«لوحة فوضى التداعيات» الحرس الثوري:”أنا أو الفوضى”..”كل شيء أو لا شيء” ….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :

⏺️ الافتتاحية:

ليست أخطر الأنظمة تلك التي تُقنع شعوبها بأنها قوية، بل تلك التي تُقنع العالم بأن سقوطها أخطر من بقائها.
وهنا تكمن عبقرية الحرس الثوري الإيراني؛ فهو لم يعد مجرد تشكيل عسكري يحرس النظام، بل تحوّل إلى “عقيدة بقاء” كاملة، ترى أن الدولة ليست وطنًا يمكن أن يتغير، بل قلعة إذا اهتزت جدرانها اهتز معها الإقليم كله.

ولهذا، فإن الرسالة العميقة التي يبعثها الحرس الثوري إلى الداخل والخارج ليست:
“نحن الأقوى”…
بل:
“نحن آخر الجدران قبل الفوضى.”

إنه منطق “أنا أو الانهيار”،
“أنا أو الحرب الأهلية”،
“أنا أو تفكك الجغرافيا”،
“أنا أو اشتعال الخليج و المضائق والطوائف والأسواق.”

وهكذا تتحول الدولة تدريجيًا من كيان سياسي إلى رهينة معادلة وجودية:
كل شيء… أو لا شيء.

1️⃣ من الحارس إلى مالك القلعة

في النظريات التقليدية، يُفترض أن الجيش يحمي الدولة.
لكن في التجربة الإيرانية، تطورت المعادلة بطريقة مختلفة تمامًا؛ إذ لم يعد الحرس الثوري حارسًا للنظام، بل أصبح جزءًا من تعريف النظام نفسه.

فالحرس:

◾️يملك السلاح،

◾️ويمتلك الاقتصاد،

◾️ويخترق الإعلام،

◾️ويتحكم بالأمن،

◾️ويقود شبكات النفوذ الإقليمي،

◾️ويدير جزءًا واسعًا من العقيدة السياسية للدولة.

وهنا تبدأ أخطر التحولات البنيوية:
حين تصبح المؤسسة العسكرية–العقائدية أكبر من الدولة المدنية ذاتها.

فالدولة الطبيعية تستطيع تغيير حكوماتها.
أما الدولة العقائدية المؤدلجة، فتتعامل مع أي محاولة لتقليص نفوذها بوصفها “تهديدًا وجوديًا”، لا مجرد خلاف سياسي.

2️⃣ “الفوضى كسلاح ردع”

الحرس الثوري لا يعتمد فقط على الصواريخ والمسيرات، بل يعتمد على فكرة أكثر خطورة:
إدارة الخوف من البديل.

أي أنه يقدم نفسه للعالم باعتباره:
السدّ الأخير قبل الانفجار الكبير.

وهنا يظهر منطق:
“إذا سقطنا… فلن يسقط النظام وحده، بل سيسقط معه توازن المنطقة.”

لذلك نرى التلويح المستمر بـ:

◾️اضطراب مضيق هرمز،

◾️اشتعال الجبهات المتعددة،

◾️انفجار الوكلاء الإقليميين،

◾️الفوضى الأمنية،

◾️موجات النزوح،

◾️اضطراب الطاقة العالمية.

إنها فلسفة تقوم على تحويل الجغرافيا إلى رهينة سياسية.

ولهذا تبدو الرسالة الضمنية أحيانًا أقرب إلى:
“تعايشوا معنا كما نحن… لأن تكلفة تغيّرنا قد تكون كارثية عليكم.”

3️⃣ عقيدة “كل شيء أو لا شيء”

أخطر ما في الأنظمة العقائدية أنها لا تُجيد التراجع الجزئي.

فالأنظمة البراغماتية تستطيع:

◾️أن تتفاوض،

◾️وتتنازل،

◾️وتعيد التموضع.

أما الأنظمة العقائدية المرتبطة بفكرة “الرسالة التاريخية”، فإنها ترى التراجع بداية الانهيار النفسي قبل السياسي.

ومن هنا نفهم لماذا تتحول بعض الأزمات إلى معارك وجود، حتى لو كانت قابلة للحل تقنيًا أو دبلوماسيًا.

لأن المسألة لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي أو العقوبات أو النفوذ الإقليمي، بل بسؤال أعمق:
هل يمكن لعقيدة بُنيت على “التمدد والبقاء” أن تقبل الانكماش دون أن تهتز صورتها الداخلية؟

وهنا يدخل النظام في أخطر الممرات:
ممر “الكل أو اللاشيء”.

4️⃣ الدولة المزدوجة… حين تخاف الدولة من ظلها

إيران ليست دولة تقليدية بالكامل، وليست ثيوقراطية خالصة بالكامل.
إنها “دولة مزدوجة”:

◾️مؤسسات رسمية،

◾️ودولة موازية عقائدية–أمنية عميقة.

وفي مثل هذه الأنظمة، تصبح الأزمة الحقيقية ليست في مواجهة الخارج فقط، بل في إدارة التوازن بين:

◾️الدولة،

◾️والثورة.

بين:

◾️البراغماتية،

◾️والعقيدة.

بين:

◾️الحاجة للبقاء،

◾️والخوف من التغيير.

لقد منحت الدولة المزدوجة إيران قدرة استثنائية على البقاء… لكنها في الوقت نفسه جعلت أي تراجع يبدو وكأنه بداية انهيار شامل. وهكذا، تتحول السياسة تدريجيًا من إدارة الدولة… إلى إدارة الخوف من سقوطها.

فعبقرية الدولة المزدوجة أنها صُممت لمنع الانهيار السريع… لكن مأزقها التاريخي يبدأ حين يصبح استمرارها مشروطًا بإبقاء المنطقة كلها على حافة الانفجار.

ولهذا يبدو المشهد الإيراني أحيانًا كأنه صراع دائم بين من يريد “حماية الدولة”، ومن يريد “حماية الرواية”.

5️⃣ الشرق الأوسط… رهينة نظرية الانفجار الكبير

المعضلة الكبرى أن المنطقة بأكملها أصبحت مرتبطة بهذه المعادلة النفسية–الجيواستراتيجية.

فكل تصعيد كبير يفتح الأسئلة ذاتها:

◾️ماذا لو شعر الحرس الثوري أن النهاية تقترب؟

◾️ماذا لو انتقلت العقيدة من “الدفاع” إلى “منع السقوط بأي ثمن”؟

◾️ماذا لو أصبحت الفوضى نفسها جزءًا من أدوات التفاوض؟

هنا تتحول المنطقة إلى ساحة أعصاب مفتوحة:
الخليج يخشى الطاقة،
إسرائيل تخشى التمدد،
واشنطن تخشى الانفجار الشامل،
والعواصم العربية تخشى انهيار الدول الهشة تحت ضغط النار العابرة للحدود.

⏺️ الخاتمة: حين تصبح الفوضى عقيدة بقاء

ربما لا تكمن أخطر قوة للحرس الثوري في ترسانته العسكرية،
بل في قدرته على إقناع الجميع بأن البديل عنه قد يكون أكثر رعبًا منه.

وهنا تكمن المأساة الاستراتيجية للشرق الأوسط:
أن بعض الأنظمة لم تعد تدافع عن نفسها فقط… بل تدافع عن “الخوف من انهيارها”.

حين تصل الأنظمة العقائدية إلى مرحلة ربط وجود الدولة بوجودها هي… تتحول السياسة من فن إدارة الأزمات إلى فن تأجيل الانفجار.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:
هل يستطيع الحرس الثوري الصمود؟

بل:
إلى أي مدى يمكن لمنطقة كاملة أن تبقى رهينة معادلة:
“أنا أو الفوضى”؟

لأن الدول التي تصل إلى مرحلة:
“كل شيء أو لا شيء”
تكون قد اقتربت جدًا من اللحظة التي يصبح فيها:
اللاشيء… احتمالًا واقعيًا.

“أخطر اللحظات ليست حين تخاف الأنظمة من السقوط… بل حين تقنع نفسها أن سقوطها يجب أن يُسقط الجميع معها”.

اترك رد