منبر العراق الحر :
التقرير الإستراتيجي السابع: “التفاوض تحت النار”
المقدمة:
يمر الإقليم المنظور بمنعطف إستراتيجي بالغ التعقيد، يتأرجح فيه المشهد بعد مرور 100 يوم من الحرب والاستنزاف بين مساعٍ دبلوماسية مكثفة وقنوات خلفية سرية لصياغة “هدنة ضرورة” مؤقتة ترعاها واشنطن، وبين مواجهة ميدانية خشنة وتصعيد عسكري مباشر محكوم بمعادلة “التفاوض تحت النار”. يأتي هذا التقرير ليقدم تفكيكاً شاملاً للتحولات الأمنية المستجدة بعد الاختراق الصاروخي الإيراني الأخير لشمال إسرائيل، مستعرضاً تباين المواقف والخيارات الخليجية، والاعتداءات الإيرانية، وضغوط إدارة ترامب الصارمة لإنقاذ المفاوضات الإقليمية.
مستجدات ملف مضيق هرمز والتفاهمات البحرية الطارئة
الوضع الميداني والمناورات: تشهد منطقة مضيق هرمز حالة من الاستنفار العسكري والرقابة اللصيقة بالتزامن مع التحركات البحرية الأخيرة وبلوغ الحرب عتبة المئة يوم. تشير التقييمات إلى أن أمن الممر المائي بات النقطة الأكثر حرجاً في معادلة الهدنة الحالية، حيث تسعى الأطراف الدولية والإقليمية لتجنب أي احتكاك عسكري غير محسوب قد يفجر الموقف الشامل، تزامناً مع تلويح البنتاغون بالجاهزية لمواصلة الحرب إن فشلت القنوات السياسية.
مسودة مذكرة التفاهم (MoU): تركز المسودة التي جرى تداول خطوطها العريضة في الدوحة ومسقط وبين العواصم المعنية على صياغة “ترتيبات أمنية مؤقتة” تضمن حرية حركة ناقلات النفط والتجارة الدولية عبر المضيق كحل لعقدة الحرب الحالية، وبما يتقاطع مع الخطوط العريضة لرسائل التهدئة المتبادلة بين واشنطن وطهران.
معادلة الهدنة المقترحة: يقوم هذا التحديث على مقايضة اقتصادية وأمنية مباشرة وصارمة: “تأمين الملاحة الكامل والتفكيك المشروط للقيود مقابل بدء الإفراج التدريجي عن الأصول المالية المجمدة عبر الوساطة القطرية”، وهو ما تنظر إليه القوى الإقليمية كمسكّن مؤقت لخفض التصعيد بانتظار ترتيبات إقليمية وأمنية أشمل تُلزم النواة الصلبة في إيران بتغيير سلوكها.
تباين المواقف والخيارات الإستراتيجية لدول الخليج العربي
1. تيار “التوجس النشط والتحالف الصلب”
(الإمارات العربية المتحدة)
الموقف الميداني: كشفت تقارير استخباراتية غربية بارزة (أحدثها تقرير لصحيفة The Wall Street Journal) أن الإمارات اتخذت موقفاً عسكرياً متقدماً جداً؛ حيث شاركت بشن ضربات جوية مباشرة ضد أهداف إيرانية منذ الأيام الأولى للحرب وإلى ما بعد مرور مئة يوم عليها، متبنية خيار الردع الخشن لحماية أمنها القومي وتغيير موازين القوى ميدانياً.
الرؤية تجاه الهدنة: تنظر أبوظبي بتوجس شديد لأي اتفاق تسوية مرحلي أو قنوات تفاوضية سرية تبرز الآن؛ إذ يكمن خوفها الأساسي في أن تؤدي براغماتية ترامب إلى “تخفيف الحصار” عن طهران ومنحها متنفساً مالياً بمليارات الدولارات دون تفكيك حقيقي لمنظومة مسيراتها وصواريخها الباليستية، مما يعني بقاء التهديد الإيراني قائماً على حدودها بعد انتهاء “العرض الهوليودي” لإنهاء الحرب.
2. تيار “التحوط وحماية التنمية”
(المملكة العربية السعودية)
الموقف الإستراتيجي: تقف الرياض في موقع “المؤيد الحذر مع الحفاظ على مسافة أمان”. الأولوية القصوى للمملكة هي حماية أمن منشآتها النفطية واستقرار المنطقة لضمان المضي قدماً في مشاريع “رؤية 2030” الاقتصادية، والتي تضررت بالفعل جراء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية وشلل سلاسل الإمداد طيلة الـ 100 يوم الماضية.
الرؤية تجاه الهدنة: تدعم السعودية علناً الجهود الدبلوماسية لفتح مضيق هرمز وتأمين حرية الملاحة عبر مجلس الأمن الدولي والوساطات القائمة. إلا أنها ترفض تقديم أي “شيك على بياض” لواشنطن؛ حيث امتنعت المملكة عن السماح باستخدام قواعدها العسكرية لشن هجمات مباشرة ضد إيران تجنباً لأن تصبح أراضيها ساحة لتصفية الحسابات. الرياض تريد هدوءاً مستداماً، لكنها تخشى أيضاً من أن تسرع إدارة ترامب نحو “اتفاق سريع ومبتور” يترك أمن الخليج مكشوفاً إستراتيجياً في المستقبل أمام الصواريخ التكتيكية.
3. تيار “الوساطة الدافعة والعراب الدبلوماسي”
(قطر وسلطنة عُمان)
الموقف والتحرك: يمثل هذا التيار المحرك والمسهّل الأساسي لهذا الهبوط الآمن على الصعيد العربي. عملت الدبلوماسية القطرية والعُمانية، بالتنسيق اللصيق مع الوسيط الباكستاني، كقنوات اتصال سرية ومباشرة لنقل رسائل ترامب إلى المرشد مجتبى خامنئي وصياغة مسودة مذكرة التفاهم (MoU) لإدارة التفاوض تحت النار بعد 100 يوم من المواجهة.
الرؤية تجاه الهدنة: يرى هذا المعسكر في الهدنة مصلحة حيوية طارئة ومخرجاً تفاوضياً ملحاً لإدارة ترامب والنواة الصلبة في إيران على حد سواء. فالدوحة استضافت الوفود وتعمل كوسيط مالي لإدارة ملف الأصول المجمدة، وعُمان تراقب بقلق التطورات الميدانية عند مضيق هرمز؛ وكلاهما يرى أن التوصل إلى “اتفاق ضرورة” يرفع العقوبات تدريجياً مقابل فتح المضيق بشكل دائم هو السبيل الوحيد لمنع انزلاق الخليج إلى حرب استنزاف طويلة ومدمّرة.
4. تيار “المواجهة الاضطرارية وأزمة المظلة الأمنية”
(دولة الكويت ومملكة البحرين)
أزمة الاتفاقيات والمظلات الدولية: يقف هذا المعسكر في خط النار المباشر للضغوط والاعتداءات الإيرانية المستمرة، مما ولد قناعة إستراتيجية بـ “عجز وقصور المظلات الأمنية الدولية والاتفاقيات الثنائية”. فرغم امتلاك الكويت، على سبيل المثال، لاتفاقيات دفاع تاريخية مع القوى الكبرى (الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا والصين)، إلا أن هذه الترسانة القانونية لم توفر لها حائط صد مانع ضد الاختراقات والاستهدافات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية المباشرة التي طالت منشآتها الحيوية كقاعدة “علي السالم” الجوية ومبنى الركاب (T1) في مطار الكويت الدولي، بالتوازي مع محاولات استهداف مقار القيادة الحيوية والمنشآت الاقتصادية في البحرين الحاضنة للأسطول الخامس الأمريكي.
الرؤية تجاه الهدنة: ينظر هذا التيار للهدنة والتفاهمات السرية بعين التوجس والشك التام؛ إذ يرى أن التفاهمات الجارية تترك الجبهات مكشوفة أمنياً، حيث تستغل طهران مسارات التفاوض المالي والبحري كغطاء سياسي مضلل تتبعه عبر استراتيجية “تجزئة الردع وفصل المسارات”، لمواصلة استهداف البنية التحتية والمطارات في الكويت والبحرين لتصفية حساباتها وتثبيت شروطها دون رادع دولي حقيقي، رغم اتخاذ الحكومتين تدابير سيادية صارمة كطرد الدبلوماسيين الإيرانيين ورفع الجاهزية الأمنية والدفاعية القصوى.
ملف الاعتداءات الإيرانية المستمرة على دولتي الكويت والبحرين
استهداف المنشآت الحيوية في الكويت: استمرار الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية المباشرة ضد البنية التحتية والمرافق المدنية والعسكرية الكويتية كأداة ضغط موازية للمسارات الدبلوماسية، والتي طالت مبنى الركاب (T1) في مطار الكويت الدولي وقاعدة “علي السالم” الجوية، مما يتسبب في خسائر مادية وبشرية مباشرة ويهدد سلامة الملاحة الجوية الإقليمية.
استهداف العمق البحريني والقواعد الإستراتيجية: توازي الهجمات على الكويت ضربات ومحاولات استهداف صاروخية ومسيّرة مستمرة ضد مملكة البحرين، بهدف الضغط على المنامة واستهداف مقار القيادة الحيوية والمنشآت الاقتصادية الحركية، نظراً لموقع البحرين الإستراتيجي كمركز ومقر للأسطول الخامس الأمريكي ومحور للعمليات البحرية المشتركة.
التصدي الدفاعي واعتراض الصواريخ الباليستية: نجاح منظومات الدفاع الجوي والاعتراض المشتركة في التصدي لضربات متتالية ومنع تمدد رقعة الاستنزاف؛ حيث تضمنت تلك الجهود اعتراض صواريخ باليستية ومسيّرات مفخخة في الأجواء الكويتية والبحرينية فجراً وخلال الأيام الماضية، لمنع إيقاع خسائر فادحة في القواعد العسكرية والمنشآت النفطية والتنموية الحيوية.
الردود الدبلوماسية والإجراءات السيادية: اتخاذ الحكومتين إجراءات سياسية وعسكرية صارمة لإدانة هذا “العدوان الإيراني الغاشم”، شملت تدابير حازمة مثل طرد دبلوماسيين إيرانيين من الكويت، ورفع حالة الجاهزية الأمنية والدفاعية القصوى في البحرين، مع التأكيد المشترك على الاحتفاظ بحق الرد المشروع وتثبيت مبدأ رفض استخدام الأراضي أو الأجواء الخليجية كمنطلق للعمليات الهجومية.
التطور العسكري العاصف وفيتو ترامب
(المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب)
الضربة الإيرانية المباغتة وكسر قواعد الاشتباك: في تحول جوهري غير مسبوق أربك اللمسات الأخيرة للمفاوضات، أطلقت إيران 10 صواريخ باليستية دفعة واحدة استهدفت شمال إسرائيل بشكل مباشر. هذا التحرك يمثل، بحسب مراقبين وإعلاميين، “تغييراً هائلاً في المعادلة الإستراتيجية”؛ فلأول مرة تبادر طهران بضرب العمق الإسرائيلي انطلاقاً من أراضيها، مما يعكس تحولاً هجومياً جريئاً يمثل انتكاسة إستراتيجية قاسية لنتنياهو وتراجعاً حاداً لمدى الردع الإسرائيلي.
معادلة “شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية”: جاء الهجوم الصاروخي بإيعاز صريح من “مقر خاتم الأنبياء” الذي ربط بوضوح بين وقف الضربات على شمال إسرائيل وبين وجوب وقف تل أبيب لهجومها العسكري المستمر على الضاحية الجنوبية لبيروت وجنوب لبنان. ورغم خروج الناطق باسم الجيش الإسرائيلي ليعلن بغضب: “لن نسمح بفرض معادلة جديدة بضرب شمال إسرائيل مقابل الضاحية الجنوبية لبيروت”، إلا أن الوقائع فرضت المعادلة قسراً، وحولت لبنان رسمياً إلى “ورقة رابحة وحاسمة” في يد المفاوض الإيراني أمام الإدارة الأمريكية.
