجواب هو الجواب، لكن النتيجة تختلف جذرياً. لقد نجح الأطفال في الماضي لأنهم أجابوا بأن الله محبة، بينما يسقط الكبار اليوم لأنهم يكررون الإجابة نفسها.
في هذا التحول تكمن المفارقة المركزية التي يبني النص عليها رؤيته بأكملها.
فالقصيدة لا تتحدث عن تبدل العقائد، بل عن تبدل شروط الإيمان. إن ما كان بديهياً في زمن البراءة أصبح إشكالياً في زمن الكارثة. وما كان جواباً كافياً بالأمس لم يعد قادراً على الصمود أمام الأسئلة التي فرضها الواقع.
ولعل أجمل ما في النص أن الشاعرة لا تحتكر الحقيقة لنفسها، بل تمنح الطرف الآخر مساحة كاملة للتعبير. أولئك الذين “سقّطونا” لا يفعلون ذلك بدافع العداء للإيمان، بل بدافع الصدمة من الواقع:
“نحن نراه في كل مكان أنهاراً من الدموع ودماً يجري في الدروب…”
هنا ينتقل النص من مستوى الاعتقاد إلى مستوى الشهادة. فالعالم نفسه يصبح وثيقة اتهام. والدموع والدم والدخان ليست مجرد صور شعرية، بل علامات على انهيار النظام الأخلاقي الذي يفترض أن يحكم الوجود.
إننا أمام ما يعرف في الفلسفة الدينية بـ”مشكلة الشر”، وهي واحدة من أعقد المعضلات الفكرية في تاريخ الإنسانية: إذا كان الله محبةً وقدرةً مطلقة، فلماذا يتسع العالم لكل هذا الألم؟
غير أن الشاعرة لا تناقش المسألة نظرياً، بل تحولها إلى تجربة إنسانية محسوسة. فالقصيدة لا تنتج خطاباً فلسفياً بارداً، وإنما تصوغ مأساة الوعي حين يعجز عن التوفيق بين المثال والواقع.
وعند هذه النقطة تحديداً يبرز البعد الفلسطيني والإنساني للنص، وإن لم يُذكر بصورة مباشرة. فأنهار الدموع والدماء والدخان ليست صوراً مجردة، بل تنتمي إلى سياق تاريخي يعرفه القارئ جيداً. ولهذا تبدو القصيدة وكأنها شهادة شعرية على زمن عربي وفلسطيني فقد القدرة على رؤية المحبة وسط هذا الركام الهائل من الفقد.
ثم تأتي الإشارة المدهشة إلى «أول نيسان»، لتفتح باباً تأويلياً واسعاً. فالإحالة إلى يوم الكذب العالمي لا تبدو مصادفة لغوية، بل تفجيراً دلالياً يقوّض اليقين السابق من الداخل. وكأن المتكلمين يُسألون بمرارة: كيف صدقتم تلك الحكاية الأولى؟ كيف حافظتم على إيمانكم رغم كل ما رأيتموه؟
لكن الشاعرة، بحسها الإنساني العميق، لا تنحاز بالكامل إلى هذا التشكيك. فهي لا تسخر من الإيمان، بل من هشاشة الإنسان حين يحاول اختزال الوجود في معادلات جاهزة. لذلك يبقى النص معلقاً بين الشك والرجاء، بين الاحتجاج والتسليم، بين الجرح والرغبة في الشفاء.
أما الذروة الشعرية والفكرية فتتجسد في الخاتمة التي تعد من أكثر المقاطع كثافة وإيحاءً في النص:
“هل يكون هذا الزمن هو اليوم السابع، يوم استراحة خالق كل شيء كان؟!”
إن السؤال هنا لا يبحث عن جواب، بل يكشف مأزقاً وجودياً عميقاً. فاليوم السابع، بوصفه رمزاً لاكتمال الخلق واستراحة الخالق، يتحول إلى استعارة كبرى للغياب الإلهي المتخيَّل في وعي الإنسان المقهور. وكأن الشاعرة تقول: هل تُرك العالم وحيداً بعد اكتمال الخلق؟ هل أصبح الإنسان يواجه مصيره دون عناية مرئية؟
غير أن قوة السؤال تكمن في أنه لا ينتهي إلى الإلحاد ولا إلى اليقين، بل يبقى معلقاً في منطقة القلق الخلّاق؛ تلك المنطقة التي يولد منها الشعر الحقيقي. فالنص لا يشكك في وجود الله بقدر ما يشكك في قدرتنا على فهم حضوره. إنه لا يحتج على السماء بقدر ما يحتج على عالم جعل السماء تبدو بعيدة.
وعلى المستوى الجمالي، تنجح عفيفة مخول خميسة في بناء قصيدتها على اقتصاد لغوي لافت. فهي لا تلجأ إلى التعقيد البلاغي، بل تستثمر بساطة اللغة اليومية لتوليد أعمق الأسئلة الفلسفية. كما تعتمد على تقنية التكرار البنائي، حيث يتكرر السؤال والجواب ليكشفا في كل مرة معنى مختلفاً. وهكذا يتحول التكرار من أداة إيقاعية إلى أداة تأويلية تكشف تحولات الوعي عبر الزمن.
إن القيمة الفنية والفكرية لهذا النص تكمن في قدرته على تحويل سؤال ديني تقليدي إلى سؤال إنساني كوني. فقصيدة «مَن هو؟ أين هو؟» ليست بحثاً عن الله بقدر ما هي بحث عن المعنى في زمن فقدت فيه الكلمات القديمة قدرتها على تفسير الخراب الجديد. إنها قصيدة تضع القارئ أمام الحقيقة الأكثر إيلاماً: أن الإيمان لا يُختبر في لحظات الطمأنينة، بل في لحظات الانكسار، وأن السؤال عن الله يبدأ غالباً حين يصبح العالم أقل شبهاً بالمحبة.
ومن هنا تتجاوز القصيدة حدود التجربة الفردية لتغدو مرثيةً كبرى لبراءة الإنسان الأولى، واحتجاجاً أخلاقياً ضد عالم جعل المؤمن والمتشكك يقفان معاً أمام السؤال ذاته: إذا كانت المحبة هي جوهر الوجود، فلماذا يبدو العالم أحياناً وكأنه نقيضها الكامل؟
ذلك هو السؤال الذي تتركه عفيفة مخول خميسة مفتوحاً في نهاية النص، لا بوصفه علامة عجز، بل بوصفه أعلى درجات الوعي الإنساني
أن الأسئلة الكبرى لا تُخلق لتُجاب، بل لتظل توقظ فينا الحاجة الدائمة إلى المعنى.
::
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر