منبر العراق الحر :
يحتفظ الفرنسيون بتراث من جنون عظمة امتهم، محطة القطارات الرئيسية في باريس تسمى ( الاوسترليز) وهو اسم المعركة التي انتصر فيها نابليون على الروس واباد قطعاتهم عام ١٨٠٥، ويحتفظ الانجليز ايضا بتراث من جنون عظمة امتهم ، محطة القطارات الرئيسية في لندن والتي ينطلق منها القطار من لندن الى باريس مخترقا نفق المانش تسمى( واترلو ) وهي المعركة التي انهزم فيها نابليون واسر عام ١٨١٥
كل الامم تملك من جنون العظمة ما يشعرهم بالغرور والتفوق، هتلر لم يجد في ارث المانيا سوى العرق، فاعلى شأنه الى حد اعلان الحرب على الجميع، تحاما مثلما لم يجد صدام في ارث مجد وعظمة العراق سوى معركة القادسية فكررها واعلن الحرب التي حفرت قبر العراق ، وسيختلف معي كثيرون بهذا الموقف لان جنون عظمة الامم يكمن في الحروب، وبدورهم شعر الفرس بطعنة لعظمة امتهم حين خسروا العراق لصالح العرب وانتهت دولتهم الساسانية في طيسفون في اول احتكاك بين العرب والفرس ، واهو احتكاك عرب من الجزيرة شكلوا امة جديدة مع حضارة عريقة كانوا يجاورونها لآلاف السنين سواء السومريون او الاكديون او البابليون او الساسانيون
انه تصادم حضاري مايزال يشكل وعينا ورأينا وموقفنا العاطفي من الامة الفارسية التي تحمل هي الاخرى ارثا من الصدمة لجنون عظمة الامة الفارسية ، كما هو الحال الذي يدفع اردوغان الان لاستعادة جنون عظمة الامة التركية ودفع عبد الناصر لاستعادة جنون عظمة الامة العربية
جنون عظمة الامم يقود الى احد طريقين : تطوير هذه العظمة عن طريق ادراك الواقع او تدميرها بعدم رؤية الواقع، فهدف العظمة واحد ولكن السبيل اليها مختلف
ماذا يفعل العراقيون الان ازاء جنون عظمة الامة العراقية ؟ شكا الملك فيصل متعسفا وخائبا من عدم وجود امة عراقية ، وكانت شكواه شكوى باحث في التاريخ والمجتمع وليس شكوى ملك جيء به ليكوّن امة يكون هو ملكها، لم تكن شكواه محقة وانما المحق هم العراقيون الذين يشكون من ان ملكهم لم يكوّن امة ولم يستطع ان يعرف كيف يشكل دولة وطنية او دولة امة ، وكان اول اخطائه موافقته على قانون الجنسبة رقم ٤٢ لسن ١٩٢٤ الذي قسم العراق الى امتين، امة تابعة للفرس وامة اخرى تابعة للاتراك العثمانيين ، والامتان تحملان لقب ( التبعية ) لدولتين متعاديتين مايزال العراقيون يدفعون ثمن هذا العداء منقسمين بين الولاء الفارسي والولاء التركي، فهل هناك جنون عظمة اسوأ من هذا الجنون؟
ءكيف تتشكل امة منقسمة على نفسها مثل هذا الانقسام الحاد ، وكيف تتشكل دولة وطنية شعبها منقسم على نفسه قانونيا ؟ والمشكلة ان انقسام النخب والاحزاب والحكومات والجماعات القبلية والمذهبية يكرس ويعمق هذا الانقسام ليكون الهوية الفاعلة بدل الهوية الوطنية
كيف تتكون امة ماتزال تخوض حروبها الداخلية فيما بينها على اساس الولاء لتركيا او الولاء لايران؟ وكيف يمكن لشعبين في بلد واحد ، منفصلين قانونيا على اساس طائفي بين ايران وتركيا و يخوضان حروبا داخلية بالنيابة عن الدولتين، ان يؤسسا امة او دولة وطنية قادرة على البقاء والنمو وصناعة هوية وطنية موحدة على اساس المواطنة؟
لذلك ، فبدلا عن الشعور بجنون عظمة الامة يشعر العراقيون بجنون عظمة علم الآثار وتاريخ الحضارات اللذين كشفا لنا ان بلاد الرافدين بدأت من دويلات المدن حتى صار كثير من عراقيينا يعيدون الانتماء الى السومري والبابلي والذيقاري والميساني والديواني والوركائي بوعي او بدون وعي بانتظار سرجون اكدي جديد يوحد هذه الدويلات في امة واحدة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر