منبر العراق الحر :
العاصفة الترابية التي أثارتها حرب رئيس حكومة علي الزيدي المزعومة على الفساد، تطمس حقيقة أزمة السلطة السياسية، أو بالأحرى أزمة سلطة الإسلام السياسي الشيعي في العراق، التي تمثل أكثر الأجنحة البرجوازية تعفناً ورجعية.
إن التصفيق الحاد، والهلاهل، والتأييد الصادر عن عرّابي العملية السياسية وكبار الفاسدين فيها لحملة الزيدي على الفاسدين من الدرجتين الثانية والثالثة، يضيف مزيداً من الضبابية إلى المشهد. فمنذ الوهلة الأولى، تذكّرنا تلك الهلاهل بما فعله الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي عندما تقدّم صفوف التظاهرات التي كانت تهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام».
لكن ثمة فارق جوهري بين المشهدين؛ فهتافات القذافي لم تنجح في إحباط المخطط الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو لإسقاط نظامه، بينما يأتي تصفيق عرّابي العملية السياسية، الذين يُطلق عليهم «حيتان الفساد»، في سياق مختلف تماماً، إذ يحظى هذا النظام نفسه بدعم المؤسسات المالية والإدارة الأمريكية، بما يضمن حمايته واستمرار العملية السياسية برمتها، القائمة على أعمدة الفساد، سواء كان النفوذ فيها إيرانياً أم أمريكياً.
لا شك أن السلطة السياسية في العراق تعيش أزمة بنيوية، أساسها أن هذا الجناح الإسلامي الشيعي لم يتمكن من حسم مسألة السلطة السياسية لصالحه ولصالح تحالفه مع نظام ولاية الفقيه، الذي يمثل السياسة المعبرة عن طموحات وتطلعات البرجوازية القومية الإيرانية الملتحفة بالإسلام أيديولوجياً، وبشقه الشيعي. وبعبارة أخرى، فإن هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، كما أنها ليست نتاج حرب الأيام التسعة والثلاثين، التي كان العراق خلالها جبهة ثانية مشتعلة بعد إيران، وإن بدرجة اقل.
واليوم، أسهمت أزمة نظام ولاية الفقيه نفسها في تعميق أزمة السلطة السياسية في العراق الذي يعتبر جزء من محور النفوذ الإيراني. صحيح أن نظام ولاية الفقيه لا يزال قائماً، وتمكن حتى الآن من الصمود وكسب معركة البقاء، إلا أنه يعاني من تداعيات جسيمة اثر الحرب الاخيرة، تتمثل في خسائره العسكرية، وتصفية عدد من قادته، وغياب مرشد سياسي يوحد أركان النظام، إلى جانب أزمة اقتصادية خانقة، واحتقان جماهيري داخلي مؤجل الانفجار، وعزلة سياسية متزايدة، وخسارة نفوذه في سوريا، وتقطّع خطوط ارتباطه المباشر مع حزب الله اللبناني، الأمر الذي قيّد هامش حركته وفتح المجال أمام إسرائيل للاستفراد به. وفي هذا السياق، يُعد العراق إحدى أهم الأوراق الاستراتيجية لنظام ولاية الفقيه، إلا أن نفوذه فيه شهد تراجعاً ملحوظاً.
إلى جانب الأزمة السياسية، تعصف بالعراق أزمة اقتصادية تهز أركان النظام السياسي برمته. وقد أسهمت الحرب الأخيرة، التي استمرت تسعةً وثلاثين يوماً، في تعميق الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها السلطة. فالعراق كان يعاني أصلاً من اختلالات اقتصادية هيكلية، ثم جاءت الحرب، وما رافقها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز وتعطّل حركة تصدير النفط، لتزيد من حدة الأزمة، ولا سيما أن الموازنة العراقية تعتمد على العائدات النفطية بما يقارب 90% من إيراداتها. وفضلاً عن ذلك، فإن غياب الاستقرار الأمني والسياسي، واستشراء الفساد، حالا دون تدفق الاستثمارات إلى العراق، رغم القوانين والقرارات التي أُقرت بهدف جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع الاستثمار.
وفي ظل أزمات النظام الرأسمالي، تسعى الطبقة الحاكمة، عادةً، إلى ترحيل أزماتها، إما عبر الحروب، وإما عبر فرض سياسات التقشف. وفي العراق، تتمحور هذه السياسات حول تقليص الإنفاق على الخدمات العامة، والضغط على الرواتب والمعاشات، وخفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار لتقليص العجز في الموازنة، ولا سيما في بند رواتب موظفي القطاع العام، فضلاً عن رفع أسعار المحروقات، وزيادة الضرائب والرسوم على مختلف السلع والخدمات، وتهيئة الشروط اللازمة لتصفية القطاع العام وخصخصته بأسعار بخسة، بما يشبه بيع ممتلكات الدولة بسعر الخردة.
