*من يسيطر على المستقبل: النفط أم الذكاء الاصطناعي؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…. كاتب سياسي واقتصادي….
في الوقت الذي تتبادل فيه الولايات المتحدة وإيران الرسائل العسكرية، وتتصاعد فيه المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية، تبدو الأسواق المالية وكأنها تعيش في عالم آخر.
بورصات وول ستريت تسجل قمماً تاريخية، وأسهم شركات التكنولوجيا تقفز بصورة جنونية، والاستثمارات تتدفق نحو شركات الذكاء الاصطناعي كما لو أن العالم دخل عصراً اقتصادياً جديداً لا علاقة له بالحروب أو الجغرافيا السياسية.
المشهد يبدو متناقضاً إلى حد الصدمة، العالم يقترب من حافة اشتعال إقليمي واسع، بينما المستثمرون يحتفلون بأرباح الذكاء الاصطناعي. لكن الحقيقة أن ما يجري ليس تناقضاً بقدر ما هو تحوّل عميق في بنية الرأسمالية العالمية.
الأسواق اليوم لم تعد تنظر إلى الحروب بالطريقة التقليدية القديمة. في السابق، كان أي تهديد لمضيق هرمز أو أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط كفيلاً بإسقاط الأسواق العالمية بعنف، لأن الاقتصاد الصناعي التقليدي كان يعتمد بصورة مباشرة على تدفق النفط والطاقة وسلاسل الإمداد المادية. أما اليوم، فإن مركز الثقل الاقتصادي العالمي انتقل تدريجياً من (اقتصاد الطاقة إلى اقتصاد البيانات) وهنا يكمن السر الحقيقي.
الذكاء الاصطناعي خلق سردية مالية جديدة تقول إن المستقبل لن تصنعه الحقول النفطية فقط، بل مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية الرقمية العملاقة. ولذلك أصبحت الأسواق ترى أن الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تحقيق نمو هائل حتى وسط الحروب. هذا ما يفسر لماذا تجاهلت الأسواق نسبياً خطر الحرب الإيرانية، وركزت بدلاً من ذلك على نتائج شركات التكنولوجيا وأرباحها القياسية.
في وول ستريت، لم يعد المستثمر يسأل، هل سترتفع أسعار النفط؟ بل أصبح يسأل، من سيسيطر على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟ من سيحتكر الرقائق الإلكترونية؟ من يملك القدرة الحاسوبية الأكبر؟ ومن سيقود الاقتصاد العالمي القادم؟ وهذا ما خلق حالة أشبه بـ (الهوس الجماعي الاستثماري).
أي شركة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالذكاء الاصطناعي أصبحت مرشحة لتحقيق قفزات خيالية في قيمتها السوقية مثل: شركات الرقائق الإلكترونية، وشركات التبريد، وشركات الكابلات الضوئية، وشركات الطاقة، وحتى شركات السيراميك والزجاج الصناعي.
لقد تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى مغناطيس سيولة عالمي، يبتلع رؤوس الأموال من كل القطاعات الأخرى تقريباً. لكن الأخطر من ذلك أن الأسواق بدأت تتصرف وكأن التكنولوجيا قادرة على تحييد الجغرافيا السياسية، وهنا تكمن المبالغة الكبرى.
صحيح أن الاقتصاد الرقمي أقل اعتماداً على النفط مقارنة بالعقود السابقة، لكن الذكاء الاصطناعي نفسه يحتاج إلى كهرباء هائلة، ومراكز بيانات عملاقة، وتبريد مستمر، ومعادن نادرة، وسلاسل توريد مستقرة. أي أن “ثورة الذكاء الاصطناعي” ليست منفصلة عن الجغرافيا السياسية، بل أصبحت أكثر ارتباطًا بها.
ولهذا فإن تجاهل الأسواق لمخاطر الحرب قد يكون شبيهاً بما حدث من قبل في الأزمات المالية الكبرى، حين استمرت المضاربات والصعود بينما كانت التصدعات تتراكم في العمق. واللافت أن جزءاً من هذا التفاؤل مبني على قناعة بأن الحرب لن تتحول إلى مواجهة شاملة، بل ستبقى ضمن “حرب منخفضة الكثافة”، لا تؤدي إلى انهيار اقتصادي عالمي.
أن الأسواق المالية لا تخاف عادة من “الخطر المعروف”، لأن المستثمرين يكونون قد استعدوا له مسبقاً وأدخلوا تأثيره ضمن الأسعار، وإنما تنهار عندما يحدث شيء غير متوقع أو أكبر من تقديراتها. فإذا حدث إغلاق فعلي طويل لمضيق هرمز، أو قفزة ضخمة في أسعار النفط، أو اضطراب في سلاسل أشباه الموصلات، أو تصعيد أميركي صيني متزامن، فإن المزاج الاستثماري الحالي قد يتحول بسرعة من “هوس ذكاء اصطناعي” إلى “ذعر سيولة عالمي”.
هناك أيضاً بُعد سياسي أعمق. فالولايات المتحدة تدرك أن تفوقها العالمي القادم لن يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على السيطرة على ثورة الذكاء الاصطناعي. ولهذا أصبح الصراع مع الصين صراعاً على الرقائق، والبيانات، والمعادن النادرة، والطاقة اللازمة لتشغيل الاقتصاد الرقمي.
والصين بدورها فهمت ذلك مبكراً، لذلك بنت تفوقاً هائلاً في الطاقة المتجددة، والمعادن النادرة، وسلاسل التوريد الصناعية. أي أن الحرب الحقيقية لم تعد فقط حرب صواريخ وسفن، بل حرب سيطرة على “البنية التحتية للمستقبل”.
ومن هنا نفهم لماذا تبدو الأسواق وكأنها تحتفل بينما العالم يحترق، لأن المستثمرين يراهنون على أن الرابح الأكبر من الفوضى الحالية سيكون قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا الاقتصادات التقليدية. لكن التاريخ المالي يقول إن كل موجات الهوس الكبرى تحمل داخلها بذور التصحيح العنيف، كما حدث في فقاعة الإنترنت، وفقاعة الرهن العقاري، وفقاعات العملات الرقمية.
ولكن يبقى السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل الذكاء الاصطناعي سيغير العالم؟ بل، هل تحولت الأسواق إلى رهينة لسردية واحدة تتجاهل المخاطر الجيوسياسية الحقيقية؟
ربما تكون الأسواق محقة مؤقتاً في تفاؤلها… لكنها قد تكتشف لاحقاً أن العالم الواقعي لا يمكن تجاوزه بالخوارزميات وحدها.

اترك رد