كاظم الساهر.. ربان بلا بوصلة! فلاح المشعل

منبر العراق الحر :
حاورت الفنان المبدع كاظم الساهر مرات عديدة، لا أتذكر عددها، وكتبت عنه عشرات الموضوعات، إضافة إلى كتاب نُشر متسلسلاً على شكل حلقات في مجلة «الأسرة العصرية» الصادرة في دبي نهاية تسعينيات القرن الماضي.
ولم تنقطع صلتي بهذا الفنان الرائع، بل استمرت عبر متابعتي لأعماله الموسيقية وما يضيفه من جديد إلى مساره الفني من تنويع في البناء الموسيقي والأداء، والكتابة عنه أيضاً، وهو ما سيجده القارئ في كتابٍ لي عن الموسيقى العراقية يصدر لاحقاً، خصصت فيه أكثر من فصل لمحاكاة تجربة كاظم الإبداعية ومحطات ارتقائه الفني.
تابعت لقاء الإماراتي أنس بوخش مع كاظم الساهر، والذي امتد لأكثر من ساعتين بقليل، لكنني وجدت كاظم أشبه بربان سفينة بلا دفة، أو كمن يقود سفينة راسية على اليابسة، فلم نمخر عباب بحر كاظم الساهر الحقيقي، ذلك البحر الذي يمتد لأكثر من أربعين عاماً من التجارب الموسيقية والغنائية، ورحلة تألق بدأت من مسارح بغداد وأزقة مدينة الحرية وصولاً إلى فضاءات النجومية العربية والعالمية.
لقد غابت عن الحوار تفاصيل مهمة في رحلة شاقة وممتعة عاشها كاظم بامتياز استثنائي؛ من ظروف الحرب إلى السفر والانعتاق، ومن البدايات الصعبة إلى النجاحات المتواصلة والمتراكمة، كما غابت حياته الثقافية والشعرية التي كانت أطرافها أسماء كبيرة مثل كريم العراقي، ونزار قباني، ومحمد بن راشد، وفاروق جويدة، وعشرات الشخصيات المهمة الأخرى، كذلك غابت شبكة صداقاته الممتدة مع كبار الملحنين والمطربين العرب والعراقيين، وصولاً إلى فيروز وفضل شاكر وغيرهما من الأسماء المؤثرة في المشهد الفني العربي عىوماً ، وتجارب غناء الدويتو مع نجمات عربية.
أما كاظم المعلم والحكم الموسيقي في برنامج (The Voice) على شاشة MBC، وصاحب التجارب الإنسانية والوطنية والقومية والعاطفية المتنوعة، فقد غاب هو الآخر عن هذا الحوار، الذي لا أعتقد أننا خرجنا منه بأكثر من عشرين دقيقة ذات قيمة حقيقية، كانت كافية لأن تفتح لنا نافذة على التحولات النفسية والذاتية والفكرية في عالم كاظم الساهر، ورؤيته للحياة وهو على بعد أشهر من دخول عامه السبعين !
عشرون دقيقة فقط، أما بقية الحوار فبدت فاقدة للبوصلة، إما مكررة، أو مملة، أو تفتقر إلى الأهمية وفق أبسط مفاهيم العمل الإعلامي.
أنا أعرف كاظم جيداً، فهو لا يتحدث في أمر إلا إذا سُئل عنه. لكن المحاور أنس بوخش جاء بأسئلة ضعيفة، وبعضها عام وباهت، لا يليق بفنان بحجم وتاريخ كاظم الساهر. بدا الحوار محصوراً في شؤون العائلة والحياة الخاصة، فيما ظهر المحاور قليل الاطلاع على قضايا الموسيقى والغناء والشعر، وعلى واقع الساحة الفنية العربية وتحولاتها وأزماتها.
عشرون دقيقة فقط، ومئة دقيقة ضائعة، لم نكسب منها سوى «شوفة» أبو وسام الجميل. ورغم اقترابه من السبعين، فإنه ما يزال يحتفظ بشبابه وعنفوانه، وإن بدا أحياناً متظاهراً بالزهد في الحياة. عرض أقل

اترك رد