في أي نظام رأسمالي يوجد فساد، إلا أن درجة تفشيه تختلف من بلد إلى آخر. غير أن الأزمة البنيوية التي تعصف اليوم بالنظام السياسي في العراق جعلت الفساد نفسه عائقاً أمام حرية حركة رأس المال وإعادة إنتاج النظام الاقتصادي بالشكل الذي تريده الطبقة الحاكمة. وفي الوقت نفسه، تدرك حيتان الفساد، بوصفها الممثل السياسي للبرجوازية الحاكمة، أن استمرار النظام بالآليات القديمة نفسها، التي اعتمدت على الإثراء والنهب طوال أكثر من عقدين، لم يعد ممكناً. فالتحولات السياسية التي تشهدها المنطقة، إلى جانب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، تفرض عليها البحث عن مخرج لأزمتها، أو على الأقل منعها من التفاقم، وهو ما يدفعها، بدافع غريزة البقاء الطبقية، إلى إعادة ترتيب أدواتها وأساليب حكمها.
فإذا كانت سياسة الصدمات الاقتصادية، التي طُبقت في عدد من بلدان أمريكا اللاتينية وآسيا، وفي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة، قد نجحت في فرض إصلاحات هيكلية أعادت تشكيل العلاقات الرأسمالية، وهيأت ظروف العمالة الرخيصة، ووفرت بيئة جاذبة لرأس المال العالمي عبر فتح الأسواق أمام الشركات الأجنبية وتدفق الاستثمارات، فإن حكومة الزيدي تحاول في العراق استكمال ما بدأه المستشارون الأمريكيون في الوزارات العراقية عقب الاحتلال، عندما سعوا إلى دمج العراق بصورة كاملة ومستقرة باقتصاد السوق ، إلا أنهم لم يحققوا ذلك لا هم ولا الحكومات اللاحقة بالشكل الذي كانوا يطمحون إليه. وفي هذا السياق، جاء الزيدي لايفاء بتعهدات اسلافه من الحكومات أمام المؤسسات الرأسمالية العالمية عن توجهه الاقتصادي عندما دعا إلى إنهاء ما سماه «العقلية الاشتراكية»، في إشارة إلى تنصل الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية والاقتصادية تجاه المجتمع، والدفع نحو تعميق السياسات النيوليبرالية والخصخصة.
إن «الحرب على الفساد»، في أحد جوانبها، ليست سوى سياسة لتسكين الأزمة الاقتصادية ومحاولة لتخفيف حدة الأزمة الخانقة التي تعاني منها السلطة السياسية، وذلك عبر توجيه صدمة سياسية تتحكم بها الطبقة الحاكمة، تمهيداً لتهيئة الأجواء بما ينسجم مع مجمل التحولات السياسية في المنطقة، ولا سيما مع الاستراتيجية الأمريكية، التي تسعى إلى فك ارتباط العراق بمحور الجمهورية الإسلامية في إيران، وتهيئة بيئة آمنة ومستقرة ومستدامة لاستثمارات الشركات الأمريكية. وفي هذا السياق في مقابلة مع الصحفية الامريكية هادلي غامبل، أشار الزيدي ، بوصفه ممثلاً للسلطة السياسية القائمة، إلى توجهات حكومته الاقتصادية، معلناً عزمه على تزويد الولايات المتحدة الأمريكية بنحو 500 ألف برميل من النفط يومياً للمساهمة في تعزيز احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، إلى جانب منح الشركات الأمريكية أولوية في الاستثمار داخل العراق. وترافق هذه السياسة أي “الحرب على الفساد” مع قصف إعلامي هائل يستهدف وعي الجماهير، لنشر الضبابية والتضليل في المجتمع.
أي بعبارة أخرى إن الصراع الدائر اليوم ليس بين دولة تريد القضاء على الفساد وبين فاسدين، بل هو صراع داخل الطبقة الحاكمة لإعادة تنظيم آليات حكمها بما ينسجم مع التحولات الإقليمية ومتطلبات رأس المال العالمي. ومن هنا، فإن “الحرب على الفساد” ليست مشروعاً لإنقاذ المجتمع، بل محاولة لإنقاذ النظام السياسي نفسه عبر تحميل الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الفقيرة كلفة أزمته البنيوية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر