حين يصبح الطيبون سببًا للبكاء ….رياض سعد

منبر العراق الحر :

لم يكن سالمُ رجلًا استثنائيًا بالمعنى الذي تصنعه الشهرة أو الأموال، بل كان استثنائيًا بذلك النوع الخفيّ من البشر الذين يمرّون في الحياة كنسمةٍ دافئة، لكنّ غيابهم يترك الشتاء خلفهم طويلًا.

كان يعود كل مساء إلى بيته حاملاً أكياس الخضار والفواكه والحلوى، فيركض أطفاله نحوه بلهفة العصافير الصغيرة حين ترى الحبّ يُنثر أمامها. يضحك بصوتٍ هادئ، ويجلس بينهم كأنه واحدٌ منهم، لا أبٌ أثقلته الحياة.

كانت زوجته زينب كثيرًا ما تنظر إليه بصمت، متعجبةً كيف يستطيع رجلٌ يعمل منذ الفجر حتى المساء أن يحتفظ بكل هذا الحنان. فإذا بكى أحد أطفاله لأمرٍ صغير، احتضنه سالم كأن العالم كلّه انكسر في قلب ذلك الطفل. وإذا ضاقت زينب بأعباء البيت، أخذ عنها بعض الأعمال وهو يقول مبتسمًا:

— “يكفي الإنسان ما تحمله الحياة فوق ظهره… فلا داعي لأن نحمل بعضنا فوق ذلك همومًا أخرى.”

وكان صديقه وقريبُه حيدر شديد التعلّق به، لا لأنه قريبٌ فحسب، بل لأنه رأى فيه الصورة التي كان يتمنى أن يكونها الإنسان. كان يراقبه بدهشة: لا يرفع صوته، لا يُهين أحدًا، ولا يردّ القسوة بمثلها.

وفي إحدى الليالي، جلس حيدر معه على سطح المنزل بعد انقطاع الكهرباء، وكانت المدينة غارقةً في الظلام إلا من ضوء قمرٍ شاحب.

قال حيدر: — “يا سالم، كيف تستطيع أن تبقى هادئًا رغم كل هذا الخراب؟ الناس صارت عصبية، قاسية، متعبة… أما أنت فكأنك خارج هذا العالم.”

ابتسم سالم طويلًا قبل أن يجيب: — “لأنني أدركت متأخرًا أن الإنسان لا يعيش طويلًا كما يظن. نحن لا نملك من الدنيا إلا أثرنا في قلوب الآخرين. بعض الناس يتركون مالًا، وبعضهم يتركون جراحًا… والقليل فقط يتركون طمأنينة.”

سكت قليلًا ثم تابع: — “أتعرف ما المأساة يا حيدر؟ ليست في الموت… بل في أن يموت الإنسان قبل أن يكون رحيمًا.”

ظلّت تلك العبارة عالقةً في ذهن حيدر كأنها وصيةٌ خفية.

بعد أسابيع، جاء رجلٌ فقير إلى بيت سالم، يشكو مرض ابنته وعجزه عن شراء الدواء. لم يكن سالم يملك يومها إلا راتبه الذي ادّخره لإيجار البيت، لكنه أخرجه وأعطاه للرجل دون تردد.

اعترضت زينب بخوف: — “وماذا سنفعل نحن؟”

فأجابها بهدوء: — “الرزق الذي يذهب لإنقاذ إنسان لا يضيع.”

في صباح يومٍ بارد، خرج سالم إلى عمله كعادته. وقبل أن يغادر، قبّل أطفالَه واحدًا واحدًا على رؤوسهم، على غير عادته. حتى زينب انتبهت إلى أن عينيه كانتا ممتلئتين بشيءٍ غامض يشبه الوداع.

في الظهيرة، كان حيدر يعبر الشارع المزدحم، فرأى جمعًا كبيرًا من الناس يحيطون برجلٍ ممددٍ على الأرض بعد حادثٍ مروّع.

اقترب بخطواتٍ مرتبكة…

ثم تجمّد قلبه.

كان سالم غارقًا بدمائه، وعيناه نصف مفتوحتين كأنهما ما زالتا تبحثان عن شيءٍ بعيد.

حملوه إلى المستشفى، لكن النزيف الداخلي كان أسرع من دعوات المحبين.

رحل سالم.

ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء.

صار البيت صامتًا بطريقةٍ مؤلمة، كأن الجدران نفسها فقدت روحها. أطفاله لم يعودوا يركضون نحو الباب عند المساء، وزينب صارت تتحدث بصوتٍ منخفض، كأن الحياة بعده يجب أن تُحترم بالحزن.

أما حيدر، فكان يشعر أن العالم أصبح أكثر قسوة بعد موت سالم، وكأن الطيبين ليسوا مجرد أشخاص… بل توازنٌ خفيّ يمنع الحياة من الانهيار الكامل.

مرّ عامٌ كامل.

وفي عيد الأضحى، ذهبوا جميعًا إلى قبره. كانت السماء رمادية، والريح تعبث بأوراق الأشجار اليابسة.

جلس حيدر قرب القبر طويلًا، ثم قال بصوتٍ مرتجف:

— “تعرف يا سالم؟ كنتَ حين نبكي، تمسح دموعنا جميعًا… أما الآن، فقد أصبحتَ أنت سبب بكائنا.”

ثم أطرق رأسه وأضاف:

— “الغريب أن الموت لا يأخذ الإنسان وحده… بل يأخذ معه جزءًا من الذين أحبوه.”

عندها انفجرت زينب بالبكاء، بينما كان أطفال سالم ينظرون إلى القبر بصمتٍ بريء، غير قادرين على فهم كيف يمكن للتراب أن يخفي رجلًا كان قبل عامٍ فقط يملأ البيت ضحكًا وحياة.

وفي طريق العودة، أدرك حيدر حقيقةً موجعة:

أن الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بعدد القلوب التي أصبحت أكثر يتمًا بعد رحيله.

اترك رد