منبر العراق الحر :
كتب زبيغنيو بريجنسكي، في لحظة الذروة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أن الولايات المتحدة أصبحت “أول قوة كونية فعلية في التاريخ”، في توصيفٍ التقط جوهر المرحلة التي أعقبت 1991؛ حيث بدا النظام الدولي وكأنه استقر نهائيًا تحت هندسة أحادية تُدار من واشنطن، ليس فقط عبر التفوق العسكري، بل عبر احتكار تعريف الشرعية والمعنى والمؤسسات والأسواق. غير أن ما اعتُبر آنذاك “نهايةً للصراع على المركز” تبيّن لاحقًا أنه مجرد ذروة عابرة داخل دورة تاريخية أعمق لتآكل التمركز الإمبراطوري.
فالعالم لم ينتقل من الثنائية القطبية إلى الأحادية بقدر ما دخل، تدريجيًا، في طور “السيولة الاستراتيجية”؛ أي تفكك البنى الصلبة للقوة لصالح خرائط نفوذ مرنة، متداخلة، وعابرة للتصنيفات الكلاسيكية. لم تعد القوة تُختزل في احتكار السلاح أو السيطرة الإقليمية المباشرة، بل في القدرة على إدارة التدفقات: الطاقة، البيانات، الممرات، التكنولوجيا، والعملات، وحتى الإدراك الجمعي.
الحرب الروسية–الأوكرانية شكّلت، بهذا المعنى، لحظة انكشاف كبرى لبنية النظام الدولي الراهن. فروسيا، التي تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم وفق معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI)، لم تستطع تحويل التفوق العسكري إلى حسم سياسي شامل، بينما استطاعت واشنطن، دون انخراط مباشر، إدارة واحدة من أكثر حروب الاستنزاف تعقيدًا عبر هندسة العقوبات، والتحكم بالتكنولوجيا المالية، وإعادة توجيه أسواق الطاقة الأوروبية. لقد بدا المشهد وكأن القوة لم تعد تقيم في الدبابة بقدر ما تقيم في الخوارزمية، وفي أنظمة الدفع، وفي القدرة على عزل الخصم عن الشبكات التي تنتج الاقتصاد العالمي ذاته.
هنا تحديدًا تتجلى ملامح التحول من “الجغرافيا العسكرية” إلى “الجغرافيا التداولية”. فطبقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي، فإن أكثر من 58% من الاحتياطات النقدية العالمية ما تزال مقومة بالدولار، ما يمنح واشنطن قدرة استثنائية على تحويل النظام المالي العالمي إلى بنية ردع عابرة للحدود. إلا أن المفارقة تكمن في أن أدوات الهيمنة ذاتها بدأت تنتج، تدريجيًا، ديناميات مقاومة مضادة؛ إذ دفعت العقوبات الغربية كلًا من الصين وروسيا وإيران إلى تسريع مشاريع “فك الارتباط النقدي” والبحث عن بدائل للتسويات المالية خارج المنظومة الغربية.
في المقابل، لا تمثل الصين وريثًا تقليديًا للنموذج الأمريكي بقدر ما تقدم تصورًا مختلفًا لطبيعة النفوذ. فبكين لم تتوسع عبر القواعد العسكرية بالمفهوم الإمبراطوري الكلاسيكي، بل عبر ما يمكن تسميته “الاحتواء البنيوي”؛ أي إدماج الدول داخل شبكات الاعتماد الاقتصادي طويلة الأمد. ووفق بيانات البنك الدولي، تجاوز حجم التجارة الصينية مع دول الشرق الأوسط 400 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، بينما تحولت مبادرة “الحزام والطريق” إلى أكبر مشروع لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية منذ طرق الحرير التاريخية.
إلا أن التحول الأعمق لا يكمن في صعود الصين بحد ذاته، بل في انهيار مركزية القطب الواحد كمفهوم ناظم للعالم. فالهند تشتري النفط الروسي رغم تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن، وتركيا عضو في الناتو لكنها تنسق أمنيًا مع موسكو، والسعودية تطور شراكاتها مع الصين دون القطيعة مع الولايات المتحدة. إنها مرحلة “التموضع المرن” حيث تتحرك الدول وفق منطق تعظيم الهامش لا وفق الولاء الأيديولوجي الثابت.
ولعل التوسع الأخير لمجموعة بريكس يعكس هذا التحول بوضوح؛ فالمجموعة لا تقدم نفسها كتحالف مضاد للغرب بالمعنى التقليدي، بل كإطار لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام العالمي دون إسقاطه بالكامل. وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة أقرب إلى “تفكك احتكار المركز” لا إلى استبداله بمركز آخر.
إن العالم يدخل، تدريجيًا، عصر “السيولة الجيوسياسية”، حيث تتآكل الحدود الفاصلة بين الاقتصاد والأمن، والحرب والتكنولوجيا، والدولة والشركات. فشركات مثل NVIDIA و TSMC باتت تتحكم، فعليًا، بمفاصل استراتيجية تتجاوز أحيانًا قدرات دول بأكملها؛ إذ تحولت الرقائق الإلكترونية إلى ما يشبه “النفط السيادي” للعصر الرقمي. ولذلك لم تعد تايوان مجرد جزيرة شرق آسيوية، بل عقدة مركزية في معمار القوة العالمي، لأن أكثر من 60% من الرقائق المتقدمة عالميًا تُنتج هناك وفق مجلة الإيكونوميست.
الأمر ذاته ينسحب على الممرات البحرية؛ فاضطرابات البحر الأحمر خلال 2024–2025 لم تكن مجرد أزمة أمنية، بل لحظة إدراك عالمية لهشاشة العولمة نفسها. إذ تشير بيانات الأونكتاد إلى أن ما يقارب 12% من التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر، ما جعل جماعة غير دولاتية قادرة، عبر طائرات مسيرة منخفضة الكلفة، على إرباك أحد أهم الشرايين التجارية في العالم. إنها مفارقة “اللاتماثل الاستراتيجي”، حيث تستطيع أدوات هامشية نسبيًا إحداث تأثيرات تتجاوز وزنها التقليدي داخل ميزان القوة.
في هذا السياق، تبدو “السيولة الاستراتيجية” توصيفًا دقيقًا لعالم لم يعد يعترف بالمراكز الثابتة. فالقوة لم تعد احتكارًا جغرافيًا، بل قدرة على الحركة داخل التشابكات المعقدة دون الانهيار فيها؛ قدرة على إعادة التموضع المستمر داخل فضاء دولي يتآكل فيه الفرق بين الهيمنة والتداخل، وبين السيطرة والاعتماد المتبادل.
ويبقى السؤال الأكثر كثافة في أفق النظام الدولي القادم:
هل نشهد أفولًا فعليًا لفكرة “المركز الإمبراطوري” لصالح عالم متعدد الإرادات، أم أن السيولة الراهنة ليست سوى الشكل الأكثر تعقيدًا وخفاءً لإعادة إنتاج الهيمنة ذاتها بأدوات ما بعد عسكرية؟
منبر العراق الحر منبر العراق الحر