ذِكْرَيَاتٌ حَاضِرَةٌ…. بقلم : محمود حسن

منبر العراق الحر :

مَوْهِبَةٌ أَصِيلَةٌ، تُتْقِنُ صِيَاغَةَ الْجَمَالِ وَتَمْنَحُهُ رُوحًا.

* عِصْمَتُ الدُّوسْكِي بَيْنَ الْحُضُورِ وَالْغِيَابِ

لَمْ يَعُدِ الشِّعْرُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ وَأَوْزَانٍ وَصُوَرٍ شِعْرِيَّةٍ وَقَوَافِي، بَلْ ذَائِقَةً رَاقِيَةً وَطَاقَةً حِسِّيَّةً إِيجَابِيَّةً تَدْخُلُ عَلَى الْمَشَاعِرِ، فَتُنَشِّطُ الذَّاكِرَةَ وَتُحْضِرُهَا ذِهْنِيًّا، وَتَسُرُّ الْعَوَاطِفَ الْمَكْنُونَةَ وَالْفِكْرَ الْمُطَوَّقَ بِالْمَحْدُودِ؛ لِتُجَرِّدَهُ وَتَأْخُذَهُ إِلَى عَوَالِمَ بِلَا حُدُودٍ. وَمِنْ هُنَا كَانَتْ قَصَائِدُ الشَّاعِرِ عِصْمَتِ شَاهِينِ الدُّوسْكِي ثَوْرَةً عَلَى السُّكُونِ الْعَاطِفِيِّ وَالْمَكْنُونِ الْحِسِّيِّ وَالْفِكْرِيِّ.

قَصِيدَةُ «الذِّكْرَيَاتُ لَيْسَتْ خَالِدَةً» لِلشَّاعِرِ عِصْمَتِ شَاهِينِ الدُّوسْكِي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ نَصٍّ شِعْرِيٍّ، بَلْ رِحْلَةُ رُوحٍ خَلَّاقَةٍ تَعْبُرُ بِنَا بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالْوِجْدَانِ، بَيْنَ الْحُضُورِ وَالْغِيَابِ، بِأُسْلُوبٍ رَاقٍ يَفِيضُ حِكْمَةً وَإِحْسَاسًا فِي صِيَاغَةِ مَشَاهِدَ إِنْسَانِيَّةٍ عَمِيقَةٍ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا كَائِنٌ مَنْ كَانَ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ الْكَلِمَاتُ إِلَى لَوْحَاتٍ نَابِضَةٍ، وَالصُّوَرُ إِلَى مَرَايَا تَعْكِسُ وَجَعَ الْإِنْسَانِ وَأَمَلَهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ. يَنْتَقِي لُغَةً شَفَّافَةً، وَيَخْتَارُ إِيقَاعًا مُتَوَازِنًا يَكْشِفَانِ عَنْ شَاعِرٍ مُتَمَكِّنٍ، يَحْمِلُ رِسَالَةً فِكْرِيَّةً وَجَمَالِيَّةً فِي كُلِّ سَطْرٍ. هَكَذَا يَكُونُ الشِّعْرُ حِينَ يَكْتُبُهُ الْكِبَارُ..

“ٱلرُّوحُ مُرْهَفَةٌ تَشْتَاقُ

تُبْصِرُ ٱنْتِظَارَ ٱلْعُشَّاقِ

يَدْنُو أَمَلُ ٱلشَّوْقِ مُسْرِعًا

ٱلتَّارِيخُ عَادَ مِنَ ٱلْآفَاقِ

٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫٫

عَادَ ٱلْأَثَرُ مِنْ بَعِيدٍ

سَلَامٌ عَادَ مِنْ جَدِيدٍ

حَضَارَاتٌ تَجَلَّتْ بِثَانِيَةٍ

كَشَرِيطٍ مِنْ فِلْمٍ زَهِيدٍ”