الفيتو الصارم لترامب على الرد الإسرائيلي: دخل الرئيس الأمريكي ترامب على خط الأزمة بكل ثقله السياسي لمنع انفجار الوضع الشامل وتأمين المفاوضات، موجهاً رسالة حازمة لطهران: “لقد أطلقتم صواريخكم وهذا يكفي، وعودوا إلى المفاوضات”. وفي ذات الوقت، مارس ترامب ضغطاً خانقاً على تل أبيب مستغلاً أن الضربات الإيرانية لم تسفر عن إصابات بشرية، معلناً صراحة: “لا أريد أن ينفجر الوضع بسبب ما يحدث الآن.. وسأتصل بنتنياهو لأطلب منه عدم الرد”.
تأجيل الرد الإسرائيلي القسري وانتعاش فرص الاتفاق: استجابةً للضغط الأمريكي الصارم، أكدت هيئة البث الإسرائيلية ومسؤولون أمريكيون عبر “القناة 12” أن نتنياهو وافق بشكل ما على تأجيل الرد الإسرائيلي لعدة أيام نظراً لمعارضة ترامب الشديدة. وأجمعت المصادر الأمريكية على أن “إسرائيل لا يمكنها إحباط المفاوضات الجارية حالياً”، مما رفع بورصة التوقعات وفرص الوصول إلى هذا الاتفاق الدبلوماسي الشامل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة (فرصة الاتفاق باتت مرتفعة جداً).
الخلاصة الإستراتيجية:
النضج البراغماتي والواقعية السياسية: تُظهر القراءة المتعمقة للمشهد الحالي أن المنظومة الخليجية أصبحت أكثر نضجاً براغماتياً في التعامل مع تقلبات السياسة الأميركية المحكومة بالحسابات الاقتصادية الداخلية والانتخابية لإدارة ترامب. يفرض الواقع الراهن “واقعية سياسية صارمة” تعيد رسم أدوار الفاعلين الإقليميين؛ فالمنطقة تتوزع أدوارها ديناميكياً بين اندفاع عسكري إماراتي حاسم لردع التهديد مباشرة، وتحوط سعودي دقيق لحماية المكتسبات التنموية، ووساطة قطرية وعُمانية لنزع فتيل الانفجار الشامل، في حين تقف الكويت والبحرين في مواجهة اضطرارية كشفت بوضوح عجز المظلات الأمنية الدولية والاتفاقيات الثنائية التقليدية أمام نمط “حرب المسيرات والصواريخ” الحديث.
ثغرة “فصل المسارات وتجزئة الردع”: تكشف هذه الديناميكية عن الثغرة الجوهرية في معادلة التهدئة؛ حيث تتبع طهران إستراتيجية “فصل المسارات وتجزئة الردع”. فهي توظف الدبلوماسية المرنة في الدوحة ومسقط لفك خنقها الاقتصادي، بالتوازي مع استخدام القوة الصلبة والصواريخ ضد عواصم خليجية أخرى لتصفية حساباتها وتثبيت شروطها ميدانياً على حساب أمن الإقليم، مستغلة عدم جدوى الاتفاقيات الأمنية الخارجية للكويت والبحرين في تشكيل حماية حقيقية على أرض الواقع.
المسكن المؤقت والاستقلالية الإستراتيجية: بناءً عليه، يجمع الخليج على أن الهدنة الحالية ليست سوى “مسكّن مؤقت وقصير الأجل” يحمي معابر الملاحة وأسواق النفط دون معالجة أصل الداء؛ وهو ما يدفع العواصم الخليجية للتحرك الموازي لبناء (استقلالية إستراتيجية كاملة) عبر تنويع الشراكات الدولية (مع الصين وروسيا) وتعميق التنسيق الدفاعي البيني المشترك، إدراكاً منها بأن هذا “الهبوط الهوليودي” الراهن قد يعقبه إقلاع عاصف ومواجهة أكثر ضراوة في أي جولة سياسية قادمة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر