منبر العراق الحر :منذُ رحيلِكَ…
صرتُ أرتِّبُ السريرَ كما لو أنني أُخفي جريمةً.
أشدُّ الغطاءَ من جهتِكَ الفارغة، وأربِّتُ على الوسادة التي نسيتْ شكلَ رأسِكَ، وأتظاهرُ بأنني امرأةٌ ناضجةٌ تعرفُ
كيف تهزمُ الحنين.
لكنني، في الحقيقة، أفشلُ كلَّ ليلة.
أعترفُ الآن:
لقد هجرتَ البيتَ كلَّه، وتركتَ عطرَكَ رهينةً في الخزانة.
حتى القصائدُ القصيرةُ ما زالت تعانقُ ظلَّكَ في جيبِ قميصِكَ الصيفيِّ، الذي يحتفظُ بحُمْرةٍ سقطتْ على ياقتِهِ
عمدًا، في قبلةِ هاتفية حارة في الصيفِ قبلَ الماضي.
أيُّ رجلٍ هذا الذي يرحلُ بجسدِهِ، ويتركُ ظلَّه وراءه؟
كنتُ أقولُ إنني بخير.
أكذب.
أقولُ إنني نسيتُكَ.
أكذبُ أكثر.
وأقولُ إنني لم أعدْ أشتاقُ إليكَ.
فتضحكُ المرآة.
في الليلةِ الماضية، وقفتُ أمامها طويلًا، وسألتُها:
كم يحتاجُ القلبُ من الوقتِ كي يتوقَّفَ عن الركض؟
فأشارتْ إلى الباب.
كأنها تقول:
حتى يعود.
فأنتَ، للأسف الشديد، تشبهُ العادةَ السرِّيةَ للروح.
ذلك الخطأُ الجميلُ الذي نعرفُ عاقبتَه، ثم نرتكبُه بابتسامةٍ واسعة.
حين التقيتُكَ مجددًا، بعد كلِّ هذا الغياب، لم يحدثْ شيءٌ استثنائيٌّ.
لم تنشقَّ السماء، ولم تتساقطِ النيازك، ولم تتوقَّفِ الأرضُ عن الدوران.
كلُّ ما حدث أنني نسيتُ اسمي.
ونسيتُ لماذا أقسمتُ ألَّا أحبَّكَ مرةً أخرى.
ونسيتُ أن النساءَ العاقلاتِ لا يفتحنَ أبوابَ قلوبِهنَّ لرجلٍ يعرفُ الطريقَ جيدًا.
اقتربتَ مني.
كان ينبغي أن أبتعد.
لكنَّ المسافةَ بيننا كانت قصيرةً إلى درجةٍ أن قلبي تعثَّر بها.
وأن بعض النبض حينما تصيبه فوضى الشوق…
يتناثر في الهواءِ كـقنبلةً موقتةٌ.
أتدري؟
أنا لا أريدُ منك وعدًا كبيرًا.
أريدُ فقط أن تكفَّ عن الدخولِ إلى رأسي بهذه السهولة.
أن تتوقَّفَ عن الجلوسِ إلى جوارِ أفكاري، واضعًا ساقًا فوق أخرى، كأنكَ صاحبُ المكان.
أن تتوقَّفَ عن إرباكِ العالمِ كلِّه، كلما ابتسمتَ لي.
فأنا امرأةٌ قضتْ سنواتٍ طويلةً وهي تبني الأسوار.
ثم جئتَ أنتَ.
ولم تهدمْها.
لقد طرقتَ البابَ فقط.
وهذا، للأسف، كان أسوأ.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر