منبر العراق الحر :
لا أحدَ يراه في البداية
يبدأ الأمر دائما بورقةٍ بيضاء، وبيدٍ تمسك القلم كأنها تمسك سرا قديما وبجملةٍ أولى تخرج من مكانٍ لا يعرفه
الكاتب في نفسه.
هناك، في اللحظة التي يولد فيها الحرف الأول، يفتح قردُ الحبرِ الأسود عينه.
لا يظهر للذين يكتبون طلبا للشهرة، ولا يقترب ممن يطاردون التصفيق..إنه لا يعرف طريقه إلا إلى أولئك الذين
يضعون شيئا من أرواحهم في المحبرة.
يأتي صامتا..
لا تسمع له وقعا، ولا ترى له ظلا على الجدار.
له شعرٌ أملس، أسود، ولينٌ كأنه صُنع من دفء وسادةٍ قديمة ترك عليها شاعرٌ رأسه بعد ليلةٍ طويلة من الكتابة.
يجلس قرب المحبرة.
ينتظر…
فهو لا يسرق القصيدة، ولا يأخذ الأوراق، ولا يمزق السطور
إنه أكثر تهذيبا من اللصوص
ينتظر حتى تنتهي آخر كلمة، وحتى تضع النقطة الأخيرة، وحتى تشعر بذلك التعب الجميل الذي يأتي بعد ولادة نصٍ جديد.
ثم يمد يده الصغيرة…
ويأخذ ما تبقى من الحبر
ليس الحبر الذي في الزجاجة
بل الحبر الذي لا يُرى
ذلك الجزء الخفي الذي يجعل الجملة ترتجف ، والصورة تبقى في الذاكرة والكلمة تنبض كأن لها قلبا وفي الصباح
تستيقظ
تجد المحبرة في مكانها، والقلم كما تركته، والأوراق مرتبة
لا شيء تغيّر…
وهذا هو الشيء الأكثر رعبا
تجلس لتكتب
تخرج الكلمات صحيحة،جميلة
مكتملة القواعد…
لكنها لا تنظر إليك
كأنها جاءت من شخصٍ آخر
كأن روحها ضاعت في الطريق
عندها تعرف
أن قردَ الحبرِ الأسود زارك ليلا
لا يترك أثرا، ولا يوقظ بابا
ولا يزعج نافذة
يدخل كالفكرة التي لا تعرف
متى وُلدت
ويخرج كالحلم
الذي لا تستطيع إثبات أنك حلمته
يعيد كل شيء إلى مكانه
إلا الكاتب
ومنذ زمنٍ لا يعرفه أحد
وهو يتنقل بين الشعراء والروائيين
وبين كل من يسهر أمام صفحةٍ بيضاء
كل كاتبٍ يظن أن الجفاف جاء من التعب، أو من الحزن، أو من الزمن
ولا يعرف أن كائنا صغيرا يجلس في مكانٍ ما من العالم، يشرب آخر قطرة
من حبره، ثم يبحث عن محبرةٍ أخرى
له عينان واسعتان…
لكن لا انعكاس فيهما
لأنهما امتلأتا بكل الكلمات التي
لم تُكتب
وله قلبٌ غريب…
فكلما أخذ من كاتبٍ شيئا
ازداد جوعه.
لأنه خُلق من السؤال الذي يطارد كل مبدع:
أين تذهب الكلمات التي لم نستطع كتابتها؟
ولهذا…
إذا جلست يوما أمام ورقةٍ بيضاء وشعرت أن جملةً كانت على طرف لسانك ثم اختفت، وأن قصيدةً كانت قريبةً
منك ثم ابتعدت، وأن يدك تعرف الطريق لكن روحك لا تجد الباب
فلا تلُم نفسك..
انظر فقط إلى محبرتك
فربما…
كان قردُ الحبرِ الأسود قد زارك ليلا.
____________________________
ماجده الريماوي
فلسطين🇵🇸
٢٩-٧-٢٠٢١
منبر العراق الحر منبر العراق الحر