وَفِي قَصِيدَةِ “مِنْ بَعِيدٍ يَحْمِلُنِي السَّفَرُ” يُبْرْهِنُ الْأَدِيبُ عِصْمَتُ شَاهِينُ الدُّوسْكِي أَنَّهُ شَاعِرٌ يَعْرِفُ كَيْفَ يُحَوِّلُ الْمَسَافَةَ إِلَى مَعْنًى، وَالْوَجَعَ إِلَى جَمَالٍ، وَالسَّفَرَ إِلَى نَشِيدٍ دَاخِلِيٍّ نَابِضٍ بِالْحُبِّ. إِنَّهُ لَا يَكْتُبُ قَصِيدَةً عَابِرَةً، بَلْ يَنْسُجُ حَالَةً شُعُورِيَّةً مُتَكَامِلَةً، تَتَمَاهَى فِيهَا الرُّوحُ مَعَ الْحَرْفِ، وَيَغْدُو الشَّوْقُ فَضَاءً مَفْتُوحًا تَتَرَدَّدُ فِيهِ نَبَضَاتُ الْقَلْبِ كَصَدًى بَعِيدٍ لَا يَخْبُو. لُغَتُهُ شَفَّافَةٌ نَقِيَّةٌ كَنَدَى الصَّبَاحِ، وَعَمِيقَةٌ كَاعْتِرَافٍ مُؤَجَّلٍ، فِيهَا رَهَافَةُ الْعَاشِقِ وَحِكْمَةُ الْمُتَأَمِّلِ. مَا يُمَيِّزُ هَذَا النَّصَّ هُوَ قُدْرَتُهُ عَلَى الِارْتِقَاءِ بِالْعَاطِفَةِ مِنْ بُعْدِهَا الشَّخْصِيِّ إِلَى أُفُقٍ إِنْسَانِيٍّ رَحْبٍ؛ فَالْحَبِيبُ عِنْدَهُ لَيْسَ حُضُورًا عَاطِفِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ حَضَارَةٌ تَتَوَسَّدُ الْآفَاقَ، وَهُوَ تَصْوِيرٌ يَكْشِفُ عَنْ شَاعِرٍ يَمْتَلِكُ أَدَوَاتِهِ، وَيَعِي قِيمَةَ الصُّورَةِ وَالرَّمْزِ وَالْإِيقَاعِ الدَّاخِلِيِّ. الشَّاعِرُ عِصْمَتُ الدُّوسْكِي يَكْتُبُ بِرُوحٍ تَعْرِفُ أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ كَلِمَاتٍ تُقَالُ، بَلْ إِحْسَاسٌ يُعَاشُ. وَفِي هَذَا النَّصِّ تَحْدِيدًا، يَتَجَلَّى صَوْتُهُ نَقِيًّا، مُتَوَازِنًا بَيْنَ حَرَارَةِ الشَّوْقِ وَسَكِينَةِ الْيَقِينِ؛ لِيُؤَكِّدَ أَنَّهُ شَاعِرٌ مُتَمَيِّزٌ.

“أَنَا يَا مَنْ حَمَلْتَ النَّسَمَاتِ

فِي صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ

كَمِرْسَالٍ أُرْسِلُهُ بِلَا آهَاتٍ

حَرُّ الْآهَاتِ يُشْعِلُ رَذَاذَ النَّدَى

تَلْهُو عَلَى الشِّفَاهِ الْكَلِمَاتُ

طَلَّتُكَ لَيْسَتْ مِنْ فَضَاءٍ

بَلْ دَوَاءٌ لِكُلِّ الْجِرَاحَاتِ

حِينَ أَمُدُّ يَدِي إِلَيْكَ

تَرْتَجِفُ مِنْ ثَوْرَةِ اللَّمَسَاتِ

كُلُّ قَصِيدَةٍ أَكْتُبُهَا

تَقْرَعُ شَغَافَ قَلْبِكَ وَتُلْهِبُ النَّبَضَاتِ”

وَهُنَا يُقَدِّمُ نَصًّا يَفِيضُ تَمَيُّزًا وَجَمَالًا يَلِيقُ بِذَائِقَةٍ أَدَبِيَّةٍ رَاقِيَةٍ. فِي قَصِيدَتِهِ “فِي حَضْرَةِ النُّورِ”، لَا نَقْرَأُ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ، بَلْ نُلَامِسُ حَالَةً وُجْدَانِيَّةً شَفَّافَةً، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ النُّورُ إِلَى رَمْزٍ حَيٍّ يُعَبِّرُ عَنِ الصَّفَاءِ الدَّاخِلِيِّ وَبِدَايَةِ الِانْبِعَاثِ مِنْ عُمْقِ الْأَلَمِ. تَنْسُجُ الْأَبْيَاتُ خُيُوطَهَا مِنْ صَبْرٍ مُمتَدٍّ، وَتُشَيِّدُ مِنَ الْحُزْنِ مَعْنًى جَدِيدًا يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَمَلِ، وَكَأَنَّ الشَّاعِرَ يُعِيدُ صِيَاغَةَ الْوَجَعِ بِلُغَةٍ مِنْ ضَوْءٍ. وَانْسِيَابُ خُيُوطِ النُّورِ، يَمْتَازُ النَّصُّ بِانْسِيَابِيَّتِهِ وَعُذُوبَةِ صُوَرِهِ، حَيْثُ تَتَعَانَقُ الْمُفْرَدَاتُ؛ لِتَخْلُقَ مَشْهَدًا رُوحِيًّا يَفِيضُ سَكِينَةً وَطُمَأْنِينَةً. كُلُّ بَيْتٍ يَحْمِلُ نَبْضًا صَادِقًا، وَكُلُّ صُورَةٍ تَتْرُكُ أَثَرًا عَمِيقًا فِي النَّفْسِ، حَتَّى يَشْعُرَ الْقَارِئُ أَنَّهُ يَقِفُ فِعْلًا فِي حَضْرَةِ النُّورِ، مُتَخَفِّفًا مِنْ أَثْقَالِهِ، وَمُمْتَلِئًا بِرَجَاءٍ هَادِئٍ. إِنَّهَا قَصِيدَةٌ تُلَامِسُ الْقَلْبَ قَبْلَ الْعَقْلِ، وَتَمْنَحُ الْقَارِئَ لَحْظَةَ تَأَمُّلٍ نَادِرَةً، تُثْبِتُ فِيهَا قُدْرَةَ الشَّاعِرِ عَلَى تَحْوِيلِ التَّجْرِبَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى عَمَلٍ أَدَبِيٍّ نَابِضٍ بِالْحَيَاةِ.

“فِي حَضْرَةِ النُّورِ

أَدْمَعَتِ الْعُيُونُ مِنَ السُّرُورِ

عَادَ الْفُؤَادُ وَلِيدًا

صَبَرَ طَوِيلًا مِنْ عُمْقِ الصَّبُورِ

فُتِحَتِ الْأَبْوَابُ

هَبَّتِ النَّسَائِمُ مِنْ مِسْكٍ وَعَبِيرٍ

دَنَتِ الرُّوحُ بَيْنَ مِنْبَرٍ وَنُورٍ

رَوْضَةٌ خُلِّدَتْ سُطُورٌ

كَأَنَّ الْجَنَّةَ تَجَسَّدَتْ

فِي رُؤَى الْبَصَرِ مَنْظُورٌ

طَلَعَ الْبَدْرُ مُشْرِقًا

وَأَيُّ بَدْرٍ مِنَ الْبُدُورِ”

وَيَظَلُّ الشَّاعِرُ عِصْمَتُ الدُّوسْكِي بِأُسْلُوبِهِ الْمُمَيَّزِ وَبَصْمَتِهِ الْخَلَّاقَةِ الْمُتَفَرِّدَةِ شَاهِدًا عَلَى مَوْهِبَةٍ أَصِيلَةٍ، تُتْقِنُ صِيَاغَةَ الْجَمَالِ وَتَمْنَحُهُ رُوحًا لَا تُنْسَى. يَحْمِلُ بِأُسْلُوبٍ فَرِيدٍ مُتَأَلِّقٍ، يَمْزِجُ فِيهِ بَيْنَ رَهَافَةِ الْإِحْسَاسِ وَعُمْقِ الْفِكْرَةِ. نَعَمْ، أَدِيبٌ يَحْمِلُ رِسَالَةً إِنْسَانِيَّةً، وَمَشْرُوعًا جَمَالِيًّا وَاعِيًا نَاضِجًا، يَلِيقُ بِالْقُرَّاءِ الْبَاحِثِينَ عَنْ نَصٍّ يُلَامِسُ الْقَلْبَ وَيَرْتَقِي بِالذَّائِقَةِ، تَأَمُّلٌ رَاقٍ، وَرُؤْيَةٌ نَاضِجَةٌ، وَبَصْمَةٌ لَا تُشْبِهُ إِلَّا صَاحِبَهَا. التَّقْدِيرُ وَالِاعْتِزَازُ لِقَامَتِهِ الْأَدَبِيَّةِ، وَدَامَ صَوْتًا مُضِيئًا فِي سَمَاءِ الْإِبْدَاعِ.

 

اترك